إصلاح الإعلام بين الهيكلة والحرية.. خبراء يكشفون جذور الأزمة

هيكلة الإعلام بين مطالب الرئيس ومعضلة الحرية.. خبراء: ما فائدة «الآيفون» لـ «مقطوع اللسان»؟

تأتي قضية إصلاح المشهد الإعلامي وتطوير أدواته كإحدى أهم الأولويات المطروحة على الساحة الوطنية الحالية، لا سيما بعد مطالب رئيس الجمهورية المتكررة بضرورة إعادة هيكلة منظومة الإعلام، وفتح المجال العام بما يضمن صياغة رسالة إعلامية قوية ومواكبة للتحديات.

واستجابةً لهذه التوجيهات الرئاسية تم تشكيل لجنة لتطوير الإعلام لم تسفر عن أي نتائج، ويبرز تساؤل جوهري حول طبيعة التحديات التي تعوق المنظومة، وما إذا كانت الأزمة هيكلية وتقنية فحسب، أم أنها تمس فلسفة العمل الإعلامي وعلاقته بالبيئة السياسية والاقتصادية والمعلوماتية.

وقبل أيام، وجه الرئيس بفتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي، الذي يشمل الرأي والرأي الآخر، لإثراء النقاش وبناء الوعي، في إطار من الاحترام والتفاهم. وطالب الرئيس السيسي، وزير الدولة للإعلام، ضياء رشوان ، بالتنسيق مع الجهات والهيئات الإعلامية والصحفية المعنية، بعقد اجتماع سنوي، مبدئيًا يوم ٣ ديسمبر من كل عام، تحت رعاية رئيس الجمهورية، لمراجعة أوضاع الإعلام المصري، ومناقشة التحديات والفرص، والخروج بتوصيات عملية، لتطويره بصفة مستمرة.

تتقاطع في المشهد الحالي رؤى أكاديمية ومهنية لتشريح الأزمات الحالية، وتتنوع التحديات بين أزمات تنظيمية، ومعلوماتية، وفلسفية.

الفلسفة الحاكمة

أطلق الدكتور أيمن منصور ندا، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة ورئيس قسم الإذاعة والتليفزيون السابق، تصريحات نقدية حول واقع المشهد الإعلامي المصري وآفاق تطويره، مؤكداً أن الأزمة الراهنة تتجاوز الهياكل والمؤسسات لتضرب عمق الفلسفة الحاكمة للمنظومة برمتها.

أوضح “ندا” في تصريحات لـ “ليبرالي” ،أن الحديث عن استقلالية الهيئات الإعلامية الثلاث بموجب الدستور والقانون هو حديث نظري واستهلاكي لا يمت للواقع بصلة، قائلاً: “هذه الهيئات هي المنوط بها قانوناً اختيار القيادات الإعلامية وإدارة المشهد، لكنها في الواقع الفعلي تفتقد للاستقلال الحقيقي وتخضع بشكل كامل لوصاية وتوجيهات السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية”.

وعن بيع الهواء في القنوات الفضائية، تابع أستاذ الإعلام مستشهداً بمثال صارخ على تعطيل القانون، صلاحية منح التراخيص وإدارة الفضاء المفتوح (بيع الهواء) هي سلطة أصيلة ومن صميم اختصاصات رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بحكم القانون، ومع ذلك، فإننا أمام مسؤولين لا يمارسون صلاحياتهم الممنوحة لهم، ولا يقومون بواجباتهم المستقلة الموكلة إليهم”.

وفي إسقاط لاذع على التركيز المستمر لتطوير التقنيات وتجاهل الحريات، أكد د. أيمن ندا، أن معضلة الإعلام المصري لم تكن يوماً معضلة تكنولوجية أو رقمية، بل هي أزمة غياب حرية بالدرجة الأولى، مضيفاً: “أعطني حرية، وتحدث بأي وسيلة تكنولوجية شاءت.. فما فائدة أن تمتلك أحدث تقنيات العصر كجهاز (آيفون 17 برو ماكس) وأنت متواجد في بيئة بلا شبكة، أو وأنت في الأصل مقطوع اللسان؟”.

واختتم الدكتور أيمن منصور ندا تصريحاته بالإشارة إلى أن المنظومة الحالية تدور في حلقة مفرغة محكمة الإغلاق لن تفضي إلى أي تطور حقيقي ما لم تفكك جذور الأزمة، مشدداً على الحتمية الثلاثية، بأن لا توجد حرية إعلامية بدون حرية سياسية، ولا توجد حرية سياسية بدون حرية اقتصادية تفك قيود التبعية والتمويل الموجه.. وفي غياب هذا الثالوث، فإن أي محاولة للإصلاح ستظل مجرد حرث في البحر، ولن تسفر عن أي شيء بالشكل المأمول والمطلوب”.

