دعوة الرئيس لإصلاح الإعلام فرصة لا يجوز إهدارها والقيود المفروضة لا تصنع وطنًا ولا مستقبلًا

النقابة ستظل بيتًا لكل الصحفيين مهما اختلفت آراؤهم
أؤمن بالفكر اليساري لكنني أمثل جميع الصحفيين.. لم أتربح من موقعي وأعيش في شقة إيجارها 300 جنيه
إصلاح التشريعات يبدأ بحرية تداول المعلومات وإلغاء الحبس في قضايا النشر
لا يجوز حجب أي موقع إلا بحكم قضائي والصحافة الرقمية أصبحت ضرورة وليست رفاهية
شددنا إجراءات القيد لمنع تسلل غير المستحقين وملف الصحفيين المؤقتين أصبح جاهزًا وينتظر القرار النهائي
تفاوضنا لزيادة البدل وتحسين أجور الصحفيين
حوار: أحمد عبد الجليل ومحمود السقا
أكد خالد البلشي، نقيب الصحفيين، أن دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لإصلاح الإعلام تمثل فرصة مهمة يجب البناء عليها، مشددًا في حواره مع “ليبرالي” على أن نقابة الصحفيين شاركت في جميع المسارات التي ناقشت مستقبل الإعلام، بدءًا من الحوار الوطني، مرورًا بالمؤتمر العام السادس للنقابة، وصولًا إلى لجنة تطوير الإعلام، وأنها أصبحت تمتلك رؤية متكاملة لإصلاح المهنة وتشريعاتها.
وقال البلشي إن النقابة لا تكتفي بتشخيص الأزمات، بل أعدت مشروعات قوانين وحلولًا تنفيذية لعدد من الملفات، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من مرحلة النقاش إلى التنفيذ..
وإلى نص الحوار:
كيف ترى دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي للحوار حول إصلاح الإعلام؟ وهل ترى أنها تمثل فرصة حقيقية للتغيير؟
أي دعوة للحوار حول أوضاع المهنة تمثل فرصة يجب أن تكون نقابة الصحفيين طرفًا أساسيًا فيها، صحيح أن البعض يشعر بالإحباط بسبب تكرار الدعوات دون نتائج ملموسة، لكن مجرد الاعتراف بوجود أزمة وفتح باب النقاش حولها يعد خطوة مهمة.
لفترات طويلة لم يكن هناك اعتراف بالمشكلات التي يعاني منها الإعلام، بينما أصبحنا اليوم نتحدث بوضوح عن أزمات التشريعات والحريات والأوضاع الاقتصادية للمؤسسات والصحفيين، وهذا في حد ذاته تطور مهم، لكن الأهم أن تتحول هذه المناقشات إلى إجراءات عملية.
ما الدور الذي قامت به نقابة الصحفيين في هذا الملف؟
منذ انتخابي نقيبًا كان هناك قرار من الجمعية العمومية بالمشاركة في الحوار الوطني، ولذلك أعددنا رؤية متكاملة حول أوضاع الصحافة، وشاركنا في جميع الجلسات، وطرحنا كل الملفات بشفافية، بدءًا من الحريات الصحفية، وحبس الصحفيين، وحجب المواقع، وصولًا إلى الأوضاع الاقتصادية للمهنة.
وفي الوقت نفسه أطلقنا حوارًا واسعًا داخل النقابة شارك فيه الصحفيون وأساتذة الإعلام والمتخصصون، وانتهى إلى المؤتمر العام السادس، الذي خرج برؤية متكاملة لإصلاح الإعلام، استندت إلى دراسات واستبيانات كشفت بالأرقام حجم الأزمة التي تعيشها المهنة.

ماذا قدم المؤتمر العام السادس للصحفيين عمليًا؟
لم يكن المؤتمر مجرد توصيات، بل أنتج مشروعات قوانين ورؤى تنفيذية جاهزة، شملت مشروع قانون لتداول المعلومات، ومشروعًا لإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، إلى جانب تعديلات على قوانين تنظيم الصحافة والإعلام، فضلاً عن مجموعة من الإجراءات العاجلة ومتوسطة وطويلة المدى.
وعندما شُكلت لجنة تطوير الإعلام، كانت النقابة جاهزة بكل هذه المشروعات، وتم توزيعها على أعضاء اللجنة والجهات المعنية، وهو ما سهّل عمل اللجنة بصورة كبيرة.
