مقالات

الطاقة بين ارتفاع التكلفة والطمأنة الحكومية.. كيف نشرح للمواطن المعادلة كاملة؟

 

في ملف الطاقة، تصل إلى المواطن رسالتان تبدوان متناقضتين.

من ناحية، نتحدث عن قدرات كبيرة لتوليد الكهرباء، ومشروعات جديدة، واستثمارات في إنتاج النفط والغاز والطاقة المتجددة، ونقدم صورة تؤكد أن الدولة تعمل على تأمين احتياجاتها وتوسيع قدراتها الإنتاجية.

ومن ناحية أخرى، نطلب من المواطن أن يرشّد استهلاكه، ونرفع أسعار الكهرباء والوقود، ونتحدث عن ضرورة خفض الطلب وتحسين كفاءة استخدام الطاقة.

قد تكون الرسالتان صحيحتين في الوقت نفسه، لكن ما ينقصهما هو شرح المعادلة الفنية والاقتصادية التي تربط بينهما.

فالمواطن عندما يسمع أن لدينا قدرات إنتاجية كبيرة، ثم يجد نفسه مطالبًا بخفض الاستهلاك وتحمل أسعار أعلى، من الطبيعي أن يسأل: إذا كانت الطاقة متاحة، فلماذا أحتاج إلى الترشيد؟ وإذا كانت أوضاع القطاع جيدة، فلماذا ترتفع الأسعار؟

هذا السؤال لا ينبغي مواجهته بمزيد من الطمأنة أو بتكرار الدعوة إلى الترشيد، وإنما بالإجابة بوضوح عن سؤالين أساسيين: ما حجم الطاقة المتاحة فعليًا؟ وكم تكلفنا عملية توفيرها؟

القدرة على التوليد لا تعني توافر الوقود

أولى الحقائق التي يجب توضيحها هي أن امتلاك محطات كهرباء بقدرات كبيرة لا يعني بالضرورة توافر الوقود المحلي الكافي لتشغيلها، كما لا يعني أن إنتاج كل كيلووات ساعة أصبح منخفض التكلفة.

هناك فرق بين القدرة المركبة للمحطات، والطاقة التي يمكن إنتاجها فعليًا، والوقود المتاح لتشغيل هذه المحطات، والتكلفة الاقتصادية لهذا الوقود.

قد تكون لدينا محطات قادرة فنيًا على إنتاج كميات كبيرة من الكهرباء، لكن تشغيلها يتطلب غازًا طبيعيًا أو مازوتًا أو وقودًا آخر. وإذا لم يكن الإنتاج المحلي من الوقود كافيًا، يصبح جزء من هذه القدرة مرتبطًا بالاستيراد وأسعار الأسواق العالمية وتوافر العملة الأجنبية.

وهنا تظهر المفارقة الحقيقية: قد تكون القدرة على توليد الكهرباء متاحة، بينما يكون الوقود اللازم لتشغيلها مرتفع التكلفة أو غير متاح محليًا بالكميات الكافية.

المشكلة ليست فقط في القدرة على الإنتاج

لا تزال الفجوة بين إنتاج مصر واستهلاكها من الغاز الطبيعي تمثل تحديًا مهمًا. وقد أوضحت إدارة معلومات الطاقة الأمريكيةأن نمو الطلب، بالتزامن مع تراجع الإنتاج المحلي، دفع مصر إلى زيادة وارداتها من الغاز لتغطية احتياجات السوق المحلية.

كما يقدر صندوق النقد الدوليأن عجز ميزان تجارة النفط والغاز بلغ نحو 13.9 مليار دولار في السنة المالية 2024/2025، ويتوقع أن يسجل نحو 13.4 مليار دولار في 2025/2026.

ومن المهم التأكيد أن هذه الأرقام تمثل صافي ميزان تجارة النفط والغاز، أي الفرق بين الصادرات والواردات، وأن رقم 2025/2026 يظل تقديرًا قابلًا للتغير وفق تطورات الإنتاج والأسعار والأسواق العالمية.

لكن الرقم، رغم ذلك، يغير طريقة النظر إلى قضية الترشيد. فنحن لا نتحدث فقط عن عدد محطات الكهرباء أو حجم الإنتاج المحلي، وإنما عن موارد من النقد الأجنبي تخرج من الاقتصاد لتوفير جزء من احتياجات الطاقة.

