يسري مصطفى.. «عاصم السلحدار» الذي طحنته الشللية وأنهكه المرض
لم يكن الفنان يسري مصطفى مجرد ممثل مرّ على تاريخ الدراما المصرية، بل كان أحد الوجوه البارزة التي أسهمت في صناعة عدد من الأعمال التليفزيونية المهمة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
ورغم دراسته في المعهد العالي للسينما وتأهله لأداء أدوار البطولة، فإنه اختار، أو ربما فرضت عليه طبيعة السوق، أن يكون «الرجل الثاني» الحاضر بقوة، والجوكر الذي يمنح العمل الدرامي ثقله وواقعيته.
«عاصم السلحدار».. قراءة في عبقرية الأداء
يظل دور «عاصم السلحدار» في خماسية «ليالي الحلمية»، للكاتب أسامة أنور عكاشة والمخرج إسماعيل عبد الحافظ، من أبرز المحطات في مسيرة يسري مصطفى الفنية.
التحول الطبقي للفنان يسري مصطفى
جسد يسري مصطفى شخصية ابن الباشا الأرستقراطي الذي يعيش على أنقاض الماضي، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى التكيف مع صعود طبقة «الانفتاح» في سبعينيات القرن الماضي.
وتكمن قوة أدائه في أنه لم يقدم الشخصية باعتبارها شريرًا تقليديًا، بل رسم ملامح إنسان مستهتر وضعيف في بعض لحظاته، ومتغير وفقًا للظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المحيطة به.

وبهذا الأداء، نجح في تقديم شخصية مركبة جعلت الجمهور ينفر من تصرفاتها، وفي الوقت نفسه يقدّر براعة الممثل الذي قدمها بسلاسة ودون افتعال.
كواليس حياته الشخصية.. زواج وانفصال وأزمات
شهدت حياة يسري مصطفى الشخصية عددًا من الأحداث والأزمات التي أثارت اهتمامًا إعلاميًا، وكان من أبرزها زواجه من الفنانة زيزي مصطفى عام 1982.
ورغم قصة الحب التي جمعت بينهما، فإن الزواج لم يستمر سوى عامين، قبل أن ينتهي بالانفصال.
وتحدثت الفنانة تغريد فهمي، في لقاءات تلفزيونية لاحقة، عن أسباب الانفصال، مشيرة إلى أن زيزي مصطفى اكتشفت زواج يسري مصطفى سرًا من ممثلة شابة صاعدة آنذاك، وهي رواية تداولتها وسائل إعلام بعد ذلك.

أزمات في سنواته الأخيرة
وفي السنوات الأخيرة من حياته، واجه يسري مصطفى أزمات شخصية وقضائية، من بينها خلافات مع زوجته الأخيرة، الفنانة عبير سعيد، وتناولت وسائل الإعلام وقتها تفاصيل النزاعات التي دارت بينهما.
وبالتزامن مع تلك الأزمات، واجه الفنان الراحل تراجعًا ملحوظًا في حضوره الفني، وهو ما دفعه إلى الحديث عن شعوره بالتهميش وعدم حصوله على فرص العمل التي يستحقها.
«ركنوني على الرف».. التهميش الفني والمرض
في سنواته الأخيرة، تحدث يسري مصطفى بمرارة عن ابتعاده عن الساحة الفنية، رافضًا وصف حالته بـ«الاعتزال»، ومؤكدًا أن المنتجين ابتعدوا عنه، وأن الوسط الفني أصبح يعاني من الشللية والفوضى.
ولم يكن التهميش الفني هو الأزمة الوحيدة التي واجهها، إذ عانى من الفشل الكلوي، وخضع لجلسات غسيل كلى، كما أجرى عملية لزراعة الكلى، إلا أنها لم تنجح.
ومع تدهور حالته الصحية وتزايد تكاليف العلاج، عاش الفنان الراحل سنواته الأخيرة في ظروف صعبة، قبل أن يرحل عن عالمنا في 16 يناير 2015.
شهادات زملائه.. وفاء متأخر
عقب رحيله، عبّر عدد من زملائه عن حزنهم الشديد، واستعادوا ذكرياتهم معه، مؤكدين أنه كان يتمتع بموهبة كبيرة وشخصية مختلفة داخل الوسط الفني.
ووصف الفنان صلاح السعدني، أحد زملائه في «ليالي الحلمية»، يسري مصطفى بأنه فنان نقي، يتمتع بأداء هادئ ومتزن، وكان يضيف حضورًا إيجابيًا إلى مواقع التصوير.
كما تحدث الفنان سامح الصريطي عن اعتزاز يسري مصطفى بنفسه، مؤكدًا أنه لم يكن من الفنانين الذين يطلبون المساعدة أو يشكون ظروفهم للآخرين، رغم الصعوبات التي مر بها في سنواته الأخيرة.
وأشادت الفنانة آثار الحكيم أيضًا بالتزامه المهني، مشيرة إلى أنه كان يحترم مواعيد التصوير والنص المكتوب، معتبرة أن تجاهل عدد من أبناء جيله في سنواتهم الأخيرة يمثل أزمة تستحق التوقف أمامها.
رحل يسري مصطفى تاركًا وراءه رصيدًا فنيًا ربما لم يحظَ بالتقدير الذي يستحقه في حياته، لكن شخصيات مثل «عاصم السلحدار» ظلت شاهدة على موهبته وقدرته على تقديم أدوار مؤثرة، حتى وإن لم يكن اسمه في مقدمة أبطال الأعمال.






