
865% زيادة في أسعار الكهرباء منذ 2018
الدكتور محمد سليم: إجمالي الفقد في الكهرباء يتجاوز 20%.. و13% منه بسبب السرقات
النائب هلال الدندراوي: فواتير الكهرباء في الصعيد تحولت إلى كابوس وتفتقر إلى العدالة
في الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة تسجيل الشبكة القومية الموحدة للكهرباء أعلى حمل لها منذ بداية عام 2026، بعدما بلغ أقصى حمل مساء أمس الثلاثاء 39.300 ميجاوات، بزيادة بلغت نحو ألفي ميجاوات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، يعيش ملايين المصريين معادلة أكثر تعقيدًا، فكل موجة حر تعني استهلاك أكبر، وكل زيادة في الاستهلاك تعني فاتورة أعلى.
يأتي ذلك بالتزامن مع الزيادات المتتالية في أسعار الكهرباء، حيث ارتفعت قيمة شرائح الكهرباء بنحو 865% منذ عام 2018 وحتى أغسطس 2026، بعد تطبيق الزيادة الجديدة البالغة 12%، وهو ما أثار تساؤلات حول تأثير هذه الزيادات على معدلات سرقة التيار الكهربائي، خاصة في محافظات الصعيد التي تعتمد بصورة كبيرة على الكهرباء لمواجهة موجات الحر الشديدة.
وتؤكد وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة أن خطتها لا تقتصر على تعديل التعريفة، وإنما تشمل تحسين كفاءة الشبكات وخفض الفقد، ووفقًا لأحدث تقاريرها، تراجع معدل الفقد في شبكات التوزيع من 19.4% خلال عام 2022/2023 إلى 18.9% في عام 2024/2025، مع استهداف الوصول إلى 16.7% خلال عام 2026/2027، وذلك في إطار خطة لإحلال وتجديد الشبكات وتحسين كفاءة التشغيل، كما أشار التقرير إلى أن تحسين كفاءة استهلاك الوقود أسهم في خفض تكلفة الإنتاج وتحقيق وفر كبير في استهلاك الوقود.

خبير كهرباء: الفقد بسبب السرقات يصل إلى 13% من الإنتاج
من جانبه، قال الدكتور المهندس محمد سليم، استشاري الطاقة المتجددة والرئيس السابق لقطاع الأداء بكهرباء مصر، إن الفقد في التيار الكهربائي الناتج عن السرقات يصل إلى نحو 13%، بينما يتجاوز إجمالي الفقد 20%، موضحًا أن هناك نحو 7% فقدًا فنيًا، وهي نسبة تتوافق مع المعدلات العالمية.
وأضاف “سليم” أن الربط بين زيادة أسعار الكهرباء وارتفاع سرقات التيار احتمال وارد، لكنه بنسبة محدودة، مشيرًا إلى أن التجارب تؤكد في المقابل أن زيادة التعريفة تؤدي غالبًا إلى تقليل الفقد، إلى جانب خفض معدلات الاستهلاك نتيجة اتجاه المواطنين إلى ترشيد استخدام الكهرباء.

شهادة من الواقع.. “لم أعد أستطيع دفع الفاتورة”
على الجانب الآخر، يروي “سعيد .ع”، أحد سكان مدينة أسوان، صورة مختلفة للواقع المعيشي، قائلاً إن استهلاك الكهرباء في صعيد مصر، وخاصة خلال فصل الصيف، ليس رفاهية في ظل درجات حرارة قد تتجاوز 50 درجة مئوية.
وأضاف أنه يعمل موظفًا بإحدى شركات المبيعات ويتقاضى 7 آلاف جنيه شهريًا، ويعول ثلاثة أطفال، مؤكدًا أن دخله لم يعد يكفي لتغطية نفقات المعيشة والطعام والتعليم، بينما كانت فاتورة الكهرباء تتجاوز ألف جنيه شهريًا، مشيرًا إلى أنه منذ أكثر من عامين لجأ إلى التحايل على العداد الإلكتروني بمساعدة أحد العاملين في شركة الكهرباء لتقليل قيمة الاستهلاك المسجل، قائلاً:” أدرك أن ما فعلته مخالف للقانون، لكنني لم أعد أستطع تحمل قيمة الفواتير”.
وأكد أن تشديد العقوبات التي تصل إلى الحبس والغرامات المالية لم يعد يمثل رادعًا بالنسبة للبعض، في ظل ما وصفه بالعجز عن الوفاء بالالتزامات الأساسية.
نائب برلماني: فواتير الكهرباء في الصعيد كابوس يتكرر كل صيف

