ضجيج بلا طحين.. دعاية وخطاب إعلامي عن إنجازات وهمية في البترول.. وتراجع ضخم في الإنتاج
بالأرقام.. إنتاج الغاز يهبط من 59 إلى 42 مليار متر مكعب والواردات ترتفع 36%

خبير طاقة: التقييم الحقيقي بصافي التغير في الإنتاج لا بعدد الآبار المحفورة
لا تكاد تهدأ الحركة داخل وزارة البترول والثروة المعدنية، اجتماعات ولقاءات، جولات تفقدية لمواقع الإنتاج، اجتماعات مع رؤساء وممثلي الشركات العالمية، اتفاقيات جديدة، خطط لحفر آبار، وإعلانات متتالية عن اكتشافات وفرص استثمارية وزيادات متوقعة في الإنتاج.
هذه التحركات، في حد ذاتها، تعكس نشاطًا واضحًا ورغبة في إعادة تنشيط قطاع البترول وجذب المزيد من الاستثمارات، خاصة بعد سنوات واجه خلالها القطاع تحديات متعددة، من بينها تراجع الإنتاج وارتفاع مستحقات الشركاء الأجانب وتأخر بعض مشروعات التنمية.
لكن في المقابل، يبقى هناك سؤال مهم يستحق التوقف أمامه: إلى أي مدى انعكس هذا النشاط على الإنتاج الفعلي، فبينما تبدو الصورة في الخطاب الإعلامي شديدة النشاط والتفاؤل، لا تزال مؤشرات الإنتاج، خاصة في قطاع الغاز الطبيعي، بحاجة إلى قراءة أكثر هدوءًا ودقة، بعيدًا عن زخم الأخبار اليومية.
وهنا لا يتعلق الأمر بتقليل أهمية ما تقوم به الوزارة، فهناك خطوات لا يمكن إنكار ضرورتها، مثل سداد مستحقات الشركات الأجنبية، وتحسين الحوافز الاستثمارية، وإعادة تنشيط عمليات البحث والاستكشاف، والتوسع في حفر الآبار، وتسريع تنمية الاكتشافات.
كما أن زيادة إنتاج الزيت الخام خلال الفترة الأخيرة تمثل مؤشرًا إيجابيًا ينبغي البناء عليه، لكن المشكلة تبدأ عندما تختلط في الصورة الإعلامية الخطط بما تحقق، والاكتشافات بالإنتاج، والموارد الموجودة في باطن الأرض بالاحتياطيات القابلة للاستخراج والإنتاج الفعلي.
أخبار إيجابية.. ولكن ماذا تحقق على الأرض؟
خلال أيام قليلة، توالت مواد صحفية تحمل رسائل شديدة التفاؤل، إحداها تحدثت عن “إشادة عالمية بأداء قطاع البترول المصري”، واستعرضت نتائج حفر إيجابية، وآبارًا إضافية، وفرصًا لإضافة احتياطيات وإنتاج جديد، فضلًا عن تصنيف مصر ضمن مناطق الاستكشاف المهمة خلال عام 2026.
وفي مادة أخرى، ظهر عنوان يقول إن “مصر مركز إقليمي لتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الدولية بما فيخا أوروبا”، ثم جاء خبر عن وصول وزير البترول إلى موقع الشركة الفرعونية ببورسعيد لمتابعة “خطط زيادة إنتاج الغاز الطبيعي وبرامج حفر الأبار الاستكشافية والتنموية”.
كل خبر من هذه الأخبار قد يكون صحيحًا في حدوده، لكن المشكلة تبدأ عند جمعها في صورة واحدة، من دون التمييز بين المراحل المختلفة، فالقارئ يتلقى في المساحة الإعلامية نفسها خليطًا من الإنتاج الحالي، والكشف الجديد، والبئر المخطط حفرها، والموارد الموجودة في المكمن، والاحتياطي القابل للاستخراج، والطاقة الإنتاجية المتوقعة، والاستثمار المستقبلي، وهكذا، قد يتحول ما يمكن أن يحدث غدًا إلى جزء من صورة ما تحقق اليوم.

