قصص ورديات الشقاء بعد العاشرة.. بين «بقشيش سخي ووجع لا ينام»
سكون الشوارع وجحيم القلوب.. حكايات المهن التي لا تنام في المساء

ورديات الشقاء وذلك عندما تنسحب شمس القاهرة تدريجيًا حتى تغيب تمامًا، ويحل محلها سكون الليل، وما إن تقترب عقارب الساعة من الـ10 مساءً كل يوم، تبدأ العاصمة في خلع رداء الزحام الهستيري الذي يلازمها طوال النهار، لتبقى ساعات الليل شاهدة على عمل أرباب «الورديات الليلية» في مهن لا غنى عنها.
ورديات الشقاء.. زبون الليل كريم في «البقشيش وإيده سخية»
وفي مقدمة المهن التي تنشط في الليل إذا ما قورنت بساعات النهار، مهنة التوصيل «الدليفري»، ويعدد مازن أشرف، الطالب في الصف الثالث بكلية التجارة جامعة عين شمس، وهو يرتكن إلى الصندوق المخصص لنقل الطلبات والمثبت على خلفية دراجته النارية، في انتظار طلب جديد لتوصيله، من مميزات العمل في ساعات الليل، قائلًا: «زبون الليل بيكون كريم في البقشيش وإيده سخية».

ويضيف أن ساعات الليل تكون الشوارع، لا سيما الرئيسية، مفتوحة وسهلة الحركة والمرور بها، ما يسهل سرعة توصيل الطلبات في وقت قياسي، وينعكس على زيادة عدد الطلبات أو «الأوردرات»، لتترجم في النهاية إلى أجر جيد و«بقشيش كبير»، على حد قوله.
الإيجابيات التي سردها «مازن» لـ«ليبرالي»، توازيها السلبيات، وفي مقدمتها مخاطر السير السريع ليلًا، ما يجعله أكثر عرضة للإصابات والحوادث، معللًا ذلك بأن كلما زادت ساعات الليل «خفّت» الحركة المرورية، ما يدفع الجميع للحركة مسرعًا بأي وسيلة تنقل «دراجة نارية – سيارة ملاكي – نقل»، ما يجعله هو ومن يمتهن مهنته عرضة للحوادث بكثرة، لصغر الدراجة إذا ما قورنت بغيرها من وسائل التنقل الأخرى.
ويعدد من السلبيات، والتي تنعكس نفسيًا عليه، ومنها تأخر الزبون في فتح الباب ونظرات الريبة عند الوصول لتسليم الطلب، بخلاف رفض البعض أحيانًا التعامل المباشر مع «الدليفري»، ويطلبون وضع الطعام على الأرض أمام الباب، فضلًا عن عناء صعود عمارات مظلمة عطلت مصاعدها.

ورديات الشقاء.. الرحلات بعد منتصف الليل أشبه برحلة «اللي يروح ميرجعش»
«القيادة بعد العاشرة متعة لا يعرفها إلا من ذاق جحيم وسط البلد في عز الضهر»، هذا ما أكده عبدالله المليجي، رب أسرة مكونة من 4 أفراد، ويبلغ من العمر 37 سنة، لافتًا إلى أن العمل بسيارته على أحد تطبيقات النقل الذكي في ساعات الليل، يمتاز بتوفير في البنزين وراحة لأعصابه التي أرهقها الزحام.
وبعد تنهيدة ممزوجة بغصة، يضيف المليجي لـ«ليبرالي»، أن كل رحلة في ساعات الليل، كلما كانت بعد منتصف الليل، أشبه برحلة «اللي يروح ميرجعش»، متابعًا: «كل زبون يركب معه قاصدًا منطقة نائية أو بعيدة عن العمران تجعله في حالة ارتباك وخوف، ما يدفعه ليقبض على عجلة القيادة بكلتا يديه، وعيناه في مراقبة الطريق والزبون في المرآة في آن واحد لمراقبة تحركاته، ويدعو الله أن يعود لبيته سالمًا في نهاية اليوم».
سلبيات العمل في تطبيقات النقل الذكي، لأي رب أسرة في ساعات الليل، كما يؤكد المليجي، تكمن في دخول البيت وأطفاله نيام، ويخرج وهم في دروسهم، ولا يهنأ بالجلوس معهم لتدبير مصاريفهم، وأصبح مثل الطيف في حياتهم، أترك المصروف على الطاولة وآخذ قبلة سريعة من وجناتهم وهم لا يشعرون، قائلًا: «الليل بيديني الجنيه.. بس بيسرق حقي كأب فرحان بعياله».

