محمد عطية
محمد عطية

ملف الطاقة في مصر… الحقيقة أننا أمام موقف لا نحسد عليه إطلاقًا

بعيدًا عن المبالغات، وبعيدًا أيضًا عن محاولات التهوين، فإن الأرقام الصلبة تفرض واقعًا لا يحتمل الإنكار؛ إذ تحول ملف الطاقة من أحد أبرز مصادر القوة الاقتصادية التي امتلكتها مصر قبل سنوات قليلة إلى أحد أكبر مصادر الضغط على الاقتصاد الكلي، وأحد أكثر الملفات استنزافًا للنقد الأجنبي، بما يجعله اليوم قضية اقتصادية واستراتيجية من الدرجة الأولى.

لقد نجحت مصر خلال العقد الماضي في بناء بنية تحتية قوية في قطاع الطاقة، وشهدت طفرة تاريخية بعد اكتشافات الغاز العملاقة، وفي مقدمتها حقل ظهر، حتى تحولت إلى مركز إقليمي واعد لتجارة وتسييل الغاز الطبيعي، وانتقلت من دولة تعاني نقص الإمدادات إلى دولة مصدرة للغاز الطبيعي المسال. غير أن هذه المرحلة لم تستمر طويلًا، إذ بدأت الحقول الكبرى تدخل مرحلة التراجع الطبيعي في الإنتاج، بينما لم تدخل اكتشافات جديدة بالحجم الكافي لتعويض هذا الانخفاض، في الوقت الذي واصل فيه الطلب المحلي نموه بوتيرة متسارعة مدفوعًا بالنمو السكاني والتوسع العمراني والصناعي وارتفاع استهلاك الكهرباء.

وبذلك بدأت الميزة النسبية التي تمتعت بها مصر في سوق الطاقة الإقليمي تتآكل تدريجيًا، واتسعت الفجوة بين القدرات الإنتاجية والاحتياجات الفعلية للاقتصاد المحلي، لتتحول من مصدر للفائض إلى تحدٍ متزايد يتطلب توفير موارد دولارية ضخمة بصورة مستمرة.

ولا يقتصر الأمر على الغاز الطبيعي، بل يمتد إلى النفط الخام أيضًا.

فكثير من الأرقام المتداولة تدمج النفط الخام مع المتكثفات، وهو ما قد يعطي انطباعًا بأن إنتاج مصر يقترب من نصف مليون برميل يوميًا أو يزيد قليلًا. لكن عند فصل هذه المكونات، يتبين أن إنتاج النفط الخام وحده أصبح أقل من 500 ألف برميل يوميًا، بينما ترفع المتكثفات إجمالي السوائل البترولية المنتجة. والأهم أن جزءًا من هذه المتكثفات يتم تصديره أو توجيهه لاستخدامات مختلفة، وبالتالي لا يمثل بديلًا مباشرًا للنفط الخام المستخدم في تشغيل معامل التكرير أو تلبية احتياجات السوق المحلية.

وهذا يعني أن الصورة الحقيقية أقل راحة بكثير مما توحي به الأرقام الإجمالية، وأن القدرة الذاتية على تغطية الطلب المحلي أصبحت أكثر محدودية مما تبدو عليه ظاهريًا.

وإذا تُرجمت هذه الأرقام إلى نسب، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحًا. ففي قطاع النفط، تشير التقديرات إلى أن الإنتاج المحلي يغطي نحو 45–50%  فقط من احتياجات السوق، بينما يتم توفير 50–55%  عبر الواردات، سواء في صورة نفط خام أو منتجات بترولية، بحسب احتياجات معامل التكرير والسوق المحلية. أما في قطاع الغاز الطبيعي، فإن الإنتاج الحالي الذي يدور حول 3.7  مليارات قدم مكعب يوميًا يغطي في المتوسط نحو 60–65%  من الاستهلاك خلال أشهر الذروة، بينما يتم تدبير النسبة المتبقية، أي نحو 35–40%، عبر الواردات من الغاز الطبيعي المسال أو الغاز المستورد عبر خطوط الأنابيب. وهذه الأرقام تعني ببساطة أن جزءًا معتبرًا من أمن الطاقة المصري أصبح يعتمد بصورة مباشرة على القدرة المستمرة على توفير النقد الأجنبي.