البئر ليست إنتاجًا
في صناعة البترول، هناك فارق جوهري بين توقيع اتفاقية، وبدء حفر بئر، وتحقيق كشف، واعتماد خطة لتنميته، ثم ربطه ووضعه على الإنتاج، فالاتفاقية تمثل التزامًا استثماريًا، والحفر يمثل نشاطًا استكشافيًا أو تنمويًا، والكشف يمثل نجاحًا جيولوجيًا، أما الإنتاج الفعلي فلا يتحقق إلا بعد استكمال عمليات التقييم والتنمية وإنشاء التسهيلات وخطوط الربط، ثم ضخ الغاز أو الزيت إلى الشبكة.
كما أن الإعلان عن وجود تريليوني قدم مكعبة من الغاز في مكمن ما، لا يعني بالضرورة وجود تريليوني قدم مكعبة من الاحتياطيات التجارية المؤكدة، ولا يعني أن هذه الكمية أصبحت جاهزة للإنتاج، فهناك فارق بين الموارد الموجودة في المكمن، والموارد القابلة للاستخراج، والاحتياطيات التجارية، والطاقة الإنتاجية، والإنتاج الفعلي الذي يصل إلى السوق.
وحتى دخول بئر جديدة على الإنتاج لا يعني بالضرورة ارتفاع إجمالي إنتاج الدولة؛ لأن الحقول القائمة تفقد جزءًا من إنتاجها بصورة طبيعية مع مرور الوقت. ولذلك، يجب أن تعوض الإضافات الجديدة هذا التناقص أولًا قبل أن تتحول إلى نمو صافٍ في الإنتاج.
وهذا يفسر مفارقة قد تبدو غريبة لغير المتخصص: يمكن أن تتزايد أعمال الحفر، وتدخل آبار جديدة على الإنتاج، وترتفع الاستثمارات، وتعمل الوزارة والشركات بكثافة، بينما يظل إجمالي الإنتاج مستقرًا أو يستمر في التراجع.
وفي النهاية، فإن معيار نجاح أي خطة في قطاع البترول لا يجب أن يتوقف عند عدد الاتفاقيات الموقعة، أو الآبار المحفورة، أو الاكتشافات المعلنة، وإنما عند السؤال الأهم: كم أضافت هذه التحركات فعليًا إلى الإنتاج المتاح في السوق؟، فالحركة مهمة، لكنها ليست النتيجة.. والاكتشاف وعد، أما الإنتاج فهو الاختبار الحقيقي.
ماذا تقول الأرقام؟
علق المهندس محمد عطية، الباحث والمتخصص في شؤون الطاقة، بأن التقييم الفني لأداء القطاع لا يعتمد على عدد الآبار المحفورة أو قيمة الاستثمارات المعلنة، وإنما على صافي التغير في الإنتاج بعد خصم التناقص الطبيعي للحقول القائمة.

وأوضح “عطية” في تصريحات لـ”ليبرالي” أن بيانات ومبادرة “جودي” تشير إلى انخفاض متوسط إنتاج الغاز الطبيعي تدريجيا خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، من نحو 3.93 مليار قدم مكعبة يوميا في يناير إلى 3.86 مليار في فبراير، ثم 3.81 مليار في مارس، و3.78 مليار في أبريل، وصولا إلى 3.74 مليار قدم مكعبة يوميا في مايو.
وأشار إلى أن حجم إنتاج مايو، البالغ 3.281 مليار متر مكعب، قد يبدو أعلى من إنتاج أبريل البالغ 3.214 مليار متر مكعب، لكن هذه الزيادة ظاهرية بسبب اختلاف عدد أيام الشهر؛ فعند تحويل الأرقام إلى متوسط يومي يتضح استمرار التراجع. وهذا يوضح أهمية نشر معدلات الإنتاج اليومية، وليس الأحجام الشهرية فقط.
وبصورة إجمالية، بلغ إنتاج الغاز نحو 16.35 مليار متر مكعب خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026، منخفضا بنسبة 7.7% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. وفي مايو وحده، انخفض متوسط الإنتاج اليومي بنحو 7.4% على أساس سنوي، من 4.04 إلى 3.74 مليار قدم مكعبة يوميا.
وفي المقابل، وصل استهلاك الغاز خلال مايو إلى نحو 6.35 مليار قدم مكعبة يوميا. وبذلك غطى الإنتاج المحلي، البالغ 3.74 مليار قدم مكعبة، قرابة 59% من الاستهلاك المسجل، بينما بلغت الفجوة الحسابية بين الإنتاج والاستهلاك نحو 2.61 مليار قدم مكعبة يوميا، ويجري التعامل معها من خلال الواردات والمخزون وبقية عناصر الموازنة الغازية.
وأضاف “عطية” أن أرقام الربع الأول من عام 2026 تؤكد تزايد الاعتماد على الخارج؛ إذ بلغ الإنتاج المحلي نحو 9.85 مليار متر مكعب، مقابل واردات قاربت 6 مليارات متر مكعب، لتشكل الواردات نحو 38% من إجمالي الغاز المتاح خلال الربع. كما زادت واردات الغاز بنسبة 36% على أساس سنوي، بينما ارتفعت واردات الغاز الطبيعي المسال وحدها بنسبة 131%.
وتابع:” لا يرتبط الاتجاه بشهر واحد؛ فقد انخفض الإنتاج السنوي من نحو 59 مليار متر مكعب في 2023 إلى 50 مليارا في 2024، ثم إلى قرابة 42 مليار متر مكعب في 2025. أي أن مصر فقدت خلال عامين نحو 17 مليار متر مكعب من إنتاجها السنوي، بنسبة تراجع تراكمية تقترب من 29%”.
ولفت إلى أن تقديرات نشرتها وكالة رويترز تشير إلى إلى أن متوسط إنتاج الغاز انخفض إلى أقل من 4.4 مليار قدم مكعبة يوميا خلال العام المالي 2025/2026، مع توقع تراجعه إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة يوميا خلال العام المالي الحالي.
وفي الوقت نفسه، يتوقع ارتفاع الواردات من نحو 985 مليار قدم مكعبة خلال العام المالي الماضي إلى 1.081 تريليون قدم مكعبة خلال العام المالي الحالي، بزيادة تقترب من 10%.
وشدد “عطية” على أن هذه الأرقام لا تقلل من أهمية الاكتشافات أو المشروعات الجديدة. فإضافة 80 مليون قدم مكعبة يوميا من بئر جديدة، أو 160 مليون قدم مكعبة من مشروع آخر، تمثل إضافة مهمة. لكن الأثر الحقيقي لا يقاس بالإنتاج الابتدائي المعلن، وإنما بما يتبقى منه بعد تعويض التناقص الطبيعي في بقية الحقول.
ومن الإنصاف أيضا الإشارة إلى أن بيانات الإنتاج تصدر عادة بفاصل زمني، ولذلك قد لا تكون بعض التحركات والمشروعات الأخيرة قد انعكست بعد على الأرقام المنشورة. لكن إلى أن يظهر هذا الأثر في بيانات فعلية ومنتظمة، تظل الزيادات المتوقعة أهدافا وخططا وليست نتائج نهائية.
الزيت الخام.. تحسن يحتاج إلى الاستدامة
تبدو الصورة في الزيت الخام أفضل نسبيا على المدى القصير. فقد أعلن المتحدث باسم وزارة البترول أن الإنتاج وصل خلال يوليو 2026 إلى نطاق يتراوح بين 520 و550 ألف برميل يوميا، وهو أعلى مستوى معلن منذ نحو عامين.
واعتبر محمد عطية أن ذلك يمثل مؤشرا إيجابيا يستحق التسجيل، لكنه يحتاج إلى الاستمرار عدة أشهر قبل اعتباره تحولا مستداما في اتجاه الإنتاج.
فوفقا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية، التي تشمل الخام والمكثفات، انخفض المتوسط السنوي من 600 ألف برميل يوميا في 2023 إلى 570 ألفا في 2024، ثم 530 ألفا في 2025، مع توقع بلوغه نحو 510 آلاف برميل يوميا في 2026. وفي المقابل، تقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية إجمالي إنتاج السوائل البترولية، وفق تعريف أوسع، بنحو 600 ألف برميل يوميا.
-وبحسب عطية – هنا تظهر مشكلة تعريف المؤشر نفسه. فقد يشير مصطلح «إنتاج النفط» إلى الزيت الخام فقط، أو الخام والمكثفات، أو إجمالي السوائل البترولية بما فيها سوائل الغاز الطبيعي. كما قد يعبر الرقم عن إنتاج يوم محدد، أو متوسط شهر، أو متوسط عام كامل.
ولهذا يمكن أن تظهر أرقام مثل 510 آلاف و550 ألفا و600 ألف برميل يوميا في تقارير مختلفة دون أن يكون أحدها خاطئا بالضرورة؛ لأنها لا تقيس الشيء نفسه أو الفترة الزمنية نفسها. المشكلة إذن ليست فقط في إعلان الرقم، وإنما في إعلان تعريفه ومنهجيته والفترة التي يمثلها.
أين عداد الإنتاج؟
إذا أراد مستثمر تقييم شركة بترول، فلن يكون سؤاله الأول: كم اجتماعا عقد رئيسها التنفيذي؟، سيسأل ببساطة: كم تنتج؟ وكيف تغير إنتاجها؟ وكم تبلغ تكلفة البرميل؟ وما معدل تعويض الاحتياطيات؟ وما نسبة ما أضافته المشروعات الجديدة مقارنة بما فقدته الحقول القديمة؟، وهذه هي مؤشرات الأداء التي يفترض أن تكون في قلب خطاب وزارة البترول.
لكن القطاع ينشر بصورة شبه يومية أخبار الاجتماعات والاستثمارات والاكتشافات وخطط الحفر، بينما لا تتوافر أمام المواطن بسهولة لوحة شهرية موحدة توضح إنتاج الغاز والزيت الخام والمكثفات، وما أضافته الآبار الجديدة، وما فقدته الحقول القائمة، وصافي التغير عن الشهر السابق، وحجم الاستهلاك والواردات والصادرات. الحفر مدخل، والاستثمار مدخل، والاتفاقية مدخل، أما الإنتاج فهو النتيجة.
وحين تصبح المدخلات أكثر حضورا في الإعلام من النتائج، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان الخطاب العام يقيس الأداء أم يدير الانطباع عنه.
مركز إقليمي.. ومستورد للغاز
تظهر المفارقة نفسها في الحديث عن مصر باعتبارها مركزا إقليميا للغاز. من الناحية الفنية، لا يوجد تناقض حتمي بين أن تكون مصر مركزا لتداول الغاز ومعالجته وإسالته، وأن تكون في الوقت نفسه مستوردا صافيا له. فصفة المركز الإقليمي ترتبط بالموقع والبنية التحتية والشبكات ومحطات الإسالة والقدرة على استقبال غاز دول أخرى ومعالجته وإعادة تصديره.
ومصر تمتلك بالفعل منشآت إسالة في إدكو ودمياط، إلى جانب شبكة غاز وبنية تحتية تمنحها ميزة مهمة في شرق المتوسط، خاصة مع خطط استقبال الغاز القبرصي ومعالجته وإسالته.
لكن المشكلة تبدأ عندما يقدم عنوان «مصر مركز إقليمي لتصدير الغاز إلى أوروبا» دون أن توضع بجواره أرقام الإنتاج المحلي والواردات وتكلفتها والكميات المعاد تصديرها، فعندها يحصل المواطن على نصف الحقيقة فقط.
أما النصف الآخر، فتظهر آثاره في فاتورة النقد الأجنبي. وتشير تقديرات رويترز إلى أن التعاقدات الجديدة المحتملة لاستيراد الغاز المسال قد تتكلف ما بين 8 و11 مليار دولار سنويا، وفقا للأسعار وظروف السوق.
المركز الإقليمي مفهوم اقتصادي مشروع، لكنه لا ينبغي أن يستخدم لغويا باعتباره مرادفا للاكتفاء الذاتي أو فائض الإنتاج المحلي.
الاتصال المؤسسي.. أين تنتهي المعلومة وتبدأ الدعاية؟
هناك سؤال آخر يتعلق بطريقة صناعة الرواية الإعلامية للقطاع، فبعض المواد شديدة الإيجابية لا ينشر باعتباره بيانا رسميا مباشرا من الوزارة، وإنما يظهر عبر وكالات أنباء ومواقع ومنصات صحفية، ويتضمن نقاطا متشابهة عن جاذبية الاستثمار والنتائج الواعدة وخطط الحفر والإنتاج المستقبلي.