هل انعكست توصيات المؤتمر على أعمال لجنة تطوير الإعلام؟
إلى حد كبير نعم. لجنة تطوير الإعلام اعتمدت معظم المشروعات التي تقدمت بها نقابة الصحفيين، وكان هناك توافق واسع داخل اللجنة على أن الإعلام المصري يواجه أزمة حقيقية، وأن تقييد حرية الإعلام أحد أسبابها.
ولذلك جاء التقرير النهائي للجنة تحت شعار “الإعلام المقيد لا يصنع وطنًا ولا يصنع مستقبلًا”، كما أكد أن مختلف الأطراف غير راضية عن الوضع الحالي للإعلام.
ما أبرز الأولويات التي تطرحها النقابة الآن؟
لدينا مجموعة من الأولويات، في مقدمتها إصلاح التشريعات، وتفعيل النصوص القانونية المعطلة، وتحسين الأوضاع الاقتصادية للصحفيين، وحل أزمة الصحفيين المؤقتين، وتهيئة بيئة إعلامية تسمح بقدر أكبر من الحرية والمهنية.
كما قدمنا مؤخرًا، استجابة للدعوة الرئاسية، مذكرة تضمنت 13 مطلبًا محددًا، لا نتوقع تنفيذها دفعة واحدة، لكن المهم أن تصبح جزءًا من أجندة الإصلاح وأن يبدأ العمل عليها.
لماذا تربطون دائمًا بين حرية الصحافة والأوضاع الاقتصادية للمهنة؟
لأن الحرية ليست رفاهية، وإنما ترتبط مباشرة باستمرار المؤسسات الصحفية وقدرتها على البقاء. عندما يشعر المواطن أن الإعلام يعبر عنه، فإنه يثق فيه ويعود إليه، فتتحسن نسب التوزيع والمشاهدة والإعلانات، وتدور عجلة الاقتصاد داخل المؤسسات الإعلامية.
أما عندما يفقد الإعلام قدرته على التعبير عن الناس، فإن الجمهور يبحث عن مصادر أخرى، بعضها قد يكون غير مهني أو يروج لمعلومات مضللة، بينما تتحول بعض المنصات إلى مطاردة “التريند” أو أخبار الجنازات، لأنها فقدت قدرتها على ممارسة الصحافة الحقيقية.
ماذا تنتظرون خلال المرحلة المقبلة؟
نأمل أن تتحول هذه الحوارات إلى خطوات تنفيذية حقيقية، نحن قدمنا رؤيتنا كاملة، وأرسلناها إلى جميع الجهات المعنية، ولدينا مشروعات قوانين جاهزة، ومستعدون للمشاركة في أي نقاش أو لجنة تستهدف إصلاح الإعلام.
وأتمنى أن يشهد المؤتمر العام المقبل في ديسمبر متابعة لما تحقق على أرض الواقع، خاصة أن وزير الدولة للإعلام الحالي هو في الأساس نقيب سابق للصحفيين، ويدرك جيدًا طبيعة التحديات التي تواجه المهنة.
بعد أكثر من ثلاث سنوات في منصب نقيب الصحفيين، كيف تقيم أداء المجلس في أبرز الملفات التي كانت على رأس أولوياته؟
عندما أتحدث عن حصيلة الفترة الماضية، أفضل أن أتحدث بالأرقام والوقائع. هناك ملفات تحركت سريعًا، وأخرى احتاجت إلى وقت طويل بسبب طبيعتها التشريعية أو الإدارية، لكن في النهاية أعتقد أن النقابة قطعت خطوات حقيقية في أكثر من اتجاه.

ماذا تحقق في ملف الصحفيين المحبوسين؟
هذا الملف كان وسيظل أولوية للنقابة. خلال العام الأول أُفرج عن 11 صحفيًا، ثم توقفت الإفراجات لفترة قبل أن تستأنف مرة أخرى، ليصل إجمالي من أُخلي سبيلهم خلال فترة المجلس إلى نحو 18 صحفيًا.