ولعل أبسط طريقة لفهم حجم التحدي هي النظر إلى الأرقام المطلقة. فإذا كانت مصر تستهلك قرابة مليون برميل يوميًا من المنتجات البترولية، بينما لا يتجاوز إنتاجها من النفط الخام نحو 480  ألف برميل يوميًا، فإن ما يقارب نصف احتياجات السوق يعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الواردات. وفي الغاز الطبيعي، إذا بلغ الاستهلاك خلال أشهر الصيف 6–6.5 مليارات قدم مكعب يوميًا، بينما يدور الإنتاج حول 3.7مليارات قدم مكعب يوميًا، فإن الفجوة اليومية تتراوح بين 2.5 و3 مليار قدم مكعب، وهي فجوة لا يمكن سدها إلا باستيراد الغاز، بما يحمله ذلك من أعباء دولارية ضخمة.

فكل مليار قدم مكعب ينخفض من الإنتاج المحلي لا يمثل مجرد تراجع في رقم إحصائي، وإنما يتحول عمليًا إلى التزام دولاري جديد، يضاف إلى فاتورة الواردات، ويضغط بصورة مباشرة على الاحتياطيات الأجنبية، وميزان المدفوعات، وسوق النقد الأجنبي.

ففاتورة استيراد الطاقة لم تعد مجرد بند في الموازنة العامة، وإنما أصبحت أحد أكبر الالتزامات الدولارية التي تتحملها الدولة سنويًا. فمليارات الدولارات تُخصص لاستيراد الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية، في وقت تحتاج فيه الدولة أيضًا إلى تدبير النقد الأجنبي لسداد أقساط وفوائد الديون الخارجية، واستيراد السلع الاستراتيجية، وتوفير مستلزمات الإنتاج.

وأصبح قطاع الطاقة اليوم أحد أكبر منافسي بقية القطاعات على الموارد الدولارية المحدودة، وهو ما يقلص هامش المناورة أمام السياسة الاقتصادية، ويزيد الضغوط على ميزان المدفوعات وسوق الصرف، ويفرض تحديات إضافية أمام جهود تحقيق الاستقرار الاقتصادي.

ولا يتوقف أثر هذا الاستنزاف عند حدود توفير العملة الأجنبية، بل يمتد إلى تكلفة التمويل، ومعدلات التضخم، وقدرة الدولة على توجيه مواردها نحو الاستثمار في البنية الأساسية، والتعليم، والصحة، والتنمية الاقتصادية.

لكن ثمة تحديًا آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي، وهو الشفافية في نشر البيانات.

ففي أغلب الدول المنتجة للطاقة، تُنشر بصورة دورية بيانات تفصيلية عن إنتاج النفط الخام، والمتكثفات، والغاز الطبيعي، والاستهلاك المحلي، والواردات، والصادرات، بما يسمح للمستثمرين ومؤسسات التمويل والباحثين بتقييم أوضاع القطاع بصورة دقيقة.

أما في مصر، فقد تراجع مستوى الإفصاح الدوري خلال السنوات الأخيرة، ولم تعد البيانات التفصيلية تُنشر بالانتظام والوضوح اللذين يحتاج إليهما المستثمرون، وأصبح الاعتماد في كثير من الأحيان على قواعد بيانات دولية مثل JODI أو تقديرات المؤسسات الدولية ووكالات الأنباء لرصد تطورات الإنتاج والاستهلاك.

ولا يتعلق الأمر بحق الرأي العام في المعرفة فحسب، بل إن الشفافية أصبحت أحد أهم عناصر الجاذبية الاستثمارية. فالأسواق لا تتعامل مع غياب البيانات بوصفه حيادًا، بل تعتبره عنصرًا إضافيًا من عناصر المخاطرة. وكلما ارتفع مستوى الإفصاح والوضوح، انخفضت درجة عدم اليقين، وازدادت قدرة القطاع على جذب الاستثمارات الجديدة، خصوصًا في أنشطة البحث والاستكشاف التي تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وآجالًا زمنية طويلة.

ويجب هنا التمييز بوضوح بين كون الدولة منتجة للطاقة وكونها مكتفية ذاتيًا. فمصر لا تزال من الدول المنتجة للنفط والغاز، وتمتلك قطاعًا بتروليًا كبيرًا وبنية تحتية متطورة، لكن الإنتاج الحالي لم يعد يغطي الطلب المحلي المتزايد. ولذلك فإن استخدام وصف “دولة منتجة” للإيحاء بأن ملف الطاقة في وضع مريح يعد طرحًا غير دقيق اقتصاديًا، لأن معيار الأمان الحقيقي ليس حجم الإنتاج في حد ذاته، وإنما مدى قدرة هذا الإنتاج على تلبية احتياجات السوق المحلية دون الاعتماد المتزايد على الواردات.