معضلة تداول المعلومات وحرب الشائعات

من زاوية موازية، أكدت الدكتورة شيماء ذو الفقار أستاذ الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام المصري حالياً تتمثل في أزمة غياب حرية تداول المعلومات وعدم إتاحة البيانات الرسمية من قِبل الوزارات والمؤسسات الحكومية.

وأوضحت في تصريحات لـ”ليبرالي”، أن نقص المعلومات هو البيئة الأساسية التي تسمح بنمو الشائعات والأخبار المغلوطة التي تعوق جهود الدولة في بناء الوعي الحقيقي لدى المواطنين، مشددة على ضرورة تمكين الإعلاميين والصحفيين، بل وحتى أعضاء البرلمان، من الوصول إلى المعلومات الموثوقة لقطع الطريق على مروجي الشائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وحذرت “ذو الفقار”، من خطورة ظاهرة بيع الهواء والساعات الإعلانية في بعض القنوات لأشخاص غير متخصصين وغير مؤهلين يفتقرون لأدنى قواعد المهنية، مما يساهم في تشويه صورة الإعلام وتصدير رسائل سلبية ومضللة للجمهور.

التحدي الهيكلي

واختتمت تصريحها بالإشارة إلى التحدي الهيكلي الذي يواجه المؤسسات الإعلامية الرسمية كـ ماسبيرو بسبب توقف التعيينات وضخ الدماء الجديدة منذ سنوات، مطالبة بوضع ضوابط وحوكمة صارمة للقنوات الخاصة، وإيجاد حلول مرنة كالتعاقدات السنوية أو إعادة توظيف الكفاءات الداخلية المؤهلة، مؤكدة على أهمية إيجاد حلول مرنة داخل المؤسسات الرسمية (ماسبيرو) كالتعاقدات السنوية أو إعادة توظيف الكفاءات الداخلية المؤهلة للتغلب على أزمة توقف التعيينات.

خارطة الطريق العشر لإصلاح المنظومة

أما على صعيد الإصلاح الجذري الشامل للمشهد الإعلامي، أشار الدكتور أيمن ندا إلى خطوات الإصلاح في النقاط العشر التالية:

إطلاق منصة تقييم وطنية مفتوحة تتجاوز الهياكل الرسمية، وتضم الجمهور، والمهنيين المستبعدين، والخبراء المستقلين، وصنّاع المحتوى، لتقديم تشخيص واقعي للأزمة.

صياغة وثيقة ملزمة ومكتوبة تحمي غرف الأخبار من التدخلات الخارجية، وتضع قواعد مهنية معلنة لاختيار الضيوف، وترتيب الأولويات، وصناعة المحتوى، وتكون قابلة للطعن.

إلزام الهيئات الإعلامية الثلاث بتقديم كشوف حساب علنية تكشف عن إنجازاتها وإخفاقاتها وعوائق عملها خلال السنوات الماضية، تليها عملية إعادة تقييم وهيكلة قياداتها وفق معايير الكفاءة.

تحويل التلفزيون الرسمي (ماسبيرو والمؤسسات القومية) من لسان حال الحكومة إلى إعلام يخدم المجتمع، عبر تشكيل مجالس أمناء حقيقية، ونشر سياسات تحريرية وواضحة، وإتاحة مساحات منتظمة للتنوع والرأي الآخر.

إنهاء معادلة “الدعم مقابل الولاء”، وربط أي تمويل أو إعفاء مالي للمؤسسات بمعايير أداء مهنية وشفافة؛ تشمل حجم الجمهور، جودة المحتوى، النزاهة المالية، والتعددية الفكرية.

فتح السوق الإعلامي أمام التنافسية الحرة والتعددية الحقيقية، بدلاً من خلق منصات مركزية جديدة تعيد إنتاج الاحتكار بأساليب تقنية منمقة.

تحويل “حرية المعلومات” من مجرد نصوص تشريعية وشعارات إلى بيئة عمل يومية، عبر تفكيك الثقافة الإدارية البيروقراطية التي تحجب الحقائق.

تطهير الشاشات من منصات تصفية الحسابات والتشهير المهني، وترسيخ سلطة القانون بتطبيقه بعدالة ومساواة على الجميع دون تمييز بين قوي وضعيف.

استدعاء المهنيين والإعلاميين الذين تم تجميدهم أو إبعادهم إلى الهامش؛ إذ لا يمكن علاج ضعف المنظومة الإعلامية بينما تُترك أفضل العقول والكفاءات خارج المشهد.

الاعتراف بأن الإعلام الحر ليس عبئاً أو تهديداً للسلطة، بل هو “جهاز إنذار مبكر” يحمي الدولة، فالصحافة الحرة قد تزعج المسؤول لكنها تنقذ الوطن، بينما الإعلام المطيع قد يمنح شعوراً زائفاً بالراحة لكنه يخدر النظام.