وعندما بدأنا كانت قائمة الصحفيين المحبوسين تضم نحو 28 صحفيًا، واليوم انخفض العدد إلى 19، لكن للأسف دخلت أسماء جديدة، وهو ما نسعى إلى وقفه، لأن الهدف ليس فقط الإفراج عن المحبوسين، وإنما أيضًا منع تكرار دخول صحفيين جدد إلى السجون.
كما أعددنا لأول مرة قاعدة بيانات دقيقة بأسماء الصحفيين المحبوسين ومدد حبسهم، حتى يكون الملف واضحًا أمام الجميع، إلى جانب تقديم طلبات متكررة لإخلاء سبيلهم، والتواصل مع الجهات المعنية، ومتابعة أوضاعهم القانونية والإنسانية. ولم يقتصر دور النقابة على الجانب القانوني فقط، بل شمل دعم أسر الزملاء، وحضور جلسات المحاكمات، والتدخل لحل عدد من الأزمات التي تعرض لها صحفيون في محافظات مختلفة قبل تفاقمها.

وماذا عن أزمة الصحفيين المؤقتين؟
هذا الملف من أكثر الملفات تعقيدًا، لكننا لم نتوقف عن العمل عليه، أُنجزت خطوات مهمة بالتنسيق مع الهيئة الوطنية للصحافة، وتم الانتهاء من معظم الإجراءات الفنية، وأصبح الملف جاهزًا وينتظر القرار النهائي.
كما فتحنا قنوات للتواصل مع جهات مختلفة لتوفير فرص عمل وتدريب للصحفيين غير المعينين، بهدف توفير مصدر دخل وتحسين أوضاعهم المهنية لحين إنهاء الأزمة بصورة كاملة.
وماذا حقق المجلس في ملف التشريعات؟
خضنا معارك تشريعية مهمة، سواء في قانون الإجراءات الجنائية أو قانون العمل أو قوانين تنظيم الصحافة والإعلام، وقدمنا تعديلات واضحة تحمي حرية الصحافة وحقوق الصحفيين، وما زلنا نتمسك بإصدار قانون لحرية تداول المعلومات، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من بيئة تشريعية تضمن حرية العمل الصحفي.
ماذا عن بدل التكنولوجيا والدعم المالي للنقابة؟
أجرينا جولات تفاوضية مع الحكومة والبرلمان ووزارة الدولة للإعلام، وأسفرت عن زيادات متتالية في بدل التكنولوجيا خلال السنوات الماضية، ولم يقتصر الأمر على البدل، بل شهدت ميزانية العلاج والمشروع الطبي زيادات متتالية، وهو ما انعكس على مستوى الخدمات المقدمة للصحفيين. وهذه النتائج لم تكن جهد شخص، وإنما ثمرة عمل مؤسسي شارك فيه مجلس النقابة بالكامل.
ما الخطوات العملية التي اتخذتها النقابة لفرض حد أدنى عادل لأجور الصحفيين، بعيدًا عن ملف بدل التكنولوجيا؟
ملف الأجور لا يُحل بقرار واحد، وإنما يحتاج إلى مسار طويل من التشريعات والتفاوض وإصلاح سوق العمل. عندما تولينا المسؤولية كان الحد الأدنى في العقد النقابي 1200 جنيه، بينما كان الحد الأدنى للأجور في الدولة 2400 جنيه، وهو وضع لم يكن مقبولًا، لذلك بدأنا بتعديل العقد النقابي ورفع الحد الأدنى فيه.
وخضنا مفاوضات مباشرة مع عدد كبير من المؤسسات الصحفية والإعلامية، منها “الوفد” و”صدى البلد” و”البوابة” و”رويترز” و”بي بي سي” والإذاعة والتلفزيون وغيرها، لتحسين مستويات الأجور تدريجيًا، إلى جانب مخاطبات مستمرة مع إدارات المؤسسات والجهات المعنية.
كما عملنا على إلزام المؤسسات بالشمول المالي وصرف الرواتب عبر الحسابات البنكية، لأن ذلك يضمن حقوق الصحفيين في التأمينات والضرائب ويمنحهم مستندات رسمية تثبت قيمة رواتبهم، وهو ما يوفر حماية قانونية أكبر للعاملين. لكن الحقيقة أن تحسين الأجور يرتبط أيضًا بإصلاح سوق الإعلام نفسه، فكلما تعافت الصناعة وظهرت مؤسسات إعلامية جديدة ازدادت المنافسة وتحسنت مستويات الرواتب.