وفي السياق ذاته، قال النائب هلال الدندراوي، عضو لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، ونائب رئيس حزب التجمع، إن أزمة فواتير الكهرباء في محافظات الصعيد، وعلى رأسها أسوان، أصبحت “كابوسًا يتكرر كل صيف”، مؤكدًا أن ارتفاع درجات الحرارة يجعل استهلاك الكهرباء ضرورة معيشية لا يمكن الاستغناء عنها.
وأضاف “الدندراوي” أن أسوان خصوصا تتعرض لظلم واضح في سياسات تسعير الكهرباء، رغم أنها تعد من أكبر المحافظات المنتجة للطاقة من خلال محطة بنبان للطاقة الشمسية والسد العالي وخزان أسوان، مطالبًا باستثناء المحافظة من نظام الشرائح الحالي أو وضع معاملة خاصة تراعي طبيعتها المناخية.
وأشار إلى أنه كلما ارتفعت شرائح الكهرباء زادت الضغوط على الأسر المصرية، محذرًا من أن استمرار هذه السياسة دون مراعاة الظروف الاقتصادية قد يدفع بعض المواطنين إلى اللجوء لوسائل غير قانونية لتخفيف أعباء الفواتير، مؤكدًا أن مواجهة سرقات التيار لا تكون بالعقوبات وحدها، وإنما أيضًا بوضع سياسات تسعير أكثر عدالة تراعي دخول المواطنين واختلاف الظروف المناخية بين المحافظات.
وشدد نائب رئيس حزب التجمع على أن فاتورة الكهرباء أصبحت في كثير من الأسر تنافس نفقات المعيشة الأساسية، قائلاً:” هناك أسر أصبحت فاتورة الكهرباء لديها توازي أو تتجاوز فاتورة الطعام الشهرية، وهو أمر لا يمكن القبول باستمراره”.

أستاذ تنظيم المجتمع: ارتفاع الأسعار يهدد الثقة في الحكومة ويضعف الحماية الاجتماعية
ومن جانبه، قال الدكتور محمد جابر، أستاذ تنظيم المجتمع وعميد كلية الخدمة الاجتماعية بجامعة أسوان، إن استمرار ارتفاع أسعار الكهرباء يترك آثارًا اجتماعية ونفسية تتجاوز الأعباء الاقتصادية المباشرة، محذرًا من تداعيات قد تنعكس على علاقة المواطن بالدولة وسلوكياته المجتمعية.
وأوضح “جابر” أن التأثير الأول يتمثل في تنامي شعور المواطنين بالاستياء والعداء تجاه الحكومة، نتيجة اعتقادهم بعدم إدراك حجم الأعباء المعيشية التي يواجهونها في ظل الزيادات المتتالية في تكاليف الحياة، مضيفًا أن التأثير الثاني يتمثل في اعتياد بعض المواطنين على مخالفة القانون بدافع الضغوط الاقتصادية، بما قد يؤدي إلى ترسيخ سلوك التمرد باعتباره وسيلة للتعامل مع الأزمات، وهو ما يحمل أبعادًا اجتماعية خطيرة على المدى البعيد.
وأشار إلى أن ربط محاضر مخالفات الكهرباء بالحرمان من الدعم التمويني أو المعاشات أو غيرها من الحقوق الاجتماعية يؤدي إلى امتداد آثار العقوبة إلى الأسرة بأكملها، وليس إلى المخالف وحده، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الفئات الأكثر احتياجًا، ويؤدي إلى إضعاف شبكة الحماية الاجتماعية التي تعمل الدولة على تعزيزها ودعمها، خاصة للأسر الأولى بالرعاية.
معادلة معقدة بين الردع والعدالة الاجتماعية
ويجمع الخبراء على أن سرقة التيار الكهربائي تمثل اعتداءً على المال العام وتؤدي إلى خسائر كبيرة للدولة، إلا أن معالجة الظاهرة لا تقتصر على تشديد العقوبات أو تكثيف حملات الضبط، وإنما تتطلب أيضًا سياسات اقتصادية واجتماعية تراعي قدرة المواطنين على تحمل تكاليف الخدمات الأساسية، خاصة في المحافظات ذات الطبيعة المناخية القاسية مثل محافظات الصعيد.
وبينما تسعى الدولة إلى خفض الفقد الفني والتجاري وتحسين كفاءة الشبكات، يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين استدامة قطاع الكهرباء وحماية المواطنين من الأعباء المعيشية المتزايدة، حتى لا تتحول فاتورة الكهرباء إلى أزمة اجتماعية تدفع بعض الأسر إلى مخالفة القانون.






