عذرًا.. السيستم واقع
أحيانًا تكون أبسط مصلحة حكومية كفيلة بأن تكشف لك حجم المعاناة التي يعيشها الناس كل يوم، تذهب لإنهاء ورقة بسيطة، وتتوقع ألا تستغرق أكثر من دقائق، فتجد نفسك بعد ساعات ما زلت واقفًا في طابور، تنتظر دورك وتراقب الوقت وهو يضيع أمامك، وهذا بالضبط ما حدث معي عندما ذهبت إلى مكتب التأمينات في الدقي لاستخراج برنت تأمينات، في مصلحة كان من المفترض أن تنتهي سريعًا، لكنها تحولت إلى ست ساعات كاملة من الانتظار.
الزحام كان شديدًا بصورة لا يمكن وصفها، أعداد كبيرة من المواطنين داخل مكان ضيق، لا يبدو مؤهلاً لاستيعاب هذا العدد من الناس، وسط حرارة الجو المرتفعة، وانتظار طويل لا يعرف أحد متى سينتهي، والأصعب من الزحام نفسه كان وجود كبار السن بين المنتظرين، أشخاص في أعمار متقدمة، بعضهم بالكاد يستطيع الوقوف لفترات طويلة، وجدوا أنفسهم مضطرين للوقوف والانتظار في الحر، لأن المكان لا يوفر المساحة الكافية ولا المقاعد التي تستوعب هذا العدد.
وبينما يقف كل منا في انتظار دوره، بدأت المشكلة الأكبر، السيستم وقع!!، أكثر من ساعة كاملة توقفت فيها الإجراءات، لا استخراج أوراق، ولا إنهاء مصالح، ولا إجابة واضحة عن موعد عودة الخدمة، ساعة واحدة فقط قد تبدو رقمًا بسيطًا عندما نذكرها فقط، لكنها في مكتب حكومي مزدحم تعني شيئًا آخر تمامًا.
وما “زاد الطين بلة” أن تعطل السيستم لم يكن كافيًا، فجاءت الطابعة لتضيف حلقة جديدة إلى مسلسل الانتظار، الطابعة كانت معطلة هي الأخرى، ما اضطر الموظفين للبحث عن طابعة بديلة، واستغرق الأمر وقتًا إضافيًا حتى تبدأ الأوراق في الخروج واحدة تلو الأخرى، دقائق إضافية قد تبدو بسيطة لمن يقف بعيدًا عن المشهد، لكنها بالنسبة لمن يقف منذ ساعات في الزحام والحر، تصبح عبئًا جديدًا فوق عبء الانتظار.
تخيل معي إذا كان هناك 200 شخص فقط ينتظرون إنهاء مصالحهم، وتعطل النظام ساعة واحدة، فنحن لا نتحدث عن ساعة ضائعة وحسب، وإنما عن 200 ساعة من وقت المواطنين المهدر، إذا افترضنا أن كل شخص كان سينهي معاملته خلال تلك الفترة.
والحكاية لا تتوقف عند المواطنين الموجودين داخل المكتب، هناك موظف لديه عمل ينتظره، وأم لديها بيت وأطفال، وشخص ربما كان لديه موعد في مستشفى، وآخر أخذ إجازة من عمله لإنهاء الورقة، وشاب ربما كان يحتاج البرنت لاستكمال إجراءات وظيفة جديدة، كل واحد من هؤلاء لديه يوم وحياة والتزامات، وليس مجرد أرقام مكتوبة في كشف الطابور.
والأغرب من ذلك أنني وسط كل هذا الانتظار، رأيت مشاهد تجعلني أتساءل عن معنى الخدمة الحكومية من الأساس، موظفون يذهبون لتناول الطعام، وآخرون يعدون الشاي، وأحاديث جانبية وكأن الوقت متوقف عند الجميع، بينما يقف المواطن أمامهم بالساعات، وقد تكون مصالحه متعطلة من أجل ورقة!.
وأخيرًا خرجت من المكان في الثالثة عصرًا، ست ساعات كاملة من التاسعة صباحًا حتى الثالثة عصرًا، كان يمكن أن أعمل فيها، أو أنجز مصالح أخرى، أو أقضيها مع أسرتي، أو ببساطة أعيش يومًا طبيعيًا، ولا أتساءل هنا عن سبب تأخر البرنت، ولكن السؤال الأهم بالنسبة لي هو لماذا لا زال المواطن يدفع من وقته وأعصابه وصحته ثمن أخطاء المنظومة؟، فالتحول الرقمي من المفترض أن يجعل الخدمات أسهل وأسرع، لا أن يجعلنا أكثر ارتباطًا بسيستم إذا وقع توقفت معه حياة مئات المواطنين، والمشكلة ليست في ورقة اسمها “برنت تأمينات”، وإنما في ثقافة كاملة تجعل وقت المواطن شيئًا بلا قيمة.
فربما المطلوب ليس فقط إصلاح السيستم عندما يقع، وإنما إصلاح المنظومة كلها، بداية من المكان، وأعداد الموظفين، وتنظيم الطوابير، وتوفير أماكن آدمية لكبار السن، إلى وجود بدائل حقيقية عند تعطل النظام، لأن المواطن لا يطلب رفاهية، ولا يريد معاملة استثنائية، هو فقط يريد أن ينجز مصلحته دون أن يدفع من صحته ووقته وأعصابه ثمنا لعطل لا ذنب له فيه.