هناك من يرى أن المجلس ركز على الملفات الحقوقية أكثر من الخدمات النقابية.. كيف ترد؟
هذا غير صحيح. بالتوازي مع الملفات المهنية والحقوقية، عملنا على تطوير البنية الخدمية للنقابة، واستكملنا عددًا من المشروعات التي كانت متوقفة منذ سنوات، سواء داخل مقر النقابة أو في المشروعات الاستثمارية والخدمية. رفعنا قيمة جائزة الصحافة من 15 ألفًا إلى 50 ألف جنيه، وأعدنا تفعيل مجلس الأمناء، ووسعنا الأنشطة الثقافية والاجتماعية، وأصبحت النقابة أكثر حضورًا في الفعاليات المهنية والاجتماعية.

وماذا عن مشروع مدينة الصحفيين والأندية؟
هذا من الملفات التي احتاجت وقتًا طويلًا بسبب الإجراءات القانونية والإدارية، لكننا نجحنا في استعادة المشروع وتحريك مراحله التنفيذية، وجارٍ استكمال الإجراءات التنفيذية، كما بدأنا تنفيذ نادي الصحفيين في أسيوط بعد الحصول على التراخيص اللازمة، ونعمل أيضًا على إنهاء ملف نادي الإسكندرية. هذه المشروعات ظلت مجمدة سنوات طويلة، أما الآن فقد دخلت مرحلة التنفيذ الفعلي.
كيف تنظر إلى الانتقادات التي وُجهت للمجلس خلال الفترة الماضية؟
العمل النقابي بطبيعته لا يخلو من الانتقادات، خاصة في الفترات الانتخابية، لكن ما يعنيني هو أن النقابة أصبحت أكثر حضورًا وحيوية، وأصبحت أبوابها مفتوحة لجميع أعضائها، قد يختلف البعض في تقييم النتائج، لكنني أستطيع أن أقول إن المجلس بذل أقصى ما يستطيع في حدود الإمكانات والظروف المتاحة، وما تحقق جاء نتيجة عمل جماعي وليس جهد فرد.
أين تقف النقابة اليوم من ملف حجب المواقع الإلكترونية؟
الحجب ليس مجرد قضية تتعلق بحرية الصحافة، بل له أبعاد مهنية واقتصادية وأمنية أيضًا. فعندما يُحجب موقع يعمل من داخل مصر فإن العقوبة لا تطال المؤسسة فقط، وإنما تمتد إلى عشرات الصحفيين والعاملين الذين يفقدون مصدر رزقهم، وهو ما يمثل عقابًا جماعيًا لا يتفق مع المبادئ القانونية.
موقف النقابة واضح؛ نرفض الحجب الإداري، ونطالب بألا يتم حجب أي موقع إلا بحكم قضائي، مع توفير حق التقاضي والطعن. وإذا ارتكب موقع مخالفة فهناك إجراءات قانونية للمحاسبة، لكن لا يجوز أن يؤدي خطأ فردي -إن وُجد- إلى إغلاق مؤسسة كاملة وتشريد العاملين بها.
وقد طرحنا هذا الملف في الحوار الوطني، كما طالبنا بتعديل النصوص القانونية المنظمة للحجب وإعادة النظر في فلسفة التعامل مع المواقع الإلكترونية.
لماذا تعتبرون أن الحجب يضر بالمشهد الإعلامي والأمن القومي؟
لأن المنع لا يمنع تداول المعلومات، بل قد يؤدي أحيانًا إلى انتشارها بصورة أكبر، والتجارب السابقة أثبتت أن بعض المواد التي مُنع نشرها انتشرت على نطاق أوسع بسبب قرار المنع نفسه، كما أن إغلاق المنصات الإعلامية يدفع الجمهور للبحث عن مصادر خارجية قد تكون أقل مهنية أو أكثر انحيازًا، وهو ما لا يخدم الدولة ولا المجتمع. لذلك نرى أن الإعلام المهني القوي أكثر قدرة على حماية الأمن القومي من سياسات المنع والحجب.
هل أصبح الاعتراف الكامل بالصحافة الرقمية داخل النقابة قريبًا؟
هذا الملف أصبح ضرورة وليس رفاهية، حاولنا خلال العام الماضي اتخاذ خطوات لتمكين الصحفيين العاملين بالمواقع الإلكترونية من الحصول على حقوقهم النقابية، لكن الجمعية العمومية لم تكن مهيأة لإقرار هذه الخطوة بصورة كاملة.
المهنة تغيرت، ولم يعد الصحفي يعمل من خلال وسيط واحد هو الصحيفة الورقية، بل ينتج محتوى يصل للجمهور عبر المنصات الرقمية، ولذلك فإن استيعاب الصحافة الرقمية داخل النقابة أصبح أمرًا حتميًا لمواكبة تطور المهنة وتنظيم سوق العمل.
كيف تواجه النقابة محاولات تسلل غير المستحقين إلى جداول القيد؟
شددنا إجراءات القيد بصورة غير مسبوقة، من خلال لجان فنية مساعدة، واختبارات تأهيل، ودورات تدريبية إلزامية، إلى جانب مراجعة انتظام صدور الصحف والتأكد من حصول المتقدمين على رواتب فعلية عبر الحسابات البنكية، أما ما يتردد عن شراء العضويات، فلا يمكن للنقابة أن تتعامل مع اتهامات مرسلة دون أدلة قانونية، لكننا وضعنا ضوابط تقلل فرص التلاعب وتحافظ على مكانة المهنة.

ماذا قدم المجلس في مشروع العلاج والرعاية الصحية؟
رغم محدودية الموارد، عملنا على تطوير المشروع الطبي باعتباره أحد أهم الخدمات التي يحتاجها الصحفيون. راجعنا التعاقدات للحد من الهدر المالي، ووسعنا شبكة الخدمات الطبية، وأطلقنا القوافل الطبية، وفعّلنا العيادات الأسبوعية داخل النقابة، إلى جانب تشغيل صيدلية وعيادة التأمين الصحي لتقديم خدمات مجانية للأعضاء.
كما نجحنا في توقيع بروتوكولات تعاون مع مؤسسات طبية لتوفير دعم إضافي للحالات الحرجة والأمراض المكلفة.
كيف تطور معهد التدريب في عهد المجلس الحالي؟
تحول المعهد من تقديم دورات تقليدية إلى برامج تدريبية تواكب احتياجات الإعلام الحديث، تشمل صحافة الموبايل، وصحافة البيانات، وصناعة البودكاست، والمونتاج، وإنتاج الفيديو، بالإضافة إلى التدريب على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي.
كما توسعنا في الشراكات مع مؤسسات دولية ومحلية، واستثمرنا إمكانات المعهد لتقديم برامج تدريبية تحقق عائدًا يعود لتطوير المنظومة، مع تعميم النشاط التدريبي على النقابات الفرعية في المحافظات.
وهل وضعت النقابة ضوابط لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة؟
نعم، أعددنا مشروع ميثاق شرف مهني ينظم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي، ويضع ضوابط أخلاقية ومهنية تضمن الحفاظ على المصداقية والشفافية. وسيُطرح المشروع للحوار المجتمعي قبل عرضه على الجمعية العمومية لإقراره.
من رئيس تحرير لمواقع صحفية تعرض بعضها للحجب، إلى نقيب يمثل جميع الصحفيين بمختلف توجهاتهم.. كيف غيّر مقعد نقيب الصحفيين خالد البلشي إنسانيًا وفكريًا؟
بالتأكيد تغيّرت إنسانيًا، أما فكريًا فما زلت في موقعي ولم أغادره. الفارق أن موقع النقيب يختلف تمامًا عن موقع الصحفي أو الكاتب؛ فأنت لم تعد تعبّر عن نفسك فقط وتتحمل وحدك مسؤولية آرائك، وإنما أصبحت تمثل جميع أعضاء الجمعية العمومية، سواء كانوا مؤيدين لك أو معارضين.
هذا الموقع يفرض عليك أن تبحث عن مصالح الجميع، وأن توازن بين رؤى ومصالح متعددة. لذلك أدركت منذ اللحظة الأولى أن عليّ الابتعاد عن ممارسة العمل الصحفي اليومي حتى لا تتأثر النقابة بآراء خالد البلشي، أو يُحمّل أحد ثمن مواقفي الشخصية.
