مقالات

الإنسان في عالم الوفرة.. «واقع يقترب من الخيال»

منذ أن ظهر الإنسان على الأرض، كانت حياته محكومة بحقيقة قاسية، أن احتياجاته أكبر من الموارد المتاحة له، وأن بقاءه يتطلب عملًا دائمًا وصراعًا مستمرًا مع الطبيعة.

كان عليه أن يصطاد لكي يأكل، ويبني لكي يسكن، ويقاتل لكي يحمي أرضه، ويدخر لكي يواجه الشتاء والمرض والشيخوخة.

ومن هذه الحاجة نشأت أشكال التعاون الأولى، ثم القبيلة والقرية والدولة والسوق والقانون، ومن الحاجة أيضًا نشأت الملكية، وتقسيم العمل، والسلطة، والطبقات، والضرائب، والمال.

ولذلك، حين نسأل عن مستقبل البشرية في عالم قد تصبح فيه السلع والخدمات أوفر من احتياجات البشر (خيال يقترب من التحقيق)، فإننا لا نسأل سؤالًا اقتصاديًا فقط، بل نقترب من أعمق سؤال فلسفي في تاريخ الإنسان: ماذا يبقى من نظامنا الاجتماعي إذا لم يعد الإنسان مضطرًا إلى العمل كي يعيش؟

وهل تتغير طبيعة الإنسان حين تزول الحاجة، أم أن الحاجة نفسها ليست ظرفًا اقتصاديًا عابرًا، بل جزء أصيل من تكوينه النفسي؟

الحضارة ابنة الندرة

لم تكن الندرة شرًا مطلقًا، فمن رحمها ولد جزء كبير من الحضارة، حين لم يجد الإنسان الطعام حاضرًا، تعلم الصيد والزراعة، وحين خاف من المستقبل، تعلم التخزين والتخطيط، وحين أدرك أنه لا يستطيع أن يفعل كل شيء بمفرده، تعاون مع الآخرين، وقسم العمل، واخترع التبادل ثم المال وحين نشأ النزاع حول الموارد، ظهرت الأعراف والقوانين والدولة.

فالإنسان لم يبنِ الحضارة رغم الحاجة فقط، بل بناها أيضًا بسببها، الحاجة أجبرته على أن يفكر، وأن يؤجل بعض رغباته، وأن يتعلم من خبراته، وأن ينقل المعرفة إلى أبنائه، ربما كانت رحلة الإنسان كلها محاولة طويلة للانتصار على العجز: عجز الجسد أمام الطبيعة، وعجز الفرد أمام الجماعة، وعجز الحاضر أمام المستقبل.

ومن هنا نشأ العقد الاجتماعي بصوره المختلفة، تنازل الفرد عن جزء من حريته مقابل الحماية، وقبل سلطة القانون مقابل الأمن، ودخل سوق العمل مقابل الأجر، واحترم الملكية لأنه أراد أن تُحترم ملكيته، لكن خلف هذه الترتيبات كلها كانت هناك حقيقة واحدة لم تتغير: لكي يحصل الإنسان على حقه في الحياة، كان عليه أن يعمل أو يملك.

إما أن يمتلك الأرض أو رأس المال، وإما أن يبيع جهده ووقته لمن يملكهما، وهكذا ارتبط الحق في البقاء بالقدرة على الإنتاج، وارتبطت قيمة الإنسان الاقتصادية بحجم ما يستطيع تقديمه إلى السوق، ولكن ماذا يحدث إذا تغيرت هذه الحقيقة؟

ماذا يحدث إذا أصبح الإنتاج أكبر من الحاجة؟

ربما تقف البشرية للمرة الأولى أمام احتمال أن تصبح قدرتها على إنتاج السلع والخدمات أكبر من احتياجات البشر الأساسية.

لقد بدأت الرحلة منذ اختراع الأدوات، ثم تسارعت مع الزراعة والآلة البخارية والكهرباء والمصانع والحاسبات، واليوم تدخل الروبوتات والذكاء الاصطناعي والهندسة الحيوية والطاقة المتجددة إلى المشهد، لا باعتبارها غاية الحضارة، بل بوصفها أحدث مراحل سعي الإنسان القديم إلى تقليل الجهد وزيادة الإنتاج.