ولعل من أكثر المغالطات شيوعًا الاستشهاد بأن مصر تمتلك محطتي إسالة للغاز، أو أنها كانت تُصدر الغاز قبل سنوات، باعتبار ذلك دليلًا على أن أوضاع الطاقة لا تزال مطمئنة. والحقيقة أن هذه الوقائع صحيحة تاريخيًا، لكنها لا تعكس الواقع الحالي. فامتلاك البنية التحتية لا يعني توافر كميات كافية من الغاز لتشغيلها بكامل طاقتها، كما أن التصدير في فترة معينة لا يعني استمرار وجود فائض بعد تغير معادلة الإنتاج والاستهلاك. فالقطاع يتغير باستمرار، وما كان صحيحًا قبل خمس سنوات قد لا يكون صحيحًا اليوم.


لقد كان من الطبيعي أن تتحدث الدولة قبل سنوات عن الاكتفاء الذاتي والتصدير، لأن الأرقام في ذلك الوقت كانت تدعم هذا الخطاب. أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة. فالإنتاج تراجع، والاستهلاك واصل النمو، وأصبحت الواردات عنصرًا أساسيًا في تأمين احتياجات السوق. وبالتالي، فإن استمرار الخطاب القديم دون تحديث يخلق فجوة بين الواقع والانطباع العام، ويؤدي إلى سوء تقدير لحجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها الدولة. فالسياسات الناجحة تُبنى على قراءة الواقع كما هو، لا كما كان قبل سنوات.

إن استعادة التوازن في قطاع الطاقة لم تعد خيارًا تنمويًا يمكن تأجيله، وإنما أصبحت ضرورة اقتصادية عاجلة تفرضها اعتبارات الأمن القومي الاقتصادي والاستقرار المالي للدولة. ويتطلب ذلك تسريع تنمية الحقول الجديدة، وسداد مستحقات الشركاء الأجانب، وتحفيز الاستثمار في البحث والاستكشاف، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة، إلى جانب تبني سياسات أكثر فاعلية لترشيد الاستهلاك.

إن أخطر ما في ملف الطاقة اليوم ليس تراجع الإنتاج وحده، بل تأخر الاعتراف بحجم التحول الذي شهدته السوق المصرية. فالاستمرار في استحضار إنجازات سنوات الاكتفاء الذاتي والتصدير، دون الإقرار بأن الظروف تغيرت جذريًا، يخلق حالة من الاطمئنان الزائف قد تؤخر القرارات المطلوبة. فالأسواق لا تبني قراراتها على الخطاب الإعلامي، بل على البيانات والاتجاهات، والمستثمرون يدركون الفارق بين دولة تمتلك موارد، ودولة تستطيع تلبية احتياجاتها ذاتيًا.

إن مصر لا تقف أمام أزمة مستعصية، لكنها تقف أمام منعطف حرج يتطلب قرارات سريعة وواقعية. فالدولة تمتلك بنية تحتية متقدمة، ومحطات إسالة، وسوقًا كبيرة، وموقعًا جغرافيًا متميزًا، وكلها عناصر قوة حقيقية، لكنها لا تكفي وحدها إذا استمرت فجوة الإنتاج والاستهلاك في الاتساع. ولهذا فإن الأولوية اليوم ليست الاحتفاء بما تحقق في الماضي، بل التركيز على ما يجب إنجازه في المستقبل: تسريع تنمية الاكتشافات الجديدة، وتسوية مستحقات الشركاء، وتحفيز الاستثمار في الاستكشاف، وتحسين كفاءة الاستهلاك، والتوسع في الطاقة المتجددة، والأهم من ذلك كله، الشفافية الكاملة في عرض البيانات والحقائق.

فالثقة لا تُبنى بإخفاء التحديات، وإنما بإدارتها بوضوح وكفاءة. والمستثمر لا يخشى وجود مشكلة بقدر ما يخشى غياب البيانات، والمواطن يستطيع تحمل الإصلاح عندما يفهم أسبابه، أما استمرار الحديث عن أن “الأمور بخير” بينما ترتفع فاتورة الاستيراد وتتزايد الضغوط على النقد الأجنبي، فهو لا يؤجل الأزمة فحسب، بل يزيد تكلفة معالجتها مستقبلًا. إن مصر تمتلك المقومات الكفيلة باستعادة مكانتها في قطاع الطاقة، لكن ذلك لن يتحقق بالاعتماد على إنجازات الماضي، وإنما باستثمارات جديدة، واكتشافات إضافية، وإدارة أكثر كفاءة للطلب، وشفافية تتيح للجميع رؤية الواقع كما هو، لأن الاعتراف بالمشكلة ليس تشاؤمًا، بل هو الخطوة الأولى نحو الحل، ولأن أمن الطاقة لم يعد قضية تخص وزارة أو قطاعًا بعينه، بل أصبح أحد أهم ركائز الأمن الاقتصادي للدولة بأكملها.