مصداقية الرئيس.. هل يستطيع ترامب ضم مضيق هرمز لأمريكا؟

قال الرئيس الأمريكي ترامب ضاحكًا خلال خطاب ألقاه في أكاديمية للشرطة في لونغ آيلاند بنيويورك، يوم الجمعة الماضي، إنه قريبًا جدًا سيعلن مضيق هرمز أرضًا تابعة للولايات المتحدة، بعد أن ينتهي من هزيمة إيران، متمنيًا أن تُمنى بهزيمة نكراء، وأضاف أن الحصار فعال، ولا تمر أي سفن إلا إذا أرادو ذلك.
لم يتضح بعد مدى جدية تصريحات الرئيس ترامب، وما إذا كان يشير إلى موقف سياسي جديد، لكنها مع ذلك أثارت ردًا حادًا من طهران، كما أنها وضعت مصداقية الرئيس الأمريكي على المحك في ظل تكرار تصريحاته العنترية ثم التراجع عنها.
ونجد أن بمجرد صدور تصريحات ترامب بشأن مضيق هرمز، خرج المسؤولون الإيرانيون للتصدي لها، ففي منشور على موقع”X” السبت الماضي، أكد نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، أن “مضيق هرمز كان إيرانيًا، وهو إيراني، وسيظل إيرانيًا”، وأضاف:” لن يغلق هذا المضيق أو يفتح إلا بأمر من إيران، وطالما أنكم لا تقبلون حقيقة الهزيمة وتتوقفون عن أوهامكم، ستواصل إيران فرض الحصار”.
وفي مقابلة نشرت السبت الماضي، صرح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن إيران لم تقرر استئناف المحادثات مع الولايات المتحدة، وأن الرسائل المتبادلة عبر قطر وباكستان لا تعد مفاوضات، وذلك وفقًا لما ذكرته وكالة رويترز.
وأوضح “عراقجي” لوكالة أنباء “شهرارا” الإيرانية أن المحادثات المنفصلة مع عُمان تركز على تحديد ممر مائي عبر مضيق هرمز، وأن على الولايات المتحدة استيفاء شروط معينة لاستئناف الملاحة عبر المضيق.
جاء هذا التصريح في وقت لا تزال فيه محادثات السلام مع إيران عالقة بعد فشل المفاوضات، حيث ترفض طهران إعادة فتح المضيق، الذي ظل مغلقًا فعليًا منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في فبراير.
خلفية الأحداث
تتصاعد التوترات مرارًا وتكرارًا بشأن هذا الممر المائي الذي ينقل عادةً نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية، حيث يدعي كلا الجانبين السيطرة عليه رغم مذكرة التفاهمالمتفق عليها في يونيو، وبموجب بنود الاتفاق المؤقت، كان مطلوبًا من إيران إعادة فتح الممر المائي والتأكيد على أنها لن تحصل على أسلحة نووية أو تطورها.
وأن تعلن الولايات المتحدة أنها سترفع الحصار البحري المفروض على إيران وتلغي العقوبات المفروضة على طهران، وكان الاتفاق قد منح البلدين مهلة 60 يومًا للتوصل إلى اتفاق نهائي.
إلا أن الهجمات الإيرانية على السفن التي ترى أنها خالفت المسار المحدد للملاحة في مضيق هرمز في يوليو الماضي دفعت الولايات المتحدة إلى شن موجة جديدة من الضربات الجوية وفرض حصار بحري جديد على الموانئ الإيرانية، مما يهدد جهود السلام.

العزلة الاقتصادية على إيران
تواصل الولايات المتحدة تطبيق نظام عقوبات صارم ضد إيران، وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، إن الولايات المتحدة ستطبق إجراءات اقتصادية لم يسبق لها مثيل مع إيران.
وأضاف “بيسنت” في مقابلة مع قناة نيوزماكس المحافظة مساء الخميس، دون الخوض في مزيد من التفاصيل أن الأمر سيكون مزيجًا من عزلة اقتصادية لم يشهدها العالم من قبل، واستمرار الحصار في مضيق هرمز لمنع دخول أو خروج أي شيء من الموانئ الإيرانية.
يتناقض هذا الموقف الأكثر صرامة مع تصريحات “بيسنت” في 4 أغسطس الجاري، عندما قال لشبكة سي إن بي سي إنه يمكن التوصل إلى اتفاق مع طهران لإعادة فتح المضيق في غضون أيام.
جاءت تصريحات “بيسنت” في الوقت الذي أفادت فيه تقارير بأن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث قال في وقت متأخر من مساء الخميس إن الجيش قادر على إبقاء الحصار البحري على إيران إلى أجل غير مسمى، وأوضح هيجسيث للصحفيين أن البحرية ستجري عمليات تناوب للسفن كما فعلوا، ويستمروا في ذلك.

إضعاف الترسانة الأمريكية
استخدم البنتاجون أكثر من 1500 صاروخ باتريوت اعتراضي في الحرب، ولم يتبق لديه سوى أقل من 1700 صاروخ اعتراضي، وأنتجت الولايات المتحدة حوالي 600 صاروخ اعتراضي طوال عام 2025. وتبلغ تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد حوالي 4 ملايين دولار، ويستغرق تصنيعه أكثر من عامين.
كما خسرت الولايات المتحدة نحو ربع أسطولها من طائرات “ريبر” المسيرة خلال الحرب، وتتراوح تكلفة الواحدة منها بين 30 و50 مليون دولار.
وبفضل قدرتها على إغلاق مضيق هرمز فعلياً وإجبار الولايات المتحدة على استهلاك ترسانتها المتطورة باهظة الثمن، يبدو أن إيران أتقنت فنون الحرب غير المتكافئة.