قد يرى البعض أن استمرار النقيب في ممارسة الصحافة يمنحه قوة أكبر، وربما يكون ذلك صحيحًا، لكنني رأيت أن العمل النقابي أصبح دوري الأساسي، وأن بإمكاني من خلاله الإسهام في تطوير المهنة بصورة مختلفة.
أما موقفي الفكري فلم يتغير، ما زلت مؤمنًا بالأفكار نفسها، وما زالت أحلامي في العدالة الاجتماعية والحرية قائمة، أنا أنتمي إلى اليسار، وهذا جزء من رؤيتي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولم أغادر هذا المربع، لكن عندما تكون في موقع تنفيذي تدرك أن مسؤوليتك تقتضي ألا يدفع الآخرون ثمن قناعاتك الشخصية، خصوصًا عندما تكون مسؤولًا عن مصالح متنوعة.
كما أن التجربة كشفت لي أوضاعًا أكثر صعوبة مما كنت أتصور، رغم أنني كنت قريبًا من الصحفيين وأعرف مشاكلهم جيدًا. وأدركت أن الوصول إلى أفضل النتائج يتطلب دائمًا قدرًا من المواءمة بين اعتبارات مختلفة، لكن حلمي بالتغيير للأفضل ما زال حيًا داخلي، وكذلك شغفي بالصحافة. وما زلت أتطلع إلى اليوم الذي أعود فيه لممارسة العمل الصحفي بشكل كامل، لأنني أحب هذه المهنة وأعتز بها.
هناك سؤال يتردد كثيرًا: منصب النقيب تطوعي ولا يتقاضى صاحبه أجرًا، وأنت في إجازة من عملك الأساسي.. فكيف تدير أمورك المعيشية؟
هذا سؤال من حق الناس أن تطرحه، أنا وضعي المادي مستقر، وانتمي إلى الطبقة الوسطى، وأعيش حياة بسيطة تتناسب مع إمكانياتي. أسكن في شقة إيجار قديم منذ عام 2012، وإيجارها الشهري 300 جنيه، بعد أن دفعت مقدمها من جزء من ميراث والدي.
قبل تولي منصب النقيب كنت أعمل رئيس تحرير لبرامج تليفزيونية وصحف، وزوجتي تعمل أيضًا، ونحن نتعامل باعتبارنا شريكين في تحمل مسؤوليات الأسرة. كما أن لدي استثمارات بسيطة بالمشاركة مع إخوتي في البلد، وهي مصدر دخل إضافي.
الحقيقة أن سنوات الحجب والتوقف عن العمل علمتني ألا اعتمد على مصدر دخل واحد، كنت أعمل عامًا وأتوقف عامًا، أو أعمل عامين وأتوقف عامين، لذلك حرصت دائمًا على أن يكون لدي بديل يوفر لي حياة مستقرة.
أعيش حياة متوسطة، وأبنائي تعلموا في مدارس قومية، ونفقاتنا ليست مبالغًا فيها، ولذلك أستطيع أن أعيش بهذه الطريقة وأنا راضٍ عنها، فهي تتناسب مع تكويني وانتمائي للطبقة الوسطى.
وفي المقابل، إذا كان السؤال عن المكاسب التي حققتها من العمل النقابي، فاستطيع أن أقول إنني لم أتربح منه بأي شكل. لم أقدم برامج، ولم أكتب في أماكن أخرى مقابل أجر، ولم أتقاضَ مقابل أي ظهور إعلامي بصفتي نقيبًا، لأنني أرى أن من يمثل النقابة لا ينبغي أن يحصل على مقابل مادي نظير هذه الصفة.
كنت حريصًا على الابتعاد عن أي عضويات قد تثير شبهة تضارب المصالح، حتى لو كان القانون يجيزها. كما أن مكتبي في النقابة ربما يكون الأقل تكلفة؛ فلا أخصص ميزانية للضيافة أو المظاهر، وهذا النهج يتبعه أيضًا عدد من أعضاء المجلس.
أنا أعيش حياة بسيطة، ولدي ابنان؛ علي، خريج هندسة الطيران، ولم يحصل حتى الآن على فرصة عمل، وتركت له حرية أن يشق طريقه بنفسه، بعيدًا عن أي وساطة أو استغلال لمنصب والده. أما باسل، فهو يدرس بكلية الحاسبات والمعلومات، وأحاول أن أربيه على تحمل المسؤولية والاعتماد على نفسه. باختصار، ما زلت أعيش من دخلي الخاص، ومن الاستثمارات العائلية البسيطة، إضافة إلى عمل زوجتي، وهو ما يكفي احتياجات أسرتي.

