مقالات

أنا أصلاً هابقي كويس ومافيش حاجه مضيقاني “الإنكار لا يفيد”

محمد حسنين
المؤلف والمخرج المسرحي وممارس العلاج بالدراما

“أنا أصلًا هبقى كويس
ومفيش حاجة مضايقاني
وأخدت الباب في إيديا
وما صدقت إني مشيت”

لا تكذب يا عزيزي أنت لست بخير كل ما هنالك أنك تحاول الصمود ليوم آخر ولكنك تردد تلك الكلمات كآلية دفاع تخفي من خلالها معاناتك وتتجنب المواجهة وهذا ما يطلق عليه علماء النفس “الإنكار ” وهو وسيلة لتجنب الحقيقة ولكن الحقيقة أبت الاختفاء وخرجت لتطاردك في ألبوم كاريوكي الجديد وببحة صوت أمير عيد وأغلب “التايم لاين” لأصدقائك علي مواقع التواصل الإجتماعي فأصبح لا مكان للهروب.
فحين يعجز الكلام،
وتصبح الجملة مجرد قناع،
يأتي الفن ليكشف ما وراء القناع.الفنون التعبيرية — الحركة، الإيقاع، الموسيقى، الدراما — لا تحتاج إلى اعتراف لفظي.
هي تسمح للإنسان أن يُظهر ما لا يستطيع أن يقوله
اللون قد يعترف،
والجسد قد يبوح،
والإيقاع قد يكشف،
والصمت قد يصرخ.وهنا يصبح الفن طريقًا لفهم الإنكار،
لا لكسره،
بل لقراءته
وهذا تماما ما سنحاول أن نفعله في هذا المقال .
الإنكار في المجتمع المصري ليس مجرد آلية دفاع فردية… لكنه سلوك اجتماعي يومي تكوّن عبر سنوات من الضغوط، والسرعة، والخوف من الاعتراف بالضعف، والرغبة المستمرة في “تزييف الصورة” أمام الناس وتستطيع أن تري ذلك بسهولة خلال تصفحك لدقائق معدودة علي “انستجرام” أو “فيس بوك” وبالرغم من الآثار السلبية لتفشي الإنكار كسلوك جمعي يواري الحقيقة وينكرها إلا أن الخطورة الحقيقية هي في السلوك الفردي الذاتي حتي في عدم وجود الآخرين
في المسرحِ التقليديّ، يرتديُ الممثلُ قناعًا يُخفيُ وجهَه، ثم يخلعُهُ حينَ تنتهيِ اللعبة. أما في حياةِ الإنكار، فالقناعُ يلتصقُ بالوجهِ شيئًا فشيئًا، حتى يصيرَ الوجهُ نفسَهُ قناعًا. تُصبحُ ابتسامتُكَ ردِّ فعلٍ لا إراديٍّ، تُصبحُ عبارةُ “أنا تمام” ردًّا جاهزًا على أيِّ سؤالٍ عن حالِك، تُصبحُ رغبتك في أن تبدو قوياً شخصيتَكَ الثابتةَ التي لا تتغيَّر، حتى حينَ تنهارُ من الداخل.
والأخطرُ أنَّكَ — مع الوقتِ — تبدأُ في تصديقِ القناع. تنسىَ أنَّكَ ترتديه. تنسىَ أنَّ هناكَ وجهًا آخرَ تحتَه. وتصيرُ حياتُكَ كلُّها عرضًا مسرحيًّا لا جمهورَ له تقفُ على خشبةٍ فارغة، تُجسِّدُ دورَ الإنسانِ السعيدِ القويِّ، ولا أحدَ يصفقُ، ولا أحدَ يرى، ولا أحدَ يعلمُ أنَّكَ — في تلكِ اللحظةِ من العزلةِ — كنتَ أحوجَ ما تكونُ إلى أنْ يقولَ لكَ أحدٌ: “أنا أراكَ. وأنا أعلمُ أنَّكَ لستَ بخير.”
لذلك اخبرك الآن وبكل وضوح أنك للأسف يا عزيزي لست بخير.

زر الذهاب إلى الأعلى