فن ومنوعات

من بدروم الزمالك إلى ذاكرة جيل.. حكاية «فور إم» مع عزت أبو عوف

في ذكرى ميلاد عزت أبو عوف.. رحلة فنية تاريخية بدأت بالموسيقى

لم يكن الطريق إلى النجومية بالنسبة للفنان عزت أبو عوف مفروشًا بكاميرات السينما أو خشبة المسرح، بل بدأ من مكان أكثر هدوءًا: البيانو، طبيب تخرج في كلية الطب ومارس المهنة لسنوات، لكنه اختار في النهاية أن ينحاز إلى الموسيقى، لتصبح الآلات الموسيقية بوابته الأولى إلى عالم الفن.

وفي ذكرى ميلاده، التي توافق 21 أغسطس، تعود الحكاية إلى سنوات كان فيها عزت أبو عوف لا يزال يبحث عن صوته الخاص، قبل أن يقرر تأسيس فرقة «فور إم» مع شقيقاته الأربع، في تجربة بدأت من بدروم منزل الأسرة في الزمالك، ثم خرجت إلى الجمهور، لتتحول خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أشهر التجارب الغنائية التي عرفتها مصر في تلك الفترة.

قبل «فور إم».. عزت أبو عوف يبحث عن مكانه في الموسيقى

لم تكن «فور إم» البداية الأولى لعزت أبو عوف مع الموسيقى، ففي أواخر الستينيات انضم إلى فرقة «Les Petits Chats»، التي جمعته بعدد من الأسماء الموسيقية البارزة، قبل أن يخوض تجربة أخرى مع «Black Coats».

كانت تلك السنوات بمثابة التكوين الحقيقي للموسيقي الذي سيظهر لاحقًا خلف البيانو وفي قيادة فرقته الخاصة، ومع انتهاء تلك التجارب، بدأ أبو عوف التفكير في مشروع يحمل بصمته ويمنحه مساحة أكبر لتقديم موسيقاه بالطريقة التي يؤمن بها.

الفكرة التي ولدت داخل البيت

جاءت «فور إم» في أواخر السبعينيات، عندما جمع عزت أبو عوف شقيقاته مها ومنى ومنال وميرفت في تجربة غنائية مختلفة.

البداية لم تكن تحمل بالضرورة ملامح مشروع طويل الأمد؛ كانت أقرب إلى تجربة موسيقية عائلية وتدريبات تُقام داخل منزل الأسرة في الزمالك، لكن ما حدث بعد ذلك تجاوز التوقعات، إذ حققت الفرقة نجاحًا دفعها إلى الاستمرار لسنوات طويلة.

ومن هنا جاءت خصوصية «فور إم»: أربعة أشقاء على خشبة واحدة، يقودهم عزت أبو عوف موسيقيًا، لتتشكل فرقة لها شكلها وحضورها المختلفان عن السائد في تلك الفترة.

لماذا جذبت «فور إم» الجمهور؟

لم يكن السر في كونها فرقة عائلية فقط، وإنما في الطريقة التي تعامل بها عزت أبو عوف مع الأغنية.

في بدايتها، اتجهت الفرقة إلى إعادة تقديم عدد من الأعمال التراثية والمعروفة بتوزيعات موسيقية جديدة، من بينها «الليلة الكبيرة» و«قولي ولا تخبيش» و«التوبة».

كان أبو عوف يحاول أن يضع القديم في قالب يصل إلى أذن جيل جديد، وأن يمنح الأغنية المعروفة حياة موسيقية مختلفة، وهو ما منح «فور إم» شخصية خاصة، وجعلها قادرة على الجمع بين التراث وروح الموسيقى الحديثة في ذلك الوقت.

«مغنواتي».. اللحظة التي بدأت فيها «فور إم» صناعة صوتها الخاص

إذا كانت إعادة تقديم التراث قد صنعت للفرقة جمهورها، فإن مرحلة الأغنيات الخاصة كانت الخطوة التي رسخت هويتها.

جاءت «مغنواتي» ضمن أبرز الأعمال التي ارتبطت بالفرقة، إلى جانب «جنون الديسكو»، و«ليالي زمان»، و«دبدوبة التخينة»، و«لا عاجبك كده ولا كده»، و«خلي الستارة»، و«متغربين».

وتذكر مصادر صحفية، أن الفرقة قدمت ثمانية ألبومات، بينما تشير مصادر أخرى إلى تسعة، لذلك يظل اختلاف عدد الألبومات مرتبطًا بطريقة احتساب الإصدارات.

لكن الأرقام وحدها لا تختصر التجربة؛ فالأهم أن «فور إم» تحولت من فرقة تعيد تقديم أغنيات يعرفها الجمهور إلى فرقة تمتلك قاموسها الغنائي الخاص.

