كاملة أبو ذكري في حوار الشغف والجرأة.. أرفض تصنيف الفن ولا أخشى بتر العلاقات المؤذية

أكره الرقابة لأنها تخنق الإبداع

مصطفى محمود ليس نبيًا معصومًا.. وسيرته لن تُجمل أو تُزور

اخترت حمزة العيلي لأنه “يلبس الشخصية”.. وخالد النبوي لم يعتذر إلا لانشغاله

لم أخسر أصدقاء بسبب صرامتي.. وأحيانًا ندمت لأن القطيعة تأخرت

خلف كادرتها البصرية الساحرة تكمن شخصية استثنائية، تجمع بين رقة الفنان الملتصق بقضايا مجتمعه، وصرامة المخرج الذي لا يقبل بالحلول الوسط، المخرجة الكبيرة كاملة أبو ذكري، التي طالما غاصت في أعماق النفس البشرية من خلال أعمالها، تفتح قلبها وعقلها في هذا الحوار بمكاشفة غير مسبوقة.

تتحدث “أبو ذكري” بنبرة واثقة عن كواليس مشروعها المرتقب حول سيرة العالم الجليل دكتور مصطفى محمود، وتكشف دون مواربة عن معايير اختيارها للأبطال وموقفها الصارم من “مقصلة الرقابة” والوصاية على الإبداع، وفي رحلة سريعة بين كواليس “اللوكيشن” وعالمها الخاص، تزيح الستار عن مفهومها الخاص للصداقة، وعن العمل الذي يشبه روحها الحقيقية، لتؤكد من جديد أنها مخرجة لا تشبه إلا نفسها، وأن سينماها تتسع للجميع دون قوالب أو مسميات معلبة.

ماذا وجدت كاملة أبو ذكري في حمزة العيلي لتجسيد شخصية دكتور مصطفى محمود ولم تجده في خالد النبوي؟

الأمر لا علاقة له إطلاقًا بالمقارنة بين قامات تمثيلية مثل الأستاذ خالد النبوي والأستاذ حمزة العيلي، فلكل منهما بصمته الاستثنائية، الفكرة ببساطة أن النجم خالد النبوي كان مرتبطًا بجدول أعمال مزدحم للغاية، ولم يكن قادر على التواجد معنا في السباق الرمضاني المقبل، وهو ما جعلنا نبحث عن خيار آخر يمتلك نفس الشغف، وهنا جاء اختيار حمزة العيلي فهو ممثل صاحب موهبة طاغية، ولديه قدرة فائقة على التقمص والذوبان داخل تفاصيل الدور، أو كما نقول بالتعبير الدارج “بيلبس الشخصية” بالإضافة إلى ذلك، أنا شخصيًا أعشق التحدي، وأفضل دائمًا التعاون مع طاقات إبداعية جديدة لم ألتقِ بها خلف الكاميرا من قبل وأتمنى من كل قلبي التوفيق لنا جميعًا في تقديم عمل فني راقٍ يليق بقيمة واسم شخصية عظيمة ومؤثرة مثل الدكتور مصطفى محمود.

حياة الدكتور مصطفى محمود كانت رحلة حافلة بالتحولات بين الشك واليقين.. كيف ستترجمين هذا الصراع الفكري في كادرات بصرية جاذبة دون السقوط في فخ “الجفاف التوثيقي”؟

لا يمكنني التنبؤ من الآن بالشكل النهائي للكادرات أو الحكم على ما سأقدمه قبل أن يكتمل المسلسل ويخرج للنور، فالمشهد الإخراجي يُولد وينمو في موقع التصوير، كل ما أفعله حاليًا هو استغراق كامل في عالم الدكتور مصطفى محمود، أدرس تفاصيل حياته وشخصيته ويومياته بدقة شديدة منذ ولادته وحتى وفاته، هدفي الأساسي هو نقل “حكايته” الإنسانية ورحلته الفكرية للجمهور بأمانة وضمير، لأنها رحلة ملهمة وتستحق أن تُروى وتُعرف عن قرب، وبالمناسبة أنا من عشاق الدكتور مصطفى محمود منذ طفولتي، ولذلك أصنع هذا العمل بشغف ومتعة حقيقية، وما يساعدني ويمنحني عمقًا أكبر في هذا التحضير هو التعاون والدعم الكبير الذي ألقاه من أسرته، وخاصة الجلسات الممتدة مع ابنته “أمل”، والتي تنقل لنا تفاصيل إنسانية لا يعرفها الجمهور.

دائماً ما تصطدم أعمال السيرة الذاتية في مصر بمقصلة “الورثة والرقابة”..كيف ستتعاملين مع هذه الإشكالية في تقديم شخصية بوزن الدكتور مصطفى محمود؟

في أعمال السيرة الذاتية لا يمكنني أن أسمح لخيالي الإخراجي بأن يطمس الحقيقة أو يزيفها فالدكتور مصطفى محمود ليس شخصية درامية من وحي خيالي أو خيال الكاتب، بل هو قامة حقيقية عاشت حياة حافلة بالثراء، ومن الطبيعي أن تنقسم الآراء حول أي شخصية عامة، فهناك من يحبه ويتفق مع أفكاره، وهناك من يختلف معه ويرى أطروحاته من منظور آخر، ودوري هنا هو نقل كافة جوانب حياته بحيادية وواقعية تامة بعيدًا عن الافتراضات أو التجميل.

