عربي ودولي

خريطة مضللة.. كيف ظهرت حدود جنوب لبنان داخل خريطة منسوبة للاحتلال الإسرائيلي؟

 تداولت حسابات على منصات التواصل الاجتماعي خريطة نُسبت إلى وزارة الخارجية الإسرائيلية، أظهرت أجزاءً من جنوب لبنان ضمن المساحة المرسومة لدولة الاحتلال، مع الادعاء بأنها تستند إلى بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”.

إلا أن “ليبرالي” تحققت من الخرائط، وأظهرت عملية التحقق أن “اليونيسف” لم تنشر هذه الخريطة، كما أن النسخة المتداولة منها لم تعد موجودة على موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، بينما تشير مراجعة المصادر المفتوحة إلى أن أول ظهور موثق للصورة كان عبر منصة لأرشفة المصادر المفتوحة، قبل أن يعاد تداولها على نطاق واسع.

كذلك، لا يوجد ما يثبت أن الخريطة تمثل موقفًا قانونيًا أو إعلانًا رسميًا بتغيير الحدود الدولية بين إسرائيل ولبنان.

خريطة أثارت جدلا واسعًا
أظهرت صورة الخريطة بيانات حول سوء التغذية الحاد بين الأطفال في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن التركيز لم ينصب على الأرقام والإحصاءات الواردة فيها، بل على الطريقة التي رُسمت بها الحدود، حيث بدت أجزاء من جنوب لبنان وكأنها تقع ضمن الأراضي الإسرائيلية.

وأرفقت الخريطة بادعاءات تفيد بأنها صادرة عن وزارة الخارجية الإسرائيلية، وأنها تستند إلى بيانات من منظمة اليونيسف، وهو ما دفع العديد من المتابعين والنشطاء إلى اعتبارها دليلاً على تبني إسرائيل خريطة جديدة تضم أجزاءً من الأراضي اللبنانية.

التحقق من مصدر الخريطة
بمراجعة المصادر الرسمية، لم يُعثر على أي نسخة من هذه الخريطة منشورة على الموقع الرسمي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”، كما لا تظهر ضمن المواد الخاصة بالمنظمة المتعلقة بسوء التغذية في الشرق الأوسط.

كما أظهرت مراجعة النسخة المتداولة أن الصفحة التي قيل إنها نُشرت عبر موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية لم تعد متاحة، ما يشير إلى أنها أزيلت لاحقًا، دون صدور بيان رسمي يوضح سبب حذفها.

وفي المقابل، أوضحت مراجعة المصادر المفتوحة أن أقدم نسخة أمكن تتبعها للصورة ظهرت عبر إحدى منصات أرشفة المحتوى المفتوح “صادرة من إسرائيل”، قبل أن يعاد نشرها عبر حسابات مختلفة على منصات التواصل الاجتماعي.

ولا يسمح ذلك وحده بالجزم بمن صمم الخريطة أو الجهة التي أعدتها، لكنه يوضح أن نسبتها إلى “اليونيسف” لا تستند إلى دليل منشور من المنظمة نفسها.

هل تمثل الخريطة إعلاناً بضم جنوب لبنان؟
الخرائط أو الرسومات البيانية، حتى إذا ظهرت على موقع رسمي، لا تُعد في حد ذاتها إعلانًا قانونيًا بتغيير الحدود الدولية أو ضم أراضٍ.

وللتمييز بين ما تعنيه هذه الخريطة، ينبغي الفصل بين ثلاثة مستويات مختلفة، الشكل البصري الذي ظهرت به الحدود على الخريطة، والسياق السياسي أو الإعلامي الذي نُشرت فيه، والوضع القانوني الدولي المعترف به للحدود، ولا تتطابق هذه المستويات بالضرورة، حيث أن السيادة والحدود الدولية لا تتغير عبر تصميم إنفوجراف أو خريطة إحصائية، وإنما وفق قواعد القانون الدولي والاتفاقيات والقرارات الأممية.

لماذا أثارت الخريطة الاهتمام؟
تكتسب القضية حساسية خاصة لأنها جاءت في توقيت يشهد استمرار الوجود العسكري للاحتلال الإسرائيلي داخل مناطق من جنوب لبنان، بالتوازي مع مفاوضات تتعلق بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701، والانسحاب من بعض المناطق، وترتيبات الأمن على الحدود، لذلك، فإن أي تمثيل بصري للحدود في هذا السياق يخضع لتدقيق أكبر، خصوصًا عندما يتعلق بمنشورات منسوبة إلى جهات رسمية.

الخط الأزرق هو المرجع الدولي
عند تقييم أي خريطة تتعلق بالحدود اللبنانية الإسرائيلية، يبقى الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة عام 2000 المرجع الأساسي المستخدم للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي وتنفيذ القرار 1701.

ولهذا فإن المقارنة المهنية لا تتم بالاعتماد على الانطباع البصري فقط، وإنما من خلال مطابقة الخريطة محل الجدل مع خرائط الأمم المتحدة والبيانات الجغرافية الرسمية، ومراجعة مواقع القرى والخط الحدودي ونقاط المراقبة.

وتساعد هذه المقارنة في تحديد ما إذا كان الاختلاف ناتجًا عن خطأ في التصميم، أو استخدام قاعدة بيانات جغرافية مختلفة، أو معالجة بصرية غير دقيقة.

من الخريطة إلى الواقع الميداني
خلال عام 2026، تحدثت تقارير دولية وإعلامية عن استمرار وجود قوات الاحتلال داخل مناطق في جنوب لبنان، وعن إقامة منطقة عازلة أو “منطقة دفاع متقدمة” داخل الأراضي اللبنانية، كما أشارت تقارير حقوقية وإعلامية إلى أن هذه المنطقة تمتد عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما أدى إلى تقييد عودة السكان إلى بعض القرى الحدودية.

إلا أن هذه الوقائع الميدانية لا تعني قانونيًا انتقال السيادة على تلك الأراضي إلى إسرائيل، ولا تغير من الاعتراف الدولي بالحدود بين البلدين، والذي تحاول تنفيذه الدولة المُحتلة للاستيلاء والاعتداء على الجنوب اللبناني.

ردود الأفعال الدبلوماسية تجاه الخريطة المضللة
أدانت وزارة الخارجية اللبنانية النشر بشدة، ووصفته بأنه انتهاك سافر للسيادة اللبنانية والقوانين الدولية التي تحدد الحدود البرية المعترف بها بين البلدين.

  بينما تقدمت الحكومة اللبنانية بطلب رسمي عبر بعثتها الدبلوماسية في نيويورك لتقديم شكوى عاجلة أمام مجلس الأمن الدولي، ضد هذا التلاعب الجغرافي، كما أكدت قوات اليونيفيل التزامها بالخرائط الدولية المعتمدة والخط الأزرق، مشددة على أن أي تغيير بصري في الحدود لا يغير من الواقع القانوني والسيادي شيئًا.

زر الذهاب إلى الأعلى