وازدادت الصورة وضوحًا خلال عام 2026. فوفقًا لما نشرته رويترز، قفزت فاتورة واردات الغاز في مارس إلى نحو 1.65 مليار دولار، مقابل نحو 560 مليون دولار قبل التصعيد الإقليمي، للكميات نفسها.

كما تشير التقديرات إلى ارتفاع إجمالي واردات مصر من الغاز، بما يشمل الغاز الوارد عبر خطوط الأنابيب وشحنات الغاز المسال، من نحو 985 مليار قدم مكعبة في 2025/2026 إلى نحو 1.081 تريليون قدم مكعبة في 2026/2027. وقد تتراوح تكلفة عقود الإمداد الجديدة بين 8 و11 مليار دولار سنويًا، وفق الأسعار وشروط التعاقد.

هذه ليست أرقامًا تستخدم لتخويف المواطن، وإنما لتوضيح حقيقة بسيطة: الطاقة التي نستهلكها لها تكلفة، وجزء مهم من هذه التكلفة قد يُدفع بالعملة الأجنبية ويتأثر بالأسعار العالمية والتوترات الجيوسياسية.

المواطن لا يرى فاتورة الطاقة التي يتحملها الاقتصاد

المواطن يرى فاتورة الكهرباء وما يدفعه في محطة الوقود، لكنه لا يرى الفاتورة الأكبر التي تتحملها الدولة والاقتصاد لتوفير الطاقة.

في موازنة السنة المالية 2025/2026، خُصص نحو 75 مليار جنيه لدعم المنتجات البترولية، و75 مليار جنيه لدعم الكهرباء، إلى جانب نحو 3.5 مليار جنيه لتوصيل الغاز الطبيعي إلى المنازل.

وفي موازنة 2026/2027، بلغت مخصصات دعم الكهرباء والمنتجات البترولية نحو 120 مليار جنيه، منها 104.16 مليار جنيه لدعم الكهرباء ونحو 15.84 مليار جنيه لدعم المنتجات البترولية.

ورغم انخفاض إجمالي المخصصات من نحو 150 إلى 120 مليار جنيه، فإن هذا الرقم يحتاج أيضًا إلى شرح؛ فالانخفاض جاء نتيجة تقليص مخصصات دعم المنتجات البترولية بصورة كبيرة، في مقابل زيادة مخصصات دعم الكهرباء من 75 إلى أكثر من 104 مليارات جنيه.

وهذا يوضح أن ملف الطاقة لم يعد مجرد قضية فنية تخص وزارتي الكهرباء والبترول، وإنما أصبح مرتبطًا بالموازنة العامة، والنقد الأجنبي، والأسعار العالمية، وأوضاع الشركات والهيئات العاملة في القطاع.

لكن من المهم ألا نقدم الصورة بطريقة مضللة. فدعم الطاقة ليس هو عجز الموازنة كله، وفاتورة الطاقة ليست السبب الوحيد في الضغوط المالية. ومع ذلك، فإن تكلفة الاستيراد، والدعم، ومديونيات قطاع الطاقة، وتقلبات أسعار الوقود تمثل جميعها عناصر مؤثرة في الصورة الاقتصادية الأوسع.

وهذه هي المعادلة التي يجب أن تصل إلى المواطن كاملة.

زيادة الإنتاج ضرورة.. لكنها ليست كافية

زيادة الإنتاج المحلي من النفط والغاز والطاقة المتجددة ضرورة لا غنى عنها؛ لأنها تقلل الاعتماد على الاستيراد، وتدعم أمن الإمدادات، وتخفف الضغط على النقد الأجنبي.

لكن زيادة الإنتاج لا يمكن أن تكون بديلًا عن رفع كفاءة الاستهلاك وتقليل الفاقد.

فإذا استمر الطلب في الارتفاع بمعدلات كبيرة، سنحتاج باستمرار إلى إضافة محطات جديدة، وتوفير وقود إضافي، وتوسيع شبكات النقل والتوزيع، وزيادة الواردات عند عدم كفاية الإنتاج المحلي.

ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس فقط: كم نستطيع أن ننتج؟

بل أيضًا: كم نستهلك من الطاقة لإنتاج الوحدة نفسها من السلع والخدمات؟ وكم نفقد من الطاقة قبل أن تصل إلى المستهلك؟ وكم يمكننا أن نوفر من دون التأثير في مستوى المعيشة أو النشاط الاقتصادي؟

وهنا ينتقل النقاش من مجرد «خفض الاستهلاك» إلى مفهوم أكثر أهمية هو كفاءة استخدام الطاقة.

الكفاءة لا تعني الحرمان

المطلوب ليس أن يعيش المواطن في مستوى أقل، أو أن يتوقف المصنع عن الإنتاج، وإنما أن يحصل المجتمع على الخدمة والإنتاج نفسيهما باستخدام طاقة أقل.

جهاز تكييف أكثر كفاءة، ومبنى أفضل عزلًا، ومصنع يستخدم تكنولوجيا أقل استهلاكًا، وسيارة أكثر كفاءة، وشبكة كهرباء أقل فاقدًا، ومؤسسة حكومية تراقب استهلاكها؛ كلها وسائل لتقليل الطلب من دون تحويل الترشيد إلى مرادف للحرمان.

كما أن إدارة الطلب لا تعني دائمًا إلغاء الاستهلاك، بل قد تعني نقل بعض الاستخدامات بعيدًا عن ساعات الذروة، وتشجيع المصانع والمنشآت التجارية على تنظيم أحمالها، واستخدام العدادات الذكية والتعريفات التي تعكس توقيت الاستهلاك.

بهذا المعنى، يصبح الترشيد أداة لتحسين كفاءة الاقتصاد، وليس مجرد استجابة مؤقتة لنقص الإمدادات.

الترشيد يجب أن يكون سياسة دائمة لا حملة موسمية

إذا لم نشرح للمواطن هذه المعادلة، فسيظل الترشيد في نظره مرتبطًا بالأزمات.

عندما ترتفع درجات الحرارة، نطلب منه أن يخفض استهلاكه. وعندما ترتفع أسعار الغاز، ندعوه إلى مزيد من الكفاءة. وعندما تتحسن الظروف، تختفي الرسالة ويعود كل شيء إلى ما كان عليه.

وهذا لا يصنع تغييرًا دائمًا.

الترشيد الحقيقي لا يقوم فقط على مطالبة المواطن بإطفاء الأجهزة، وإنما على منظومة متكاملة تشمل معايير كفاءة الأجهزة، وأكواد البناء والعزل الحراري، وتحديث المصانع، وتحسين وسائل النقل العام، وتقليل الفاقد، واستخدام التكنولوجيا في إدارة الأحمال، وربط السياسات الحكومية بمؤشرات واضحة لكفاءة الطاقة.

الفكرة ليست: «استهلك أقل مهما كانت النتيجة».

الفكرة هي: «احصل على الخدمة والإنتاج نفسيهما باستخدام طاقة أقل، وتجنب الاستهلاك الذي لا يحقق قيمة حقيقية».

الدولة مطالبة بتقديم النموذج

لا يمكن أن تنجح رسالة الترشيد إذا شعر المواطن بأنها موجهة إليه وحده.

إذا طلبنا منه أن يرشد استهلاك الكهرباء، فعليه أن يرى ترشيدًا حقيقيًا في المباني والجهات الحكومية وإنارة الطرق والمنشآت العامة.

وإذا طلبنا منه استخدام أجهزة أكثر كفاءة، فعليه أن يرى معايير واضحة وصارمة للأجهزة المتداولة في الأسواق، ورقابة تمنع دخول المنتجات مرتفعة الاستهلاك.

وإذا طلبنا منه تقليل الهدر، فعليه أن يرى جهودًا قابلة للقياس لتقليل الفاقد في منظومة الكهرباء.

وتستهدف الخطة الحكومية للسنة المالية 2025/2026 خفض نسبة الفاقد في منظومة الكهرباء إلى نحو 16.5%، مقابل نحو 19.6% في 2023/2024، بالتوازي مع زيادة الكهرباء المولدة والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، وفق وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي.

لكن إعلان المستهدف وحده لا يكفي؛ فالمصداقية تتطلب نشر ما تحقق فعليًا، وتوضيح حجم الفاقد الفني والتجاري، وأسباب الانحراف عن المستهدفات إن حدث.