ساعات الليل كالسلاحف..والبرد في الشتاء ينخر في العظام
ومن أمام بوابة إحدى الشركات الكبرى، في التجمع الخامس، يجلس عم نجيب، البالغ من العمر 64 عامًا، على كرسيه الخشبي المتهالك، ويقول بنبرة هادئة وهو يحتسي كوب الشاي، إن للعمل بعد العاشرة مساءً مزايا يفتقدها النهار، ولا توجد ضوضاء سيارات، ولا زحام للموظفين، ولا تعليمات مرؤوسين مجهدة.
لكن خلف هذا السكون الظاهري، تكمن قسوة لا ترحم عظام رجل تخطى الـ60 من عمره، مؤكدًا عم نجيب أن جسده لم يعد يحتمل السهر، والساعات بعد منتصف الليل تصبح كالسلاحف، والبرد في الشتاء ينخر في عظامه مهما ارتدى من ملابس ثقيلة.
وظن عم نجيب أنه بالخروج للمعاش، حان وقت الراحة، إلا أن الواقع المرير جعل المعاش لا يكفي متطلبات الحياة، ليجد نفسه مجبرًا على الوقوف حارسًا بجسد منهك وقلب يشتاق لنوم دافئ في بيته.

ندفع الثمن من أجسادنا.. ونظرات لا ترحم
وفي أروقة مستشفى المنيرة، تتنقل شيماء خالد، الممرضة بـ«نبطشية الليل»، بين غرف المرضى بخطوات خفيفة كي لا تقلق نومهم، وبالنسبة لشيماء، الأم لـ3 أبناء والبالغة من العمر 40 عامًا، ترتكز الميزة الوحيدة للعمل بعد العاشرة مساءً في انخفاض حدة التوتر الإداري وغياب الزحام الخارجي، تقول: «في النهار تجد المستشفى أقرب للسوق، وحركة لا تتوقف، أطباء وزوار وأجهزة إدارية، وهو ما يشتت الذهن».
أما الليل، وفقًا لرأي «شيماء»، فهو وقت الهدوء الذي يتيح لها التركيز الكامل مع الحالات الحرجة ومتابعة المحاليل والأدوية بدقة دون مقاطعة، فضلًا عن أن مساعدة مريض على النوم بدون ألم في هذا الوقت تمنحك شعورًا إنسانيًا لا يقدر بثمن.
لكن هذا الهدوء سرعان ما يتبدد أمام حجم المعاناة النفسية والجسدية التي تعيشها شيماء طوال الساعات المتأخرة، قائلة: «المشكلة الحقيقية ليست في الإجهاد البدني المتمثل في الوقوف المتواصل وحالات الطوارئ، بل في طيف أطفالي الصغار الذين تركتهم بالبيت مع جدتهم، وينتابني تأنيب ضمير قاتل كلما تخيلت أن أحدهم ممكن يستيقظ باكيًا فلا يجدني بجانبه».
يُضاف إلى ذلك العبء النفسي الثقيل الناتج عن بعض العقول القاصرة التي ما زالت تنظر لعمل المرأة ليلًا بنظرة ريبة أو تقليل، نظرًا لعودتي للمنزل في ساعات الفجر الأولى، وندفع الثمن من أجسادنا ونظرات لا ترحم.

حالة الجسد.. كما لو كان «خارج من ملحمة»
أمام شواية التهوية التي ينبعث منها دخان كثيف في مطعم شهير بوسط البلد، يقلب كريم طه، البالغ 27 سنة، قطع اللحم، وتكمن ميزة العمل بعد العاشرة مساءً في انحسار طوابير الزبائن المتوترة التي تملأ المكان نهارًا.
يقول «كريم» لـ«ليبرالي»، وهو يمسح العرق عن جبينه: «في النهار تكون الطلبات متلاحقة كأنه سباق، والزبون واقف ينظر ليده ويبحث عن السرعة على حساب كل شيء، أما في الليل، يقل ضغط الصالة، فيصبح لدينا مساحة لإتقان الوجبة وطهيها «براوقة»، كما أن التعامل مع زبائن الليل يكون ألطف كثيرًا، حيث يمتلكون طاقة أكبر للابتسامة وكلمة الشكر».
ويضيف «كريم» أن عمل الليل ليس كله راحة كما يظن البعض، لكن مع اقتراب الساعة الثالثة فجرًا، تتحول هذه الراحة النسبية إلى عبء بدني ونفسي ثقيل يقصم الظهر، حيث يطفو على السطح الجانب المظلم من ورديته الليلية، قائلًا: «الناس تظن أن عملنا ينتهي بمجرد غلق الباب الخارجي للمطعم، لكن المعاناة الحقيقية تبدأ، فالليل هو وقت التنظيف الشامل، حيث يتوجب علينا فرك الدهون المستعصية، وغسل المعدات الثقيلة، وغمر الأرضيات بالماء والمطهرات ونحن في قمة الإرهاق».
كما يُعدد كريم من مظاهر الإرهاق الجسدي جراء الوقوف لـ10 ساعات متواصلة أمام نيران الشوايات ليلًا، ما يسبب له آلامًا حادة في الظهر والركبتين، وعند الانتهاء من عمله في الفجر، يتجه قاصدًا بيته، وحالة جسده كما لو كان «خارج من ملحمة».