حركة الملاحة عبر المضيق
لا تزال حركة الملاحة عبر مضيق هرمز محدودة للغاية، حيث لا يتجاوز عدد السفن التي تعبره عادةً 130 إلى 140 سفينة في أوقات السلم. ولم تعبر المضيق يوم الجمعة سوى سفينتين فقط، دون رصد أي شحنات نفط خام، وذلك بحسب تحليل أجرته شركة كيبلر لتتبع السفن.
وفي حين قامت بعض السفن بإيقاف تشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها، مخاطرة بالعبور دون رصد، تواصل إيران إطلاق النار على السفن التي تحاول العبور رغم الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية.
وأفاد مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني “UKMTO” يوم السبت، أن سفينة شحن كبيرة أصيبت في هيكلها بمقذوف مجهول في مضيق هرمز يوم الجمعة، كما أعلنت المنظمة التابعة للبحرية البريطانية، والمعنية بحماية السفن التجارية في المناطق عالية الخطورة، أن طاقم السفينة بخير على الرغم من عدم ورود أي تقارير عن الأضرار، وأن الأثر البيئي غير معروف.
كما أعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” عن تعرض سفينتين تابعتين لها لهجوم أثناء عبورهما مضيق هرمز.كما أفادت وكالة أنباء الإمارات “وام” بتعرض سفينة أخرى لهجوم يوم الجمعة الماضي.
ولا يزال الممر البحري لجنوب عُمان يهاجم، وهو ممر مؤقت بديل في المضيق، حيث شهد 16 حادثة من أصل 18 حادثة إطلاق مقذوفات أبلغت عنها منظمة النقل البحري البريطانية منذ 6 يوليو، ولا يزال الحصار البحري الأمريكي ساريًا، مانعًا السفن من الوصول إلى أي ميناء إيراني أو مغادرته، سواء داخل المضيق أو خارجه، ومع ذلك تم الإبلاغ عن دخول سفينة ترفع العلم الإيراني وخروج أخرى من مضيق هرمز خلال الأيام السبعة الماضية.
وكانت أكثر السفن التي تعبر مضيق هرمز شيوعًا هي سفن بنما وليبيريا، حيث بلغ عدد السفن التي دخلت أو خرجت من كل منهما 12 سفينة. ولم يتم الإبلاغ عن أي سفن ترفع العلم الأمريكي.
أسعار النفط العالمية
شهدت أسواق النفط والغاز العالمية هدوءا نسبيا منذ الارتفاع الحاد في الأسعار مع بداية الحرب، إلا أن الأسعار لا تزال أعلى بكثير مما كانت عليه قبل النزاع، وقد ارتفعت مجدداً فجر الجمعة، وارتفعت العقود الآجلة للنفط الخام دولارا واحدا للبرميل يوم الجمعة، بينما كانت العقود الآجلة لخام برنت القياسي في طريقها لتحقيق ارتفاع أسبوعي بنسبة 6%، وفقاً لما ذكرته وكالة رويترز يوم السبت.

الوضع في الداخل الأمريكي
أدت الحرب الأمريكية على إيران وتباعتها إلى ارتفاع التضخم وخيبة أمل الناخبين الأمريكيين، ووفقًا لجمعية السيارات الأمريكية بلغ متوسط سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة حوالي 4.08 دولار يوم الجمعة، بزيادة قدرها 29% عن العام السابق، وقد خاض الرئيس ترامب، حملته الانتخابية لإعادة انتخابه متعهدًا بخفض تكاليف الطاقة، بينما يسعى الديمقراطيون إلى جعل تداعيات الحرب قضية رئيسية في انتخابات الكونغرس المقررة في نوفمبر.
وخلال التجمع في يوم الجمعة بأكاديمية الشرطة حث الرئيس الأمريكي الأمريكيين على تقبل فكرة دفع زيادة طفيفة في سعر البنزين، معتبرًا ذلك ثمنًا زهيدًا لمنع دولة شريرة من امتلاك سلاح نووي.كماقلل ترامب أيضًا من شأن المخاوف بشأن ظروف المعيشة على متن حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” المنتشرة في الشرق الأوسط وسط الحرب مع إيران.
فشلت الحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران حتى الآن في إجبار النظام الإيراني على الاستسلام. وتراهن إدارة الرئيس ترامب مجدداً على أن الضغط الاقتصادي الخانق سيحقق الغاية.
وفي ظل نقص الذخائر اللازمة، وحرصا على تجنب استمرار حرب لا تحظى بشعبية، يعود ترامب وكبار مسؤوليه إلى استراتيجية مألوفة، الاعتماد على زيادة تدريجية في العقوبات الاقتصادية وحصار بحري لكبح صادرات النفط الإيرانية، ورغم أن هذا النهج لم يحقق النتيجة التي كان الرئيس ترامب يطمح إليها قبل عام 2020، إلا أنه وفريقه يزعمون أنه سينجح هذه المرة.
إن تراجع الرئيس ترامب المتكرر بعد تهديداته بتصعيد الحرب ضد إيران بشكل كبير يظهر إدراكه لهذه الحقيقة، لكنه لا يريد الاعتراف بها للرأي العام. لكن هذا لا يعني أن الرأي العام لم يدرك ذلك.



