في زيارة لـ”ليبرالي” للأسواق الشعبية في أثينا.. “العين الزرقاء” خيط خفي يربط بين مصر واليونان

في رحلة الرصد من القاهرة إلى أثينا، وفي الحلقة الثالثة من جولات “ليبرالي” الصحفية داخل عدد من المدن اليونانية، لفت انتباهنا حضور متكرر لرمز مألوف في الثقافة المصرية، “العين الزرقاء ” اللامعة، التي تظهر في كل مكان تقريبًا، في الأسواق الشعبية، ومحلات الهدايا، والموانئ، وحتى على الأساور والمفاتيح وواجهات المنازل.

في مدن مثل لوتراكي، أثينا، وكورنثوس، لا تكاد تخطو بضع خطوات في الأسواق حتى تجد ما يُعرف محليًا باسم “العين الزرقاء” (Nazar)، وهي قطعة زجاجية دائرية زرقاء تتوسطها عين سوداء، تُعلّق كتعويذة للحماية من الحسد ودرء “الطاقة السلبية أو لجلب الحظ كما قالت لي أحدى البائعات حينما سألتها ماذا تعني العين الزرقاء في ثقافتكم!.

لكن المدهش ليس وجودها فقط، بل تشابهها العميق مع رموز مماثلة في الثقافة المصرية.

في مصر، تُعرف هذه الرموز الشعبية باسم “الخرزة الزرقاء” أو”العين”، وهي أيضًا تُستخدم منذ قرون كوسيلة رمزية للحماية من الحسد، وتُعلق في البيوت والسيارات وعلى الملابس، خاصة للأطفال، اعتقادًا بقدرتها على الحماية من العين الشريرة.

وخلال زيارة “ليبرالي” لعدد من الأسواق في اليونان، لاحظت أن الباعة يحرصون على عرض هذه القطع بأشكال متعددة، أساور، سلاسل مفاتيح، تعليقات جدارية، وحتى زخارف داخل المنازل والمكاتب، بعضهم يشرح أن هذا الرمز يعود إلى معتقد يوناني قديم يقول إن “العين الحاسدة” يمكن أن تسبب سوء الحظ أو المرض، وبالتالي يجب صدّها برمز معاكس يعكس الطاقة السلبية.

لكن حين ننظر بعمق، وجدنا أن القصة لا تتوقف عند حدود اليونان فقط.

ففي التراث المصري القديم، ظهرت رموز مشابهة لما يُعرف بـ “عين حورس”، والتي كانت تمثل الحماية والقوة والصحة والشفاء. وكان المصريون القدماء يرسمونها على الجدران والتوابيت والمجوهرات كرمز للحفظ من الشرور.

هذا التشابه بين الحضارتين يطرح سؤالًا مهمًا (هل هو مجرد تقاطع ثقافي عابر، أم أن هناك جذورًا حضارية مشتركة في شرق المتوسط؟).

في حديثنا مع بعض التجار في أسواق أثينا، أكد أحدهم أن (العين الزرقاء ليست مجرد قطعة زينة، بل جزء من هوية ثقافية متوارثة)، مشيرًا إلى أن السياح من الشرق الأوسط، وخاصة المصريين، يتوقفون كثيرًا أمام هذا الرمز بسبب تشابهه مع ما يعرفونه في ثقافتهم.

وخلال جولتنا في لوتراكي، وهي مدينة ساحلية هادئة، لاحظنا أن الرموز نفسها تُباع في محلات صغيرة قرب البحر، جنبًا إلى جنب مع منتجات تقليدية يونانية أخرى، ما يعكس امتزاج التراث الشعبي بالاقتصاد السياحي.

أما في كورنثوس، فقد ظهرت “العين الزرقاء” في أشكال أكثر حداثة، مثل الإكسسوارات المعدنية والتصاميم العصرية، لكنها احتفظت بنفس المعنى الرمزي القديم.

المثير للاهتمام أن هذا الرمز لم يعد محصورًا في منطقة جغرافية واحدة، بل أصبح رمزًا عالميًا تقريبًا، يُباع في أوروبا، الشرق الأوسط، وحتى عبر المتاجر الإلكترونية، كتعويذة للحماية والطاقة الإيجابية.

حتى أشتريت قطعة للحظ السعيد!.