من «فور إم» خرج محمد فؤاد

من أكثر الحكايات ارتباطًا بتاريخ الفرقة قصة محمد فؤاد، بعد إحدى حفلات «فور إم» في نادي الشمس عام 1982، التقى فؤاد بعزت أبو عوف، وانضم إلى الفرقة لفترة، وشارك معها في تقديم «سلطان زماني» و«متغربين»، وكانت تلك التجربة واحدة من المحطات المبكرة التي سبقت انطلاق فؤاد في مشواره الغنائي الخاص.

وهكذا لم تكن «فور إم» مساحة للغناء فقط، وإنما أصبحت أيضًا نقطة التقاء بين مواهب وأسماء ترك بعضها بصمته لاحقًا في المشهد الفني المصري.

«عشرة على باب الوزير».. حين خرجت الفرقة من الأغنية إلى المسرح

لم يكتفِ عزت أبو عوف بالوقوف مع شقيقاته في الحفلات، بل نقل تجربة «فور إم» إلى المسرح من خلال «عشرة على باب الوزير» عام 1984.

وكان العمل محطة مهمة في مسيرته، إذ جمع بين الموسيقى والأداء المسرحي، وشارك فيه عزت أبو عوف وشقيقاته إلى جانب عدد من نجوم المسرح، بينما وضع أبو عوف ألحان العمل.

وهنا بدا واضحًا أن الموسيقى بالنسبة لأبو عوف لم تكن مجالًا منفصلًا عن باقي الفنون، وإنما كانت الأساس الذي فتح أمامه أبوابًا أخرى.

من القاهرة إلى الوطن العربي

مع النجاح المتزايد، اتسعت شهرة «فور إم» خارج القاهرة، ووصل حضورها إلى جمهور عربي من خلال الحفلات والجولات الفنية.

وكانت طبيعة الفرقة تساعدها على الانتشار؛ فالأغنية سهلة الوصول، والموسيقى تحمل روحًا مختلفة، والحضور على المسرح يقوم على المجموعة وليس على نجم واحد.

«فور إم» لم تكن مشروع عزت أبو عوف وحده، رغم أنه كان العقل الموسيقي والقائد الأساسي لها، وإنما كانت حالة جماعية لها ملامحها الخاصة.

12 عامًا.. ثم انطفأت الأضواء

استمرت «فور إم» نحو 12 عامًا، قبل أن تتغير حياة شقيقات عزت أبو عوف وتتجه كل واحدة منهن إلى حياتها الأسرية، لينتهي المشروع الذي بدأ كتجربة عائلية بسيطة، لكن توقف الفرقة لم يمحُ أثرها، فالأغنيات بقيت، وبعضها انتقل من جيل إلى آخر، بينما ظل اسم «فور إم» مرتبطًا بمرحلة شهدت تغيرًا في شكل الأغنية والفرقة الموسيقية في مصر.

عزت أبو عوف
عزت أبو عوف

بعد «فور إم».. وجه آخر لعزت أبو عوف

حين انتهت تجربة الفرقة، لم تنتهِ علاقة عزت أبو عوف بالفن، وإنما بدأت مرحلة جديدة أكثر اتساعًا، انتقل إلى التمثيل، وترك خلفه صورة الموسيقي الذي يقف خلف البيانو ليظهر أمام الكاميرا، قبل أن يصبح واحدًا من الوجوه المميزة في السينما والتليفزيون والمسرح.

لكن المفارقة أن الجمهور الذي عرفه لاحقًا ممثلًا ربما لم يكن يعرف أن وراء ذلك الوجه الهادئ حكاية موسيقية كاملة؛ حكاية بدأت من الطب، ومرت بالفرق الموسيقية، ثم وصلت إلى «فور إم».

في النهاية، لم تكن «فور إم» مجرد فرقة غنائية توقفت بعد سنوات من النجاح، وإنما كانت فصلًا أساسيًا في تكوين عزت أبو عوف نفسه.

طبيب ترك المهنة، وموسيقي اختار أن يصنع فرقته، وفنان انتقل بعدها إلى المسرح والسينما والتليفزيون، ليترك في كل محطة جزءًا من شخصيته.

وربما لهذا السبب تحديدًا تستحق «فور إم» أن تُستعاد اليوم؛ ليس باعتبارها حكاية من الماضي فقط، وإنما باعتبارها تجربة حاولت أن تفعل شيئًا مختلفًا في وقتها، وأن تثبت أن الأغنية يمكن أن تعيد اكتشاف تراثها من جديد.

زر الذهاب إلى الأعلى