وقد يأتي وقت تصبح فيه الزراعة والبناء والنقل والصناعة والتعليم والتشخيص الطبي وإدارة الخدمات عمليات شديدة الأتمتة، قليلة التكلفة، لا تحتاج إلا إلى قدر محدود من التدخل البشري.

لن تختفي الندرة تمامًا؛ فستظل الأرض والمواقع المتميزة والموارد الطبيعية والوقت والاهتمام الإنساني أشياء محدودة، لكن الاحتياجات الأساسية قد لا تعود نادرة بالمعنى الذي عرفته البشرية، عندئذ لا تعود المشكلة هي: هل نستطيع أن ننتج ما يكفي الجميع؟

فالإنتاج سيكفي الجميع، بل تصبح: من يملك ما تنتجه الآلات، ومن يقرر توزيعه؟

فالوفرة التقنية لا تعني بالضرورة الوفرة الإنسانية، قد تمتلئ المخازن بالطعام، ويبقى الجائع عاجزًا عن الوصول إليه، وقد تستطيع الآلات بناء ملايين البيوت، بينما تبقى الأرض والقرار والملكية محتكرة، وقد يصبح العلاج زهيد التكلفة، لكن الحق في الحصول عليه خاضعًا لمن يسيطر على النظام.

الوفرة قدرة على الإنتاج، أما العدالة فهي نظام للتوزيع، وبينهما يقع مستقبل الإنسان.

العقد الاجتماعي الذي انتهت صلاحيته

نشأ العقد الاجتماعي القديم في عالم الندرة، كان منطقه واضحًا: كل فرد يعمل، ويحصل في مقابل عمله على نصيب من الناتج، ومن لا يعمل، ولا يملك، يصبح معتمدًا على العائلة أو المجتمع أو الإحسان.

لكن إذا أصبحت الآلات (في عهد الذكاء الاصطناعي) قادرة على إنتاج الجزء الأكبر من الثروة، فلن يعود العمل البشري هو المصدر الأساسي للإنتاج. وعندها يصبح ربط الحق في الحياة بالحصول على وظيفة نوعًا من الظلم التاريخي.

فكيف نطلب من الإنسان أن يعمل كي يستحق الطعام، بينما لا يحتاج النظام الاقتصادي إلى عمله؟، وكيف نجعل الأجر بوابة الوصول إلى الحياة، بينما تنتج الآلات ما يكفي الجميع؟

المشكلة هنا، إذن، لن تكون البطالة بالمعنى التقليدي، البطالة تعني أن الإنسان يريد العمل، لكن السوق لم يجد له مكانًا، أما العالم الجديد فقد يطرح وضعًا مختلفًا: ألا يعود المجتمع محتاجًا إلى معظم العمل الإنساني أصلًا.

يصبح الطعام والسكن والعلاج والتعليم والطاقة والاتصال حقوقًا تترتب على الوجود الإنساني، لا مكافآت يحصل عليها الإنسان بعد إثبات فائدته الاقتصادية.

ويصبح نصيب الفرد من الثروة المشتركة حقًا، لأن هذه الثروة لم تصنعها الآلات وحدها، بل قامت على علوم ومعارف ولغات وبيانات وخبرات راكمتها البشرية عبر آلاف السنين.

ليس هناك مخترع بدأ من الصفر، ولا شركة صنعت معرفتها خارج تاريخ المجتمع، كل ابتكار جديد يقف على جبل من المعرفة الإنسانية المشتركة.

ومن هنا يصبح من العدل أن يكون لكل إنسان نصيب من عائد الحضارة، لا صدقة تمنحها له السلطة، بل حقًا تضمنه المواطنة.

ولكن هل العمل ضرورة اقتصادية أم حاجة إنسانية؟

إن الانتقال إلى عالم لا يحتاج إلى العمل يفتح أمامنا مشكلة أخرى، فالعمل لم يكن وسيلة للحصول على المال فقط، بل كان يمنح الإنسان هوية ومكانة وإيقاعًا لحياته، حين يسأل الناس: «من أنت؟» يجيب الإنسان غالبًا باسم مهنته، يقول: أنا طبيب، أو مهندس، أو عامل، أو مدرس، كأن المهنة ليست ما يفعله، بل ما يكونه.

من خلال العمل يشعر الإنسان أنه نافع ومطلوب، وأن وجوده يحدث فارقًا، وفي مكان العمل تنشأ علاقاته ومنافسته وطموحاته ونجاحاته وإخفاقاته.

فإذا تحرر الإنسان من العمل، إراديًا كان أو قسريًا، فهل يشعر بالحرية أم بالفراغ؟

قد يكون غياب العمل تحريرًا للجسد، لكنه قد يصبح أزمةً للمعنى، فالإنسان لا يحتاج إلى الخبز وحده، بل يحتاج إلى أن يشعر بأن لحياته هدفًا.

لهذا لا ينبغي أن يكون العقد الاجتماعي الجديد في عالم الوفرة مجرد نظام لتوزيع دخل من دون عمل، بل مشروعًا لإعادة تعريف العمل نفسه.

هناك فرق بين العمل الذي نؤديه كي لا نجوع، والنشاط الذي نمارسه لأننا نرى فيه معنى.

رعاية الأطفال وكبار السن، والتعلم، والبحث، والفن، والموسيقى، والكتابة، والرياضة، وحماية الطبيعة، وخدمة المجتمع، والتأمل، كلها صور من العمل الإنساني، حتى لو لم يعترف السوق بقيمتها أو يدفع عنها أجرًا.

قد لا ينتهي العمل، بل ينتهي العمل بوصفه شرطًا للبقاء، وعندها ينتقل السؤال من: ماذا تفعل لكي تستحق أن تعيش؟ إلى: ماذا تختار أن تفعل لأنك حي؟

هل الطمع وليد الحاجة؟

العقبة الكبرى أمام عالم الوفرة ليست قدرة الإنسان على الإنتاج، وإنما طبيعته هو.

فهل نشأ «الطمع» لأن الموارد لم تكن تكفي الجميع؟ وهل ظهرت «الرغبة في السيطرة» لأن الإنسان كان يخشى أن يستولي الآخرون على طعامه وأرضه وأمنه؟، وإذا زالت الندرة، فهل يزول الطمع معها؟

هناك ما يدعونا إلى التفاؤل، فالخوف من الجوع والمرض والمستقبل يدفع الإنسان إلى الادخار والتملك والاحتكار، ومن عاش الحرمان قد يجمع أكثر مما يحتاج لأنه لا يثق في دوام الأمان، بهذا المعنى، قد يكون جزء من الطمع خوفًا متنكرًا، حين يشعر الإنسان أن حاجاته الأساسية مضمونة، قد يقل تمسكه بالأشياء، وتزداد قدرته على التعاون، ويصبح أكثر استعدادًا للمشاركة، فالطمأنينة تستطيع أن تحرر الإنسان من بعض أنانيته، لكن هذا ليس التفسير الكامل.

فالإنسان لا يقارن ما يملك بما يحتاج إليه فقط، بل يقارنه أيضًا بما يملكه الآخرون، قد يكون لديه ما يكفيه، لكنه لا يشعر بالرضا إذا كان غيره يملك أكثر منه، وهنا لا يعود المال وسيلة لإشباع الحاجة، بل يصبح وسيلة لقياس المكانة.

الطمع لا يقول: أريد ما يكفيني، الطمع يقول: أريد أكثر مما لديك.

لذلك قد تقضي الوفرة على الفقر، لكنها لا تقضي تلقائيًا على التفاوت أو الحسد أو الرغبة في التفوق، فإذا تساوى الناس في الطعام والسكن والتعليم، فقد ينتقل الصراع إلى ما يظل نادرًا: النفوذ والشهرة والجمال والتميز والقرب من السلطة والقدرة على التأثير في حياة الآخرين، فالندرة قد تتراجع في عالم الأشياء، ثم تعود في عالم المكانة.

السؤال: هل الاحتياج هو طبيعة الإنسان؟

ربما يكون السؤال الأعمق ليس: هل يستطيع الإنسان إشباع احتياجاته؟ بل: هل يستطيع أن يتوقف عن خلق احتياجات جديدة؟

الإنسان كائن لا يكتفي طويلًا، كلما حقق هدفًا ظهر أمامه هدف آخر، وكلما امتلك شيئًا اعتاده، ثم فقد قدرته على إدهاشه.

ما كان رفاهية للأجداد يصبح ضرورة عند الأبناء، وما كان حلمًا لجيل يتحول إلى حق مكتسب لدى الجيل التالي، هذه القدرة على عدم الاكتفاء كانت مصدرًا للتقدم، كما كانت مصدرًا للشقاء.

لولا عدم الرضا بالكهوف لما بُنيت المدن، ولولا عدم الاكتفاء بالمرض بوصفه قدرًا لما تطور الطب، ولولا الرغبة في عبور البحر والسماء لما عرف الإنسان العالم والفضاء، لكن القوة نفسها التي تدفع الإنسان إلى تجاوز حدوده قد تمنعه من الشعور بأنه وصل.

ولذلك، حتى في عالم الوفرة، قد لا يعيش الإنسان بلا احتياج؛ بل قد ينتقل من الاحتياجات المادية إلى احتياجات نفسية ورمزية جديدة.

قد يريد عمرًا أطول، أو جسدًا أقوى، أو ذكاءً أكبر، أو حضورًا اجتماعيًا أوسع، أو قدرةً أعظم على التحكم في مصيره ومصائر الآخرين.

هنا تصبح الحاجة ليست نقصًا يمكن ملؤه، بل حركة دائمة في النفس البشرية.

فهل الطموح اسم مهذب للطمع؟ وهل الرغبة في التطور هي الوجه المضيء لعدم الاكتفاء؟ وأين ينتهي السعي المشروع ويبدأ الاستحواذ؟

هذه الأسئلة لن تجيب عنها التكنولوجيا، لأن التكنولوجيا تستطيع أن تزيد قدرة الإنسان، لكنها لا تحدد الغاية التي يستخدمها من أجلها.

الحرية أم التبعية المريحة؟

يمكن لعالم الوفرة أن يقود إلى أعظم تحرر في تاريخ البشر، كما يمكن أن يقود إلى أكثر أشكال العبودية اكتمالًا.

إذا كانت وسائل الإنتاج الجديدة مملوكة لعدد قليل من الأفراد أو الشركات أو الدول، فقد يصبح معظم البشر غير محتاجين إلى العمل، ولكنهم يظلون محتاجين إلى رضا من يملك مصادر الوفرة.

قد يحصل الإنسان على الطعام والسكن والترفيه، لكنه لا يمتلك حقًا في النظام الذي يمنحه إياها، وقد تتحول حقوقه إلى امتيازات قابلة للسحب إذا خالف السلطة أو خرج عن القواعد.

إن أخطر أشكال العبودية ليست دائمًا تلك التي تحرم الإنسان من احتياجاته، بل قد تكون تلك التي تلبيها كلها مقابل تنازله عن حريته.

فالإنسان الذي توفر له السلطة كل شيء قد لا يثور عليها، حتى لو كانت تراقب أفكاره واختياراته وعلاقاته، وهكذا يمكن أن تنشأ التبعية المريحة: حياة بلا فقر، ولكن أيضًا بلا استقلال.

لذلك يجب ألا يقوم العقد الاجتماعي الجديد على توزيع السلع فقط، بل على توزيع القوة والملكية وحق المشاركة في القرار.

لا يكفي أن يحصل الإنسان على نصيب من الوفرة؛ بل يجب أن يكون شريكًا في تحديد كيفية إنتاجها واستخدامها.

المساواة لا تعني أن يحصل كل إنسان على الشيء نفسه، بل أن يحصل كل إنسان على الأساس الذي يجعله حرًا، وألا يمتلك أحد من القوة ما يحول الآخرين إلى تابعين له.

التحول من أخلاق الندرة إلى أخلاق الوفرة

لقد صيغت معظم أخلاقنا في عالم الندرة، تعلمنا أن الاجتهاد فضيلة لأن الكسل قد يؤدي إلى الجوع، وتعلمنا الادخار لأن المستقبل غير مضمون، واحترمنا الملكية لأنها ثمرة العمل، وربطنا الاستحقاق بالعطاء، والنجاح بالتراكم، والمكانة بما يملكه الإنسان.

لكن عالم الوفرة يحتاج إلى أخلاق مختلفة، لن تكون الفضيلة أن تعمل أكثر مما يلزم، بل أن تستخدم وقتك وحريتك في تنمية نفسك وخدمة الآخرين، ولن يقاس النجاح بكمية ما تراكم، بل بنوعية ما أُضيف إلى الحياة.

وقد تصبح القدرة على المشاركة أهم من القدرة على الاحتكار، والحكمة في استخدام القوة أهم من مجرد امتلاكها.

لن يكون التحدي كيف ننتج المزيد فقط، بل كيف نتعلم الاكتفاء، فالحضارة التي تستطيع إنتاج كل شيء، ولكنها لا تستطيع تعليم الإنسان متى يقول «يكفيني»، ستظل حضارة فقيرة مهما بلغت وفرتها.

استغرقت البشرية مئات الآلاف من السنين حتى تتفوق على بقية المخلوقات، لم يكن الإنسان أقوى الحيوانات ولا أسرعها، لكنه امتلك اللغة والخيال والتعاون والقدرة على نقل المعرفة بين الأجيال.

استطاع أن يسيطر على الطبيعة، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في السيطرة على مخاوفه وأطماعه ورغبته في إخضاع الآخرين.

واليوم تقف البشرية أمام مرحلة مختلفة، للمرة الأولى قد لا يكون التحدي هو كيف ننتصر على الندرة، بل كيف نعيش بعد الانتصار عليها.

لقد تطورت أدواتنا أسرع من تطور قيمنا، وتضاعفت قدرتنا على الإنتاج قبل أن تنضج قدرتنا على التوزيع، وأصبحنا قريبين من صناعة الوفرة، بينما لا تزال مؤسساتنا وأفكارنا تنتمي إلى عالم الخوف والتنافس على الموارد.

لذلك فإن التطور المقبل الذي تحتاج إليه البشرية ليس تطورًا تقنيًا فقط، بل تطورًا في فهم الإنسان لذاته.

عليه أن ينتقل من مجتمع يربط الكرامة بالإنتاج إلى مجتمع يعترف بالكرامة بوصفها حقًا سابقًا على الإنتاج، ومن ثقافة ترى في الآخر منافسًا على الموارد إلى ثقافة تدرك أن ازدهار الآخر لا ينتقص بالضرورة من ازدهارها، ومن اعتبار النجاح قدرة على الامتلاك إلى اعتباره قدرة على صنع المعنى.

السؤال الذي ينتظرنا قد نستطيع في المستقبل أن نوفر لكل إنسان طعامًا ومسكنًا وعلاجًا وتعليمًا من دون أن نطالبه بأن يقضي عمره في عمل لا يحبه، لكننا لا نعرف بعد هل يستطيع الإنسان أن يعيش بلا إحساس بالتفوق على غيره، أو أن يمتلك القوة من دون أن يستخدمها للسيطرة، أو أن يحصل على ما يكفيه من دون أن يطالب بالمزيد.

وهنا يكمن الامتحان الحقيقي لعالم الوفرة، ليس السؤال هل تستطيع التكنولوجيا إنتاج ما يكفي البشر، بل هل يستطيع البشر بناء مؤسسات تمنع احتكار ما أنتج؟

وليس السؤال هل يختفي العمل، بل هل نستطيع أن نصنع معنى للحياة لا يعتمد على الوظيفة والأجر؟

وليس السؤال هل تزول الحاجة، بل هل كانت الحاجة مجرد ظرف فرضته الطبيعة، أم أنها جزء من طبيعة الإنسان نفسه؟

ربما لن يصل الإنسان أبدًا إلى حالة انعدام الاحتياج؛ لأنه كلما أشبع حاجة خلق غيرها، لكن بوسعه أن يختار بين نوعين من الاحتياج: احتياج يدفعه إلى المعرفة والإبداع والتواصل وتجاوز ذاته، واحتياج يتحول إلى طمع واستحواذ وإخضاع للآخرين.

إن عالم الوفرة لن يكون نهاية التاريخ، بل بداية مرحلته الأخلاقية الأصعب، لقد قضت البشرية تاريخها كله تحاول أن تجيب عن سؤال: كيف نحصل على ما نحتاج إليه؟

أما السؤال القادم فهو أكثر عمقًا: من نكون، حين يصبح كل ما نحتاج إليه متاحًا؟، وهل نستخدم تحررنا من الحاجة لكي نصبح أكثر إنسانية، أم نخلق ندرةً جديدة حتى يظل بعضنا سادةً ويظل الآخرون تابعين؟

إن العقد الاجتماعي الجديد لن يبدأ من الآلة، بل من تعريف جديد للإنسان: إنسان لا يستمد حقه في الوجود من عمله، ولا قيمته من ثروته، ولا حريته من قدرته على السيطرة؛ بل من كونه إنسانًا، شريكًا في ميراث الحضارة، وصاحب حق أصيل في ثمارها وفي صنع مستقبلها.

زر الذهاب إلى الأعلى