
في مثل هذا اليوم 26 يوليو تحل ذكرى رحيل المخرج الكبير محمد خان، أحد أبرز رواد الواقعية الجديدة في السينما المصرية والعربية، وصاحب تجربة فنية استثنائية أعادت صياغة العلاقة بين الشاشة والشارع وبين الكاميرا والإنسان، وعلى مدار ما يقرب من أربعة عقود قدم خان أعمالاً شكلت وجدان أجيال كاملة ورصدت تفاصيل الحياة اليومية للمصريين بصدق وعمق إنساني ليظل اسمه حاضرًا بين أهم المخرجين الذين أسهموا في بناء ملامح السينما المصرية الحديثة.
وُلد محمد خان في القاهرة عام 1942 لأب باكستاني، وأم مصرية، ونشأ في حي كانت إحدى دور السينما جزءًا من تفاصيله اليومية ما أسس منذ طفولته لعلاقة مبكرة ومؤثرة مع الفن السابع، سافر إلى لندن لدراسة الهندسة المعمارية، لكنه سرعان ما أدرك أن شغفه الحقيقي يكمن خلف الكاميرا، فانتقل لدراسة السينما قبل أن يعود إلى مصر حاملا رؤية فنية مختلفة تقوم على أن الإنسان البسيط هو البطل الحقيقي، وأن الشارع المصري يستحق أن يكون بطلًا قائمًا بذاته.

بدأ خان مشواره الإخراجي بفيلم “ضربة شمس” عام 1980 ليعلن عن ميلاد مخرج يمتلك لغة بصرية خاصة ورؤية متفردة، ثم توالت أعماله التي أصبحت علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية، من بينها “طائر على الطريق”، “الحريف”، “خرج ولم يعد”، “زوجة رجل مهم”، “أحلام هند وكاميليا”، “سوبر ماركت”، “في شقة مصر الجديدة”، “فتاة المصنع” وصولًا إلى آخر أفلامه “قبل زحمة الصيف” عام 2016، وقد اختير عدد من هذه الأعمال ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية تأكيدًا لقيمتها الفنية وتأثيرها الممتد.
لم يكن محمد خان مجرد مخرج ناجح بل أسس مدرسة سينمائية متكاملة اعتمدت على التصوير في المواقع الحقيقية، بعيدًا عن الديكورات المغلقة، ومنح ممثليه مساحة واسعة لتقديم أداء طبيعي وعفوي، ما جعل شخصياته تبدو وكأنها خرجت من قلب الشارع إلى الشاشة، وكان يؤمن بأن المكان ليس مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر درامي رئيسي يحمل روحه الخاصة، لذلك اعتاد التجول لساعات في شوارع القاهرة بحثًا عن الموقع الذي يخدم الحالة النفسية والدرامية لكل مشهد.

ورغم شهرته كمخرج امتدت بصماته إلى الكتابة والتمثيل أيضًا فقد كتب قصة وسيناريو فيلم “سواق الأتوبيس” الذي أخرجه المخرج الراحل عاطف الطيب، في تعاون يعد من أبرز محطات السينما الواقعية المصرية كما شارك ممثلًا في عدد من الأعمال الفنية.
ومن المفارقات اللافتة في حياته أنه ظل لسنوات طويلة يحمل الجنسية الباكستانية رغم مولده وإقامته في مصر، إلى أن حصل رسميًا على الجنسية المصرية عام 2014 وهو الحدث الذي وصفه بأنه منحه شعورًا بالانتماء القانوني إلى الوطن الذي عاش فيه وصنع داخله تاريخه الفني.

وشكل تعاونه مع النجم الراحل أحمد زكي واحدة من أبرز محطات مسيرته حيث قدما معًا أفلامًا خالدة مثل “طائر على الطريق” ،”زوجة رجل مهم” و”مستر كاراتيه”، وكان أحمد زكي يؤكد دائمًا أن محمد خان من أكثر المخرجين قدرة على استخراج أفضل ما لدى الممثل، لأنه لا يفرض أداءً جاهزًا بل يمنح الفنان الحرية الكاملة ليعيش الشخصية بكل تفاصيلها.
أما السيناريست الكبير بشير الديك، شريك نجاحه في عدد من أهم أعماله فاختصر مكانة خان بقوله:” محمد خان أفضل مخرج سينمائي في تاريخ السينما المصرية”، مؤكدًا أنه لم ينتم إلى أي مدرسة سينمائية بعينها بل أسس مدرسته الخاصة وكان “مخرجًا شاعرًا” يفكر بالصورة قبل الكلمات ويمنح كل لقطة قيمة إنسانية وجمالية متفردة”.

وتضم مسيرة محمد خان عددًا كبيرًا من الأفلام التي أصبحت علامات فارقة في تاريخ السينما من بينها “الرغبة”، “نص أرنب”، “مشوار عمر”، “عودة مواطن” ،”الثأر “، “موعد علي العشاء “، “فارس المدينة”، “يوم حار جدًا”، “أيام السادات”، “كليفتي” إلى جانب أعماله الأشهر التي رسخت مكانته كأحد أبرز صناع السينما الواقعية في العالم العربي.
وفي 26 يوليو 2016 رحل محمد خان عن عمر ناهز 73 عامًا إثر أزمة صحية مفاجئة لكن رحيله لم ينهِ حضوره فما زالت أفلامه تُشاهد وتُدرس وتلهم أجيالًا جديدة من صناع السينما باعتبارها نموذجًا نادرًا لفن يقترب من الناس دون ادعاء ويحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى حكايات خالدة.

وبعد سنوات على رحيله لا يزال محمد خان حاضرًا بأفلامه وبمدرسته التي أثبتت أن السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه بل مرآة دقيقة للمجتمع ووثيقة تحفظ أحلام الناس وانكساراتهم وأن البطل الحقيقي قد يكون ذلك الإنسان العادي الذي يمر كل يوم في شوارع المدينة دون أن يلتفت إليه أحد.







