مقالات

المهرجان الشعبي والمولد: دراسة إثنوغرافية للطقوس الجماعية والاحتفالات الشعبية

محمد عز الدين

كاتب وباحث مصري

يقف المولد والمهرجان الشعبي في جوهر الظاهرة الأنثروبولوجية بوصفه الذروة الأدائية والاجتماعية الأكثر كثافة في تاريخ الفرجة الجماعية، فهو في المنظور الإثنوغرافي وسوسيولوجيا الثقافة ليس مجرد مناسبة استذكارية لوليّ أو قديس، ولا احتفالاً موسميًا يمارس فيه الناس طقوس الزيارة العابرة، بل هو لحظة انقطاع زمني فارقة تكسر الرتابة اليومية، وتتجاوز الضوابط الرسمية لتصوغ علاقة استثنائية بين الجمع، والمقدس، والفضاء العام.

فالمولد يمثل الفضاء الوسيط الذي يذوب فيه الحد الفاصل بين الدنيوي والروحاني، حيث تتجاور الحضرة الصوفية مع إيقاعات المزمار والرقص الشعبي، وتلتقي ابتهالات المنشدين بأصوات الباعة وجولات الدمى والألعاب، محققة حالة من السيولة الثقافية التي تلغي التراتبيات الاجتماعية الصارمة، وتتيح للفقير والغني وابن القرية والمدينة التوحد في تجربة احتفالية جامعة تذيب مشاعر وأفكار الفرد لصالح الوعي الجمعي الملتحم.

تكمن القوة الأنثروبولوجية للمولد -كما نحاول وغيري من الباحثين دراستها بالاحتكاك والتفكيك- في قدرته البنيوية على تعليق قوانين الزمن الرسمي وتشييد “زمن موازٍ” يفرض قواعده الخاصة خارج هيمنة المؤسسة والرقابة، فبينما يعتمد النظام الاجتماعي والتنفيذي على ضبط الحركة وتنظيم الأوقات وساعات العمل، يمتد زمن المولد بلا انقطاع عبر الليل والنهار، واهبًا الجماعة فرصة نادرة لاستعادة حقها المباشر في تملك الساحات والميادين وتزيينها بالسرادقات والرايات والأضواء.
فهنا يمارس الجمع في هذا الفضاء الطقسي نوعًا من تفريغ الطاقة السلبية؛ إذ يجد الفرد المنهك من الضغوط الاقتصادية والسياسية في حلقة الذكر أو في متابعة الموال المسترسل متنقلا بين السرادق والخيام وسيلة حية لتفريغ شحنات الكبت والانفلات المؤقت من الرقابة الصارمة، محولًا الاحتفال إلى مشفى نفسي واجتماعي مفتوح تتكافل فيه الجماعة ماديًا ورمزيًا عبر إطعام الطعام وتوزيع النذور مجانًا خارج منطق السوق والربح المادي.

عودًا على بدء؛ في هذا الفضاء الطقسي، تستعرض الفرجة الشعبية أقصى درجات تنوعها وتكاملها المعرفي، فالمنشد حاضر بسحر الصوت والكلمة، والجسد حاضر باهتزازاته الصوفية وحركته الشعبية، والرمز المادي شاخص في الرايات والزينة الملونة، مما يجعل المولد المعرض الحي والأكبر للتراث غير المادي، فهنا لا يُعرض الفولكلور كقطع متحفية جافة أو نصوص محمية في واجهات زجاجية، بل يُمارس كفاعلية حية متجددة تسري في شرايين الأجيال الجديدة وتضمن استمرارية الذاكرة الجمعية.

وعلى الرغم من محاولات التحديث العمراني والتضييق المتواصل على الفضاءات المفتوحة بدعوى التنظيم أو المنع الأمني والفكري، فإن المولد يبدي قدرة مذهلة على التكيف والبقاء، متشكلا في أزقة القرى وحواري المدن أو متسرّبًا إلى وسائط تعبيرية حديثة تضمن استمرار روح الاحتفال الجماعي، مما يؤكد أن الحاجة إلى المولد هي حاجة وجودية للجماعة لتأكيد حضورها، والتنفيث عن آلامها، وتثبيت ولائها لرموزها الروحية والثقافية بعيدًا عن السلطوية والهيمنة.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى