محمد دياب.. رحلة فنية من “قلبي ومفتاحه” و”هي كيميا” إلى “بنج كلي”

يواصل الفنان محمد دياب ترسيخ حضوره على الساحة الفنية، من خلال اختيارات متنوعة لشخصياته، استطاع عبرها أن يؤكد قدرته على تقديم أدوار مختلفة بعيدًا عن التكرار أو الاعتماد على نمط واحد في الأداء، ليصبح حضوره في الأعمال التي يشارك بها لافتًا للجمهور والنقاد على حد سواء.
وخلال الفترة الأخيرة، قدم محمد دياب مجموعة من الشخصيات المتباينة، تنوعت بين الدراما الاجتماعية والأعمال التي تحمل أجواء من التشويق والإثارة، وهو ما كشف عن مساحة واسعة من أدواته التمثيلية، وقدرته على التعامل مع كل شخصية باعتبارها تجربة مستقلة لها تفاصيلها وملامحها.
كيف تحوّل دياب من مطرب عرفه الجمهور بالأغنية الشعبية إلى واحد من الوجوه اللافتة في الدراما؟
لم تكن رحلة دياب أمام الكاميرا هي البداية الأولى في مشواره الفني، فالجمهور عرفه قبل سنوات كمطرب يقدم الأغنية الشعبية، قبل أن تفتح له الدراما بابًا جديدًا لم يكن يتعامل معه في البداية باعتباره مشروعًا أساسيًا في مسيرته.
لكن مع الوقت تغيرت المعادلة فالمطرب الذي دخل عالم التمثيل مترددًا أصبح ممثلًا له جمهوره، وشخصياته أصبحت في أحيان كثيرة أكثر حضورًا في ذاكرة المشاهد من أغنياته.
دياب، واسمه الحقيقي محمد مبروك أبو الحديد علي، من أبناء حي إمبابة، وبدأ مشواره الفني من بوابة الغناء الشعبي، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى التمثيل، لم يكن يضع التمثيل ضمن أولوياته في بداية مشواره الغنائي، بل كان يتعامل مع العروض التمثيلية بحذر، إلى أن جاءت التجارب التي أثبتت له وللجمهور أن لديه مساحة أخرى من الموهبة.
من الغناء الشعبي إلى الشاشة
كان دياب قد بنى اسمه في البداية كمطرب، وارتبط اسمه بالأغنية الشعبية، قبل أن يخوض تجربة التمثيل التي بدأت فعليًا في منتصف العقد الماضي.
بدايته في التمثيل جاءت من خلال مسلسل “ساحرة الجنوب” مؤكدًا أنه دخل التجربة وهو غير واثق تمامًا من قدرته على التمثيل، قبل أن يكتشف مع الوقت أن الأمر يمكن أن يتحول إلى مسار فني حقيقي بالنسبة له.
لكن البداية وحدها لم تكن كافية لصناعة اسم تمثيلي، وهو ما جعل تجربته في “كلبش” واحدة من أهم محطات التحول في مشواره.
“زناتي”.. الشخصية التي غيرت المعادلة
جاءت شخصية زناتي في مسلسل “كلبش” لتضع دياب أمام اختبار حقيقي، بعدما قدم شخصية أمين الشرطة بطريقة لفتت انتباه الجمهور، وأثبت من خلالها أنه قادر على تجاوز الصورة التقليدية للمطرب الذي يخوض تجربة التمثيل.
وكان دياب قد تحدث عن الدور باعتباره تحديًا كبيرًا بالنسبة إليه، خاصة أنه كان من الأدوار التي ساعدته على اكتشاف نفسه كممثل، بينما أصبحت الشخصية من العلامات المبكرة في مسيرته الدرامية.
ومن هنا بدأ اسم دياب يُقرأ بطريقة مختلفة؛ لم يعد السؤال فقط عن المطرب الذي يمثل، وإنما عن الممثل دياب وما يستطيع أن يقدمه في الشخصيات التالية.
“أدوار الشر”.. المنطقة التي لم يخشَ دياب دخولها
واحدة من أبرز سمات تجربة دياب التمثيلية هي اقترابه المتكرر من الشخصيات الرمادية أو القاسية، لكنه لم يقدمها بالطريقة نفسها في كل مرة.
ففي “قلبي ومفتاحه” على سبيل المثال، جاءت شخصية أسعد عبد ربه مختلفة عن الشرير التقليدي رجل يحمل تناقضات واضحة بين التدين والحب والعصبية والسيطرة، ويتحرك في منطقة رمادية لا يمكن اختصارها في كونه “طيبًا” أو “شريرًا”.
وهو ما كان دياب نفسه حريصًا على تأكيده، إذ تحدث عن أسعد باعتباره شخصية واقعية ومليئة بالتناقضات كما كشف أن التحضير لها كان قائمًا على دراسة تفاصيلها النفسية والاجتماعية بالتعاون مع المخرج تامر محسن.
واللافت أن دياب لم يكتفِ بتقديم الشخصية من الخارج بل عمل على بناء عالمها الداخلي، وهو ما انعكس على ردود فعل الجمهور تجاهها حتى أصبح «أسعد» واحدًا من أكثر أدوار العمل إثارة للنقاش.
“أسعد”.. حين يتحول الدور إلى حالة
لم يكن نجاح “أسعد” قائمًا فقط على طبيعة الشخصية، وإنما على الطريقة التي قدم بها دياب تناقضاتها.
فالشخصية، وفق ما شرحه الفنان، لم تكن شريرة بشكل مطلق، بل تحمل صفات إنسانية إلى جانب جوانب سلبية حادة، وهو ما جعلها أقرب إلى الشخصيات الواقعية منها إلى النماذج الدرامية المباشرة.
