ليس لأن صوته هو الأفضل، ولا لأنه الأكثر موهبة بالضرورة، ولكن لأنه ربما يكون أذكى مسوّق فني عرفته الموسيقى العربية الحديثة.
كثيرون يقيّمون عمرو دياب بمقياس الأغاني التي أحبوها في التسعينيات أو مطلع الألفية، ثم يتساءلون: “لماذا لم يعد كما كان؟”، لكن هذا السؤال نفسه يفترض أن هدفه هو إرضاء جمهوره القديم، بينما الحقيقة تبدو مختلفة تمامًا.
عمرو دياب لا يغني لجمهوره فقط، بل يبحث دائمًا عن جمهوره القادم.
في كل مرحلة عمرية، يعيد تعريف نفسه من جديد، يتعلم لغة الجيل الجديد، يستمع إلى ما يسمعه، يفهم إيقاعه، يلتقط مفرداته الموسيقية، ثم يضيف إليها بصمته الخاصة، فلا يذوب في الموجة الجديدة، ولا يقاومها، بل يستوعبها ويعيد تقديمها بطريقته.
ولهذا يشعر كثير من أبناء الثمانينيات والتسعينيات أن مستواه قد تراجع، ومن زاوية ذائقتهم الفنية هم محقون؛ لأنهم يقارنون أعماله الحالية بأعمال صنعت وجدانهم قبل عشرين أو ثلاثين عامًا، لكنهم ينسون أن هذه الأغاني لم تعد موجهة إليهم وحدهم.
الرجل اليوم ينافس على قلوب من تربوا على المهرجات، والتِراب، وأغاني ويجز، وتوليت، وثقافة التيك توك، لا على قلوب من حفظوا “راجعين” و”تملي معاك”.
وهذه ليست مصادفة، بل استراتيجية واعية للغاية.
عندما ظهر عمرو دياب في أوائل الثمانينيات، تأثر بموسيقى الفرق الغنائية الصاعدة “فرقة المصريين والفور إم والأصدقاء” وصنع لنفسه شخصية مختلفة، ثم جاء جيل الأغنية الشبابية بقيادة حميد الشاعري، فاستوعب الثورة الموسيقية الجديدة، وقدم أفضل ما فيها بطابعه الخاص، وبعدها انتقل إلى التأثيرات الغربية في نهاية التسعينيات وبداية الألفية، وقدم أنماطا موسيقية مختلفة مع جيل من الموزعين والملحنين، وعلى رأسهم عمرو مصطفى، مرحلة صنعت واحدة من أهم الفترات في تاريخ البوب العربي.
واللافت للنظر، أنه لم يتعامل مع أي نجاح باعتباره محطة أخيرة، فكلما استقر الآخرون، تحرك هو، وكلما اعتقد الناس أنه وصل إلى القمة، بدأ يبحث عن قمة أخرى لصعودها.
لهذا لم يتحول أبدا إلى “مطرب ذكريات”، رغم أن هذا الطريق سيكون الأسهل والأكثر أمانًا.
إن القاعدة الطبيعية في الفن أن لكل مطرب جيله، ينجح مع أبناء مرحلته، ثم يأتي جيل جديد يبحث عن صوتا جديدا ليعبر عنه، وهذا ليس فشلًا، بل هو القانون الذي حكم تاريخ الموسيقى في كل مكان وكل زمان.
ولهذا لا يمكن التقليل من قيمة نجوم كبار مثل محمد فؤاد، أو مصطفى قمر، أو إيهاب توفيق، أو تامر حسني، أو محمد حماقي، أو رامي صبري، أو حمزة نمرة، جميعهم حققوا نجاحات ضخمة، وصنعوا علامات فارقة في أجيالهم، ولم يكن مطلوبًا منهم أصلًا أن يظلوا الفنان المفضل لدى كل جيل يأتي بعدهم.
لكن عمرو دياب كسر هذه القاعدة.
لم يحافظ فقط على جمهوره، بل ظل يكتسب جمهورًا جديدًا، حتى أصبح حاضرًا في وجدان ثلاثة أجيال متتالية، وهو إنجاز نادر في تاريخ الموسيقى العربية، بل وحتى العالمية.
وربما لهذا السبب يبدو نجاح الآخرين أقل مما يستحق في نظر الناس، ليس لأنهم أقل قيمة فنية أو جماهيرية، بل لأن المقارنة أصبحت مع حالة استثنائية يصعب تكرارها.
قد يختلف الناس حول أفضل ألبوماته، أو حول ما إذا كانت أغانيه القديمة أجمل من الجديدة، لكن من الصعب الاختلاف على حقيقة واحدة: أن عمرو دياب ينتصر دائمًا لا لأنه رفض التغيير، وإنما لأنه كان أول من يتغير، قبل أن يضطر الجميع إلى فعل ذلك.