ننتقل إلى الملف الذي يشغل الرأي العام حاليًا.. أين وصلت أزمة الدكتور محمد الباز ومصطفى بكري، بعد تدخل نقابة الصحفيين مع نادي القضاة على خلفية قضية وزيرة الثقافة المستقيلة؟
دعنا أولًا نفكك الأزمة، البداية كانت مع الزميلة سهير عبد الحميد، التي تقدمت بشكوى إلى نقابة الصحفيين، وبناءً عليها أحالت النقابة الدكتور محمد الباز إلى التحقيق باعتباره عضوًا بالنقابة، وفي الوقت نفسه، لدينا مبدأ ثابت نعمل به دائمًا، وهو مطالبة جميع الجهات بإحالة أي شكاوى تخص الصحفيين إلى النقابة أولًا، حتى تتولى التحقيق فيها وفقًا للقواعد المهنية، بدلًا من اللجوء مباشرة إلى جهات أخرى.
بعد اجتماع المجلس وإنهاء الإجراءات الخاصة بالشق النقابي، فوجئنا بإعلان تحرك من جانب القضاء بشأن الواقعة، ومن هنا بدأ مسار آخر للقضية، وأود أن أذكر الناس أيضًا بأن النقابة تعرضت قبل شهر فقط لهجوم حاد بسبب موقفها في قضية أخرى كان الدكتور محمد الباز أحد أطرافها. تحملنا هذا النقد باعتباره حقًا مشروعًا. واليوم، عندما تقدم بشأنه أكثر من شكوى، تعاملنا معها بالمعيار نفسه، وأحلناه للتحقيق مرة أخرى، لأنه حاليًا محل تحقيق في شكويين داخل النقابة، ونحن نطبق المعايير نفسها على الجميع، دون تمييز أو اعتبارات شخصية، لأن هذا هو جوهر العمل النقابي الذي نؤمن به.
في ظل الجدل الدائر حول أزمة الدكتور محمد الباز، ما هي فلسفة النقابة في التعامل مع مثل هذه القضايا؟
هناك مبادئ ثابتة تحكم عمل نقابة الصحفيين، في مقدمتها الدفاع عن عدم حبس الصحفيين في قضايا النشر، بصرف النظر عن انتماءاتهم الفكرية أو طبيعة الاتهامات الموجهة إليهم. النقابة تدافع عن جميع أعضائها باعتبارها بيتًا مهنيًا للجميع.
نحن لا نرفض المحاسبة، بل نؤمن بضرورة محاسبة من يخطئ، لكن في إطار الضمانات الدستورية والقانونية. كما نسعى لأن تكون النقابة هي الجهة الأولى التي تتولى التحقيق في الشكاوى المهنية، بما يقلل من اللجوء إلى جهات أخرى، وهو ما نجحنا في تطبيقه في عدد من الوقائع، سواء في دمياط أو في مؤسسة أخبار اليوم، ولاقت هذه السياسة تقديرًا واسعًا.
المهم بالنسبة لنا هو أن نطبق القواعد المهنية على الجميع دون استثناء، وبالمسطرة نفسها، فعندما يشعر الجميع بالمساواة أمام القواعد، تصبح النقابة أكثر قدرة على الدفاع عن جميع أعضائها، كما يظل من حق أعضاء الجمعية العمومية انتقاد أداء النقابة، ومن واجبنا الاستماع لهذا النقد وتصحيح أي خطأ.
كيف تقيّم أداء مجلس النقابة واللجان المختلفة خلال الفترة الماضية؟
العمل النقابي بطبيعته عمل جماعي، وأي إنجاز يُحسب لمجلس النقابة بالكامل وللجمعية العمومية، وليس لفرد بعينه.
اللجنة الثقافية والفنية، بقيادة الزميل محمود كامل، قدمت نشاطًا مهمًا للغاية، سواء من خلال مشروع توثيق الصحافة المصرية، أو الندوات الفكرية والأدبية، أو دعم القضية الفلسطينية، أو تطوير جائزة الصحافة، فضلًا عن تبني أفكار مثل نادي سينما النقابة. ومحمود كامل نقابي حقيقي يبذل جهدًا كبيرًا رغم الظروف الصحية والشخصية التي مر بها.