عندها تصبح الرسالة أكثر عدالة: الدولة ترفع كفاءة المنظومة وتخفض فاقدها، والمؤسسات تراجع استهلاكها، والمواطن يشارك برفع كفاءة استخدامه للطاقة.

التسعير وحده لا يصنع الكفاءة

رفع الأسعار قد يدفع بعض المستهلكين إلى مراجعة استهلاكهم، لكنه لا يمثل بمفرده سياسة متكاملة لكفاءة الطاقة.

فالأجهزة الأكثر كفاءة غالبًا ما تكون أعلى سعرًا، وتحسين عزل المنازل أو استبدال المعدات القديمة يحتاج إلى استثمار أولي قد لا تستطيع الأسر الأقل دخلًا تحمله.

لذلك يجب أن تتزامن سياسات الترشيد مع برامج لتمويل شراء الأجهزة الموفرة، وتقديم حوافز لتحسين كفاءة المنازل والمصانع، والتوسع في وسائل النقل العام، والحفاظ على حماية موجهة للشرائح الأكثر احتياجًا.

فالهدف ليس نقل تكلفة عدم كفاءة المنظومة إلى المواطن، وإنما توزيع مسؤولية رفع الكفاءة بصورة عادلة بين الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات والأفراد.

نحتاج إلى رسالة واحدة وأرقام مفهومة

المطلوب ليس التوقف عن الحديث عن المشروعات الجديدة أو زيادة الإنتاج، ولا تقديم صورة قاتمة عن قطاع الطاقة.

من حق المواطن أن يعرف ما تحقق في الإنتاج والاستثمار وتوسيع القدرات. لكن من حقه أيضًا أن يعرف تكلفة توفير الطاقة، وحجم الاعتماد على الاستيراد، والضغط على النقد الأجنبي، وما تتحمله الموازنة، وما تفقده المنظومة، وما يمكن توفيره من خلال رفع الكفاءة.

ويمكن دعم هذه الرسالة من خلال إصدار بيان دوري مبسط يوضح للمواطن مجموعة محددة من المؤشرات: حجم الطلب، والقدرات المتاحة فعليًا، والإنتاج المحلي من الوقود، وحجم وتكلفة الاستيراد، ونسبة الفاقد، والتقدم في مشروعات الطاقة المتجددة.

عندها يمكن تقديم الرسالة بصورة واضحة:

نحن نوسع قدراتنا الإنتاجية، لكن امتلاك القدرة لا يعني أن الوقود متاح بلا حدود أو أن الطاقة بلا تكلفة. ونؤمن احتياجاتنا، لكن جزءًا منها يرتبط بواردات وأسعار عالمية ونقد أجنبي. ولذلك نحتاج إلى زيادة الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الطاقة، ورفع كفاءة المنظومة، وتقليل الفاقد، وتحسين استهلاكنا في الوقت نفسه.

هذه الرسالة أكثر صدقًا وإقناعًا من الاكتفاء بالقول إن كل شيء على ما يرام، ثم مطالبة المواطن بأن يتصرف كما لو كانت هناك أزمة.

فإذا عرف المواطن أن الطاقة لها تكلفة، وأن الاستيراد يضغط على موارد النقد الأجنبي، وأن الموازنة تتحمل جزءًا من التكلفة، وأن الهدر يعني موارد إضافية كان يمكن توجيهها إلى التعليم أو الصحة أو الاستثمار، فسيفهم أن الترشيد ليس تضحية مؤقتة تقدم وقت الأزمات، وإنما سلوك اقتصادي وسياسة عامة تحمي موارد البلد في كل الأوقات.

وفي النهاية، لا تقاس قوة الدولة فقط بقدرتها على إنتاج طاقة أكثر، وإنما بقدرتها على تأمين احتياجاتها بأقل تكلفة ومخاطر ممكنة، واستهلاك ما تنتجه بكفاءة، وتقليل ما تفقده، والحد من اعتمادها على الاستيراد.

وهنا يصبح الترشيد ليس دليلًا على أننا لسنا بخير، وإنما دليلًا على أننا نريد إدارة ما لدينا بصورة أفضل.

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى