فن ومنوعات

مهرجان القاهرة السينمائي ينتقل إلى الأوبرا.. هل يطوي صفحة “17 قصر النيل”؟

على مدار سنوات طويلة، لم يكن 17 شارع قصر النيل مجرد عنوان إداري لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي بل تحول إلى علامة مرتبطة بواحد من أعرق الأحداث السينمائية في المنطقة، خلف أبواب هذا المقر دارت اجتماعات واختيارات وبرامج وتحضيرات لدورات متعاقبة وتعاقب على المكان عدد من أبرز الأسماء التي تولت مسؤولية المهرجان، حتى أصبح العنوان جزءًا من ذاكرته قبل أن يكون مجرد موقع على خريطة وسط القاهرة.

واليوم، يبدو أن تلك الصفحة تقترب من تغيير عنوانها بعدما نصت اللائحة المنشورة للدورة السادسة والأربعين على أن المقر الرئيسي لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي سيكون في دار الأوبرا المصرية، في خطوة تعيد طرح السؤال حول مصير المقر التاريخي في 17 قصر النيل، وما إذا كان المهرجان يطوي بالفعل واحدة من أقدم صفحات تاريخه الإداري.

الكشف عن التفاصيل الكاملة للدورة الجديدة من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي – موقع بصراحة-موقع النجوم

“17 قصر النيل”.. أكثر من مجرد مقر

ارتبط اسم 17 قصر النيل بالمهرجان بصورة واضحة على مدار سنوات طويلة، ففي عام 2018، على سبيل المثال، وصف تقرير صحفي المكان بأنه المقر الرئيسي لمهرجان القاهرة السينمائي مستعيدًا أجواء العمل داخله مع تولي المنتج محمد حفظي رئاسة المهرجان.

وقبل ذلك بعامين، كانت الفنانة أروى جودة قد زارت المقر خلال استعدادات الدورة الثامنة والثلاثين، والتقت هناك رئيسة المهرجان وقتها ماجدة واصف، والمدير الفني الراحل يوسف شريف رزق الله، وهي واقعة توضح إلى أي مدى كان العنوان جزءًا من الحياة اليومية للمهرجان، وليس مجرد عنوان مطبوع في البيانات الرسمية.

ومن هذا المكان خرجت تفاصيل كثيرة تخص دورات المهرجان المتعاقبة من لجان المشاهدة والبرمجة إلى اللقاءات الصحفية والاستعدادات التي تسبق الحدث السينمائي الأبرز في القاهرة.

تعديل مواعيد بدء عروض الأوبرا تماشيا مع التوقيت الصيفي

الأوبرا.. عنوان جديد لم يكن غريبًا على المهرجان

لكن الانتقال إلى دار الأوبرا المصرية لا يعني أن المهرجان يدخل مكانًا مجهولًا بالنسبة له، فالأوبرا ظلت على مدار سنوات واحدة من أبرز ساحات عروض وفعاليات مهرجان القاهرة، واستضافت عروضًا وندوات وبرامج مختلفة ضمن دوراته السابقة. وتوضح أرشيفات المهرجان نفسه أن عددًا من العروض أقيم داخل مسارح ومراكز تابعة للأوبرا، بما يؤكد أن العلاقة بين الطرفين قديمة وليست وليدة قرار المقر الجديد، والجديد إذن ليس حضور الأوبرا في خريطة المهرجان وإنما أن تصبح المقر الرئيسي للدورة المقبلة وفق اللائحة الرسمية.

الكشف عن التفاصيل الكاملة للدورة الجديدة من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي – موقع بصراحة-موقع النجوم

ماذا وراء تغيير العنوان؟

هنا تظهر أهمية التوقيت، فالتغيير يأتي في ظل إعادة تنظيم ملف الإيجارات القديمة بعد صدور قانون الإيجار الجديد، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات حول مصير عدد من المقار التي ظلت تشغلها جهات ومؤسسات بعقود قديمة.

لكن حتى الآن، لا تتضمن البيانات الرسمية المنشورة من مهرجان القاهرة تصريحًا يقول إن قانون الإيجار الجديد هو السبب المباشر وراء تغيير مقر المهرجان.

لذلك فإن الربط بين الأمرين يظل بحاجة إلى توضيح رسمي من إدارة المهرجان أو الجهة المسؤولة عنه، خصوصًا أن الموقع الرسمي لا يزال حتى الآن يضع 17 قصر النيل عنوانًا للتواصل مع المهرجان.

وهنا تكمن المفارقة اللافتة اللائحة تقول “دار الأوبرا” بينما عنوان التواصل الرسمي ما زال “17 قصر النيل”.

إزاحة الستار عن البوستر الرسمي للدورة 45 من مهرجان القاهرة السينمائي| صور

هل هي نهاية 17 قصر النيل؟

ليس بالضرورة، فالبيانات الرسمية الحالية لا تعلن بشكل صريح إلغاء المقر القديم أو انتهاء استخدامه نهائيًا، وهو ما يجعل الحديث عن “مغادرة نهائية” يحتاج إلى إعلان رسمي واضح، لكن المؤكد أن هناك تحولًا في طريقة تعريف المهرجان بمقره الرئيسي إذ تنص المادة الثالثة من لائحة الدورة المقبلة على إقامة الدورة السادسة والأربعين في القاهرة خلال الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر 2026، مع تحديد دار الأوبرا المصرية مقرًا رئيسيًا لها.

وهذا التحول يأتي بالتزامن مع اتساع خريطة فعاليات المهرجان، التي لم تعد تقتصر على عروض الأفلام، وإنما تشمل أيضًا أيام القاهرة لصناعة السينما، وورش صناعة السينما والتلفزيون والدروس السينمائية واللقاءات والمؤتمرات وملتقى القاهرة السينمائي وسوق القاهرة السينمائي.

ربما تكون دلالة الانتقال  إذا اكتملت خطواته إداريًا  أكبر من مجرد استبدال عنوان بآخر، فـ17 قصر النيل يمثل ذاكرة المهرجان مكانًا ارتبط بأسماء رؤساء ومديرين فنيين وناقدين وصحفيين وصناع أفلام مروا من أبوابه على مدار سنوات.

أما دار الأوبرا فتمثل المساحة المؤسسية والفنية التي تستوعب جزءًا كبيرًا من النشاط الفعلي للمهرجان، بما فيها عروضه وفعالياته المختلفة.

وبين المكانين، يقف مهرجان القاهرة أمام معادلة صعبة كيف يحافظ على ذاكرته وتاريخه، وفي الوقت نفسه يعيد تنظيم بنيته بما يتناسب مع الصورة التي يريد أن يظهر بها كمهرجان دولي كبير؟

Cairo - Announcing the official poster for the 40th edition of the Cairo International Film Festival #CIFF40, featuring the goddess Isis and celebrating our ruby anniversary. نقدم الأفيش الرسمي لمهرجان القاهرة السنيمائى

نصف قرن من التاريخ.. والمكان يتغير

منذ تأسيس مهرجان القاهرة السينمائي عام 1976، استطاع الحدث أن يحتفظ بمكانته كواحد من أبرز المهرجانات السينمائية العربية والأفريقية كما أن الموقع الرسمي للمهرجان يؤكد مكانته باعتباره المهرجان الوحيد في المنطقة العربية والأفريقية المسجل ضمن الفئة الأولى “A” لدى الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام “FIAPF “، ولهذا فإن أي تغيير يخص بنيته أو مقره لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلًا إداريًا عابرًا، فالأماكن، في تاريخ المهرجانات، تتحول أحيانًا إلى جزء من الهوية. و17 قصر النيل كان واحدًا من هذه الأماكن التي ارتبطت بصورة مهرجان القاهرة خلف الكواليس، بعيدًا عن السجادة الحمراء وأضواء الافتتاح.

في النهاية قد يكون انتقال المقر الرئيسي إلى دار الأوبرا بداية مرحلة تنظيمية جديدة لمهرجان القاهرة، لكنه لا يعني بالضرورة محو ذاكرة 17 قصر النيل من تاريخه.

فالمقر الذي شهد سنوات من العمل والتحضير والجدل والنجاحات سيظل حاضرًا في ذاكرة المهرجان حتى لو تغير العنوان الرسمي.

ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة حاسمة من إدارة المهرجان هل نحن أمام انتقال كامل ونهائي من 17 قصر النيل، أم إعادة توزيع للأدوار بين المقر التاريخي ودار الأوبرا؟، إلى أن تأتي الإجابة الرسمية يظل المشهد مفتوحًا على فصل جديد في تاريخ مهرجان القاهرة فصل يبدأ من دار الأوبرا، لكنه لا يستطيع أن يتجاهل تمامًا عنوانًا ظل لسنوات طويلة يحمل جزءًا من ذاكرته 17 شارع قصر النيل.

زر الذهاب إلى الأعلى