في المقام الأول الدكتور مصطفى محمود شخصية عظيمة ومُلهمة لها كل الاحترام والتقدير، لكنه في النهاية إنسان وليس نبيًا معصومًا، ووجود معارضين له أو لأفكاره لا ينتقص من قيمته إطلاقًا، فالبشر لم يجمعوا على شيء، ولله المثل الأعلى هناك من يلحد ولا يؤمن بوجود الله الفكرة الأساسية هي أننا أمام رحلة إنسانية وفكرية استثنائية تستحق أن تُروى وتُعرف بكل تفاصيلها، بصرف النظر عن اتفاق الجمهور أو اختلافه معها.

ما هي آخر تطورات المسلسل؟ وهل حُسمت مسألة الـ 15 حلقة وما يتردد عن الخلافات مع وليد يوسف وخالد النبوي؟

العمل استقر بالفعل على 15 حلقة، وقطعنا شوط كبير فيه، حيث وصلنا بمراحل حياته إلى سن 28 عامًا، أما عن الخلافات، فلا أساس لها من الصحة، ولا توجد أي صراعات مع أي زميل الدكتور مصطفى محمود قامة عامة، ونحن نعمل بتفويض رسمي من ابنته وابنه، وسيرة هذا العالم الجليل تتسع للجميع، فمن حق أي مبدع مستقبلًا تقديم رؤية أخرى عنه، تمامًا كما حدث مع سيرة “أم كلثوم” التي قُدمت في أعمال متعددة ولا تزال تلهم صناع السينما والدراما.

بعد النبرة التراجيدية الحادة في “بطلوع الروح” ما هو التحدي الذي يجمعه بكِ مسلسل “سفنجة وزفلطة” ذو الطابع الكوميدي الخفيف؟

للأسف، هذا العمل تأجل أكثر من مرة، وأتمنى بشدة أن يرى النور قريبًا، أما عن منة شلبي، فهي كتلة من الموهبة والطاقة الإبداعية المتحركة، وهي إنسانة حقيقية وأعتبرها بمثابة شقيقتي الصغرى، وعلاقتي بـ “منة” تمتد لسنوات طويلة، التقينا لأول مرة في فيلم “الساحر” وكان عمري وقتها 27 عاماً بينما كانت هي في الـ 18 من عمرها هناك عشرة عمر طويلة تجمعنا، والأمر بيننا تخطى حدود العمل والمهنة ليصبح علاقة شخصية وإنسانية وثيقة جداً وبالمناسبة، منة شلبي، ونيللي كريم، والأستاذ خالد النبوي، هم من أقرب الشخصيات إلى قلبي في الوسط الفني وخارجه.

عُرِفت بالصرامة الشديدة داخل “اللوكيشن”..هل كلفتكِ هذه الصرامة خسارة بعض الأصدقاء في الوسط الفني؟

نقول “لعله خير”، فأنا لم أخسر أحدًا طوال حياتي وندمت على خسارته وبالمناسبة، الأشخاص الذين خسرتهم لا يتعدون أصابع اليد الواحدة على العكس تمامًا، أنا أحيانًا أشعر بالندم لأن هذه الخسارات والقطع لم يحدثوا من وقت مبكر، فالصرامة في العمل جزء من احترامي للمهنة، ومن لا يقبل ذلك لا مكان له في دائرتي.

رغم أن قضايا المرأة تشغل مساحة كبيرة من مشروعكِ الفني، إلا أنكِ ترفضين دائماً مصطلح “السينما النسوية”.. ما سر هذا التحفظ؟

أنا ببساطة لا أحب التصنيف أو وضع الفن داخل قوالب ضيقة، فالسينما بالنسبة لي مساحة شاسعة يجب أن تظل حرة وخارج أي مسمى مُعلب، قضايا المرأة جزء من المجتمع، لكنني أحب أن يتسع كادري ليعبر عن المجتمع بكل أطيافه، أحب أن أتحدث عن الست، وعن الرجل، وعن الشباب، وعن كل التفاصيل الإنسانية دون قيود أو تصنيفات اختزالية.

لو تحدثنا باختصار عن “نقابة المهن السينمائية” ماذا تقولين؟

أكنّ لها كل الاحترام والتقدير، ولنقيبنا الدكتور مسعد فودة كل الحب والإعزاز، النقابة في النهاية هي بيتي وعائلتي الكبيرة التي أنتمي إليها.

وماذا عن “الرقابة”؟

باختصار أنا أكره الرقابة لأنها أداة تحجم الإبداع وتخنق الأفكار، خاصة إذا كانت رقابة متعسفة، أتمنى أن يكون صدر الرقابة أكثر اتساعًا للأفكار الجريئة والمختلفة، ولا يصح أن نتبع “سياسة النعامة” ونضع رؤوسنا في الرمال أمام مشكلاتنا علينا مواجهة “الدمل” وفتحه لتنظيفه حتى يبرأ المجتمع، بدلاً من العيش في خوف دائم من مواجهة المرض وعلاجه.

ما هو آخر فيلم سينمائي شاهدته كاملة أبو ذكري؟

فيلم عن أسطورة الموسيقى “مايكل جاكسون”

ما هو العمل الأكثر شبهًا لشخصيتكِ الحقيقية من بين كل أعمالكِ؟ وهل هناك عمل في مسيرتكِ لو عاد بكِ الزمن إلى الوراء لرفضتِ تقديمه؟

فيلم “ملك وكتابة” هو العمل الأقرب لقلبي والأكثر شبهًا لشخصيتي الحقيقية وتفاصيلي الإنسانية، أما عن الشق الثاني من السؤال، فلا يوجد عمل واحد ندمت عليه أو أرفضه لو عُرض عليّ مجددًا، بالعكس تمامًا، أنا أحب كل أعمالي بلا استثناء، ووفية لكل تجربة قدمتها، ولو عاد بي الزمن سأوافق عليها جميعًا وأقدمها بنفس الشغف.