في ذكرى رحيله.. عبد العزيز محمود من البمبوطية إلى شهرة “مرحب شهر الصوم”
من موانئ بورسعيد إلى ميكروفون الإذاعة.. رحلة استثنائية لصاحب "يا نجف بنور"

لم تكن مسيرة الفنان الراحل عبد العزيز محمود، الذي غيب الموت جسده في مثل هذا اليوم 26 أغسطس عام 1991، مجرد قصة صعود فني تقليدية، بل كانت أشبه برواية درامية مليئة بالأحداث، بدأت من أزقة الصعيد، ومرت بموانئ بورسعيد، وتوجت بتربع صوته داخل كل بيت عربي، ليصبح الأيقونة الرسمية لإعلان البهجة الشعبية.
محطات استثنائية وغير تقليدية
ولد عبد العزيز محمود الخناجري، عام 1914 في محافظة سوهاج، لكن الظروف دفعته إلى النزوح مع والدته إلى بورسعيد، وهناك عمل في شحن وتفريغ السفن بشركة “شل” للبترول.
كان عبد العزيز دائم الغناء لزملائه، وفي أحد الأيام ضبطه مديره الأجنبي يغني، فمنعه من ذلك.
هرب عبد العزيز مع أصدقائه في “لانش” بحري حتى يتمكن من الغناء بحرية، لكن المدير فاجأهم مجددًا، فما كان من عبد العزيز إلا أن قفز في الماء هربًا منه.
إلا أن مروحة اللانش أصابت قدمه إصابة بالغة، رافقته طوال حياته، وتسببت في فصله من العمل.
وكانت هذه الإصابة هي التي دفعت عبد العزيز محمود إلى احتراف الفن كمهنة بديلة، بعدما أغلقت أمامه أبواب العمل.
من “البمبوطية” إلى ميكروفون الإذاعة
بعد الحادث، عمل عبد العزيز محمود “بمبوطيًا” في البحر، أي تاجرًا على القوارب، وكان يغني للسياح والبحارة الأجانب بلغات مختلفة، وهو ما مكنه من كسر الحواجز والتواصل مع جمهور متنوع.
ولعبت الصدفة دورًا مهمًا في تغيير مسيرته، عندما استمع إليه الموسيقار مدحت عاصم، مدير الموسيقى بالإذاعة المصرية آنذاك، في أحد الأفراح ببورسعيد.
فأُعجب بنقاء حنجرته، ودعاه إلى القاهرة، ليتم اعتماده رسميًا في الإذاعة عام 1937، وتبدأ بعدها رحلة الشهرة الجارفة.
“الفرانكو آراب”.. لون غنائي سابق لعصره
واجه عبد العزيز محمود محاولات للتهميش وتغيير الذوق العام، لكنه لم يستسلم، بل ابتكر خطًا غنائيًا سابقًا لعصره، جمع بين الموسيقى الشرقية والأنغام الغربية، فيما عُرف لاحقًا بلون “الفرانكو آراب”.
وقدم عددًا من الأغنيات الشهيرة، من بينها “لوليتا” و”حسن يا حسن”، التي حققت نجاحًا ساحقًا وتخطت الحدود المصرية والعربية، لدرجة أن هيئة الإذاعة البريطانية “BBC”، وجهت له دعوة رسمية للسفر إلى لندن لتسجيل هذه الأغنيات هناك، برفقة كورال بريطاني كامل، وذلك بعد تصدره استفتاءات الاستماع.
“مرحب شهر الصوم”.. الأغنية التي أصبحت علامة على رمضان
قدم عبد العزيز محمود بعد ذلك مئات الأغنيات العاطفية والمبهجة، مثل “يا نجف بنور” و”منديل الحلو”، إلا أن رصيده الأهم والأبقى في وجدان المصريين والعرب ظل مرتبطًا بالأغنية الرمضانية الأشهر “مرحب شهر الصوم”.
والمفارقة أن الأغنية جرى تصويرها وتلحينها في وقت قياسي وبميزانية محدودة جدًا، لكنها تحولت مع مرور السنوات إلى نشيد رسمي لشهر رمضان، حتى أصبح من الصعب أن يبدأ الشهر الكريم دون أن تنطلق الأغنية من الإذاعة والتلفزيون، لتعلن قدوم أيام الصيام والبهجة.
من مطرب إلى منتج ومكتشف للنجوم
لم يتوقف طموح عبد العزيز محمود عند الغناء والتلحين لنفسه، بل أسس شركة للإنتاج السينمائي، وقدم بطولات مطلقة في عدد من الأفلام، من بينها “تاكسي الغرام” و”شباك حبيبي”.
كما كان مدرسة لحنية استفادت منها نجمات كبار، إذ غنت من ألحانه “شادية، وفايزة أحمد، وهدى سلطان”، ليؤكد تعدد مواهبه، وأنه لم يكن مجرد مطرب عابر، وإنما كان صانعًا حقيقيًا للنغم العربي.
ورحل عبد العزيز محمود تاركًا خلفه ثروة فنية من البهجة الخالصة، ليؤكد أن الفنان الحقيقي هو من يستطيع أن يخرج من قلب المعاناة، ليصنع الفرح والابتسامة للملايين، وأن يتحول صوته مع مرور الزمن، إلى جزء أصيل من ذاكرة الناس ووجدانهم.