كما شهدت لجنة الحج والخدمات تطويرًا ملحوظًا في مستوى الخدمات، بينما حققت لجنة القيد تقدمًا مهمًا في تحديث القواعد وتيسير الإجراءات، إلى جانب الجهود المبذولة في ملفات المعاشات والتسويات، وكذلك لجان الحريات والمرأة والخدمات، وبطبيعة الحال، يظل العمل النقابي قابلًا للنقد والتطوير، ولا يمكن أن يرضي الجميع بشكل كامل.

كيف تصف علاقتك بالنقباء السابقين يحيى قلاش وضياء رشوان؟
أكن كل التقدير للنقيب يحيى قلاش، فهو بالنسبة لي أخ أكبر ومرجعية نقابية مهمة، ويحرص دائمًا على تقديم النصح والمشورة، ويقف داعمًا في مختلف المواقف.
كما تجمعني بالدكتور ضياء رشوان علاقة نقابية ممتدة منذ سنوات، وعملنا معًا في مجلس النقابة عام 2013. وخلال هذه التجربة تعلمت منه الكثير في إدارة الملفات الصعبة والتعامل مع الضغوط، وظلت بيننا علاقة تعاون واحترام متبادل، خاصة في الملفات الإنسانية المتعلقة بالصحفيين.
أتذكر أول لقاء بيننا بعد توليه النقابة، عندما اصطحبني في جولة داخل النقابة وشرح لي الملفات المفتوحة وما ينتظر المجلس من مهام. هذه العلاقة اتمنى أن تستمر، وأن تظل مساحة الخلاف في الرأي قائمة دون أن تؤثر على الاحترام المتبادل.
قد أختلف سياسيًا مع كثيرين، وربما لا تعجب رؤيتي البعض، لكن في النهاية يجمعنا بيت واحد هو نقابة الصحفيين، وتجمعنا المودة والتعاون، ومن هنا أوجه رسائل محبة وتقدير لكل من يحيى قلاش وضياء رشوان.

الفترة الماضية شهدت تزايد اهتمام أعضاء مجلس النواب وتحديدا من حزب العدل بقضايا الصحفيين حيث تقدموا بطلبات إحاطة وتبنوا عددًا من الملفات.. كيف ترى هذا الاهتمام؟
أراه أحد مظاهر التفاعل الإيجابي بين البرلمان والنقابة، عندما يهتم النواب بقضايا الصحفيين فهذا يعني أن تحركات النقابة وصلت إليهم، وأن مشكلات الصحفيين أصبحت محل اهتمام حقيقي، كما يعكس هذا الاهتمام إدراكًا من النواب لدورهم في تبني قضايا المجتمع، وهو أمر مهم، لأنه يخلق مناخًا أفضل عند مناقشة التشريعات المتعلقة بالصحافة والإعلام.
وأوجه الشكر لكل نائب اهتم بقضايا الصحفيين، سواء فيما يتعلق بملف الصحفيين المؤقتين، أو البدل، أو التشريعات المختلفة. وأتمنى أن يستمر هذا التعاون، لأن أمامنا ملفات مهمة، مثل تعديلات القوانين المنظمة للصحافة، وقانون حرية تداول المعلومات، وغيرها من التشريعات التي تحتاج إلى عمل مشترك بين النقابة والبرلمان.
ما الرسالة التي تود توجيهها إلى الجمعية العمومية قبل انتهاء ولايتك؟
سأقدم كشف حساب كامل أمام الجمعية العمومية، لأنها صاحبة الحق في تقييم التجربة، ما أستطيع أن أؤكده هو أنني التزمت بعهدين منذ اليوم الأول؛ الأول ألا أحقق أي مصلحة شخصية من هذا المنصب، والثاني أن أتفرغ بالكامل لخدمة النقابة وأعضائها، وهو ما التزمت به طوال فترة وجودي في موقع النقيب.
قد يختلف البعض حول حجم الإنجاز، لكني مطمئن لأنني بذلت كل ما أستطيع، وسأظل أؤمن بأن خدمة الصحفيين والدفاع عن مهنتهم مسؤولية مستمرة وليست مرتبطة بمنصب.