وقد يكون ذلك جزءا طبيعيا من عمل الاتصال المؤسسي؛ إذ ترسل الوزارات والشركات مواد خلفية وبيانات وملخصات إلى وسائل الإعلام. كما أن الاستعانة بشركات علاقات عامة أو تسويق رقمي أو رصد إعلامي ليست ممارسة خاطئة في ذاتها.
لكن من حق الرأي العام معرفة حدود هذا النشاط، وما إذا كانت هناك تعاقدات تخص إدارة المحتوى أو الترويج أو الرصد الرقمي، وقيمتها والجهات المسؤولة عنها، خاصة عندما تصبح الرواية الإعلامية أكثر تفاؤلا من الاتجاه الذي ترسمه أرقام الإنتاج.
أما الحديث المتداول عن وجود «لجان إلكترونية» مرتبطة بالوزارة، فلا يجوز تبنيه أو نسبته إليها من دون دليل. لكن يظل من المشروع المطالبة بالإفصاح عن أي إنفاق عام أو تعاقدات تتعلق بإدارة المحتوى والتفاعل والرصد الإلكتروني، فالشفافية لا تستهدف منع الوزارة من عرض إنجازاتها، وإنما تضمن التمييز بين المعلومة الرسمية والتغطية الصحفية والمحتوى الترويجي.
“حتى لا يحسد”
ثم جاءت واقعة صغيرة في ظاهرها، لكنها شديدة الدلالة، عندما رد المتحدث باسم وزارة البترول على سؤال بشأن إنتاج الزيت الخام قائلا: “بلاش أقول الرقم عشان الحسد”، قد تكون العبارة دعابة عفوية، وقد أعلن المتحدث بعد ذلك نطاقا يتراوح بين 520 و550 ألف برميل يوميا، لكن الواقعة كشفت مدى حساسية غياب الرقم الموحد والدقيق، فرقم الإنتاج ليس رقما نخشى عليه من الحسد، بل مؤشرا ينبغي أن نخشى من غيابه أو اختلاف تعريفه.
والشفافية لا تعني إعلان الإنتاج عندما يرتفع، ثم الاكتفاء بالحديث عن الآبار والخطط عندما يتراجع. وإنما تعني نشر المؤشر نفسه، بالتعريف والمنهج والموعد نفسيهما، سواء حمل خبرا جيدا أو سيئا.
الجميع يركض.. إلا العداد
لا يمكن إنكار أن وزارة البترول تحاول معالجة أزمة حقيقية، وأن جانبا كبيرا من النشاط الجاري ضروري لاستعادة الإنتاج، كما لا يمكن تجاهل التقدم في سداد مستحقات الشركاء، وعودة برامج الحفر، وتحسن إنتاج الزيت الخام خلال الفترة الأخيرة، واستمرار تطوير اكتشافات يمكن أن تضيف كميات مهمة مستقبلا.
لكن المشهد لا يزال يحمل مفارقة يصعب تجاهلها. الوزير يتحرك، والشركات تتحرك، والحفارات تتحرك، والاستثمارات تتحرك، والبيانات الإعلامية تتدفق،والعناوين تتوالى. بينما يظل عداد الإنتاج هو الحكم الوحيد الذي لا يتأثر بكل هذا الصخب.
ويمكن للوزارة أن تنهي جانبا كبيرا من الجدل بنشر لوحة شهرية موحدة تتضمن إنتاج الغاز، والزيت الخام، والمكثفات، وسوائل الغاز الطبيعي، والإضافات الجديدة، والتناقص الطبيعي، وصافي التغير، والاستهلاك، والواردات والصادرات، مع تعريف كل مؤشر وتحديد الفترة الزمنية التي يغطيها.
بعدها فلتصدر الوزارة ما تشاء من أخبار عن الاتفاقيات والاجتماعات والاكتشافات وخطط الحفر، لأن وزارة البترول لا تحاسب على عدد المرات التي أعلنت فيها أنها تعمل على زيادة الإنتاج، وإنما على ما إذا كان الإنتاج قد زاد بالفعل، وما إذا كانت هذه الزيادة مستدامة وقادرة على تقليل فجوة الاستيراد، وفي قطاع الطاقة، يستطيع الإعلام أن يصنع قصة نجاح كاملة، لكنه لا يستطيع أن يضيف قدما مكعبة واحدة إلى الإنتاج.