كانت من أصعب تجاربه لدرجة أنه تحدث عن صعوبة الخروج منها بعد انتهاء التصوير، وهو ما يعكس حجم التعلق النفسي الذي فرضته الشخصية عليه أثناء التحضير لها.
وهنا ظهرت إحدى أهم نقاط قوته كممثل: قدرته على جعل الشخصية قابلة للفهم حتى عندما تكون أفعالها مرفوضة.
“حجاج”.. الشرير الذي لا يشبه نفسه
بعد “أسعد”، لم يتوقف دياب عند منطقة واحدة، فجاءت شخصية حجاج القط في مسلسل “هي كيميا ” لتقدم اختبارًا جديدًا.
حجاج هو الشقيق الأكبر لسلطان، ويظهر داخل عالم تجارة الممنوعات، لكن الشخصية ليست شريرًا تقليديًا فخلف القسوة توجد مشاعر إنسانية وعلاقة معقدة بشقيقه، وهو ما منح الشخصية مساحة تتجاوز فكرة «”تاجر المخدرات” إلى شخصية لها دوافعها وتناقضاتها.
وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين تكرار “نوع الشخصية” وتكرار “الأداء” دياب يمكن أن يدخل منطقة الشر أكثر من مرة، لكنه يحاول في كل مرة البحث عن مدخل مختلف إليها.
“عزازي”.. خطوة أخرى بعيدًا عن القالب
وفي “بنج كلي”، ينتقل دياب إلى شخصية عزازي، دكتور الجراحة، في تجربة تضعه في منطقة مختلفة عن الشخصيات التي ارتبط بها خلال السنوات الماضية.
فالانتقال من شخصيات الشارع والشخصيات الرمادية إلى شخصية تنتمي إلى مهنة لها طبيعتها وسلوكها وإيقاعها الخاص، يمثل اختبارًا جديدًا لقدرة الممثل على تغيير أدواته وعدم الاكتفاء بالمنطقة التي نجح فيها.
وهذه النقطة تحديدًا تبدو مهمة في قراءة مسيرة دياب؛ فالتحدي لم يعد إثبات أنه يستطيع لعب الشر، وإنما إثبات أنه يستطيع الخروج من الشر أصلًا.
من “زناتي” إلى “أسعد”.. ماذا تغير؟
عند النظر إلى رحلة دياب من “ساحرة الجنوب” و”كلبش” وصولًا إلى “قلبي ومفتاحه” و”هي كيميا” و”بنج كلي” يمكن ملاحظة انتقال واضح من مرحلة إثبات الوجود إلى مرحلة البحث عن الشخصية.
في البدايات، كان التحدي أن يقنع الجمهور بأنه ممثل قادر على الوقوف أمام الكاميرا. أما الآن، فأصبح التحدي مختلفًا كيف يقدم شخصية جديدة دون أن يكرر نفسه؟.
وهذا ما يجعل مسيرته أكثر إثارة للاهتمام؛ لأن دياب لم يأتِ إلى التمثيل من مدرسة أكاديمية تقليدية، وإنما حمل معه مخزونًا كبيرًا من الشخصيات التي شاهدها في الشارع والحياة والعمل والغناء، وهو ما أشار إليه بنفسه أثناء حديثه عن تحضير شخصية «أسعد»
السر في “النظرة”.. لماذا يظل دياب حاضرًا؟
ربما لا يحتاج دياب دائمًا إلى مساحة ضخمة حتى يلفت الانتباه.
جزء من قوته أمام الكاميرا يأتي من اعتماده على التفاصيل؛ نظرة العين الصمت، رد الفعل، وطريقة التعامل مع الشخصية المقابلة. وهي أدوات تصبح أكثر أهمية عندما يكون الدور مكتوبًا على مساحة رمادية ولا يقدم نفسه للمشاهد بشكل مباشر.
ولهذا يمكن أن تكون جملة قصيرة من دياب، أو حتى لحظة صمت، أكثر تأثيرًا من حوار طويل؛ لأنه لا يتعامل مع الشخصية باعتبارها كلمات محفوظة فقط، وإنما باعتبارها حالة يجب أن تظهر في الوجه والجسد وطريقة الحركة.
دياب.. من “المطرب الذي يمثل” إلى “الممثل الذي يختار”
أهم ما حدث في رحلة دياب ربما لا يتعلق بعدد الأعمال التي شارك فيها، وإنما بتغير النظرة إليه.
في البداية كان السؤال: هل يستطيع المطرب أن يمثل؟.
ثم أصبح: هل يستطيع دياب أن يثبت نفسه كممثل؟.
أما اليوم، وبعد مجموعة من الشخصيات المختلفة، فأصبح السؤال الأكثر أهمية: إلى أين يستطيع دياب أن يذهب بهذه الموهبة؟.
فمن “زناتي” إلى “أسعد”، ومن “حجاج” إلى “عزازي” لا تبدو الرحلة مجرد انتقال من عمل إلى آخر، وإنما محاولة مستمرة لإعادة تعريف نفسه كممثل.
وإذا كانت بعض الشخصيات قد أثبتت أنه يجيد لعب الأدوار القاسية والرمادية فإن المرحلة المقبلة ستكون الاختبار الحقيقي لقدرته على الذهاب إلى مناطق أبعد وتقديم شخصيات لا تشبه ما عرفه الجمهور عنه.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة تجربة دياب أنه لم يعد يحتاج إلى دور واحد كي يثبت أنه ممثل، وإنما أصبح كل دور جديد اختبارًا جديدًا لما يمكن أن يفعله.






