
إلغاء الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية مثل تراجعًا كبيرًا في الرقابة على الأدوية
أزمة القطاع الصحي ترتبط بنقص التمويل وهجرة الأطباء وتراجع أعداد الأسرة
التأمين الصحي الشامل ابتعد عن فلسفة التكافل ويفرض أعباءً على الأسر
تتجاوز أزمة القطاع الصحي في مصر حدود نقص دواء أو تعثر خدمة بعينها، لتكشف عن تحديات أوسع تتعلق بالتمويل، وتوافر الأدوية والمستلزمات، ونقص أعداد الأطباء وأسرّة المستشفيات، إلى جانب استمرار معاناة المواطنين في الحصول على رعاية صحية آمنة وميسرة. وفي ظل الجدل المثار حول أزمة الأنسولين، عاد ملف الحق في الصحة إلى الواجهة، وسط تساؤلات حول مدى قدرة المنظومة الحالية على توفير احتياجات المواطنين والوفاء بالالتزامات الدستورية المتعلقة بالإنفاق على الصحة.
وفي حوار خاص لـ”ليبرالي”، يضع الدكتور محمد حسن خليل، منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، أزمة الأنسولين ضمن سياق أوسع لأوضاع القطاع الصحي، منتقدًا ما وصفه بتراجع الرقابة الدوائية ونقص التمويل وهجرة الكوادر الطبية وتراجع أعداد أسرّة المستشفيات، مؤكدا أن إصلاح المنظومة الصحية لا يمكن اختزاله في تغيير وزير أو إجراء تعديل وزاري، وإنما يتطلب تغييرًا في السياسات المالية والاقتصادية للدولة، وضمان توجيه الموارد اللازمة لتوفير خدمة صحية تليق بالمواطن، وإلى نص الحوار:
كيف تنظر إلى جدل تصريحات وزير الصحة بشأن أزمة الأنسولين من زاوية حصول المواطن على حقه في الرعاية الصحية؟
بالتأكيد، لا يحصل المواطن على حقه في الرعاية الصحية، ولكن هذه القضية أوسع بكثير من مجرد ملف الأنسولين، صرح وزير الصحة بأن لدينا أنسولين محلي الصنع، وبناءً على ذلك لن نقوم بالاستيراد، في المقابل يطالب المواطنون وبعض الأطراف بالاستيراد، بدعوى أن الأنسولين المصري قليل الفاعلية، استنادًا إلى تجاربهم الميدانية.
أنا شخصيًا لا أنحاز إلى مطلب الاستيراد دون قيد، وفي الوقت نفسه لا أكتفي بمقولة «يجب تشجيع المنتج المحلي» من دون وضع معايير واضحة للجودة.
نحن مستعدون لدعم المنتج المحلي، ولكن إذا كانت هناك شكوك معقولة وشكاوى متكررة من المرضى بشأن ضعف فاعليته مقارنة بالمستورد، فعلى وزارة الصحة إرسال عينات إلى معامل معتمدة لتحليل هذا الأنسولين، وفقًا للقواعد المتبعة عالميًا لاعتماد الأدوية المثيلة أو البديلة.
وكانت لدينا «الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية»، التي كانت تحلل كل دفعة إنتاجية قبل طرحها في الصيدليات، للتأكد من مطابقتها للتركيزات والفاعلية المطلوبة، إلا أن هذا النظام أُلغي في عهد الوزير الأسبق حاتم الجبلي، وأصبح الفحص الرقابي لاحقًا، وهو إجراء غير منطقي؛ إذ يأتي بعد أن يكون المرضى قد تناولوا الدواء بالفعل، ويمثل تراجعًا رقابيًا كبيرًا.
أين ذهبت هذه الهيئة؟
لقد تم حل «الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية»، التي كانت صرحًا تاريخيًا رائدًا، وأُسندت مهامها إلى إدارة الصيدلة بوزارة الصحة، التي لا تمتلك الإمكانيات المعملية الكافية لإجراء الفحوصات الدقيقة، وهو ما شكل خسارة قومية لمصر، وتسبب في تشتيت علمائها وكوادرها وتفكيك معاملها المتطورة، لذلك، يجب أن يكون شعارنا الأساسي هو «الحق في الحصول على دواء سليم وآمن»، وهذا يقتضي إثبات سلامة الدواء محلي الصنع بالتحليل العلمي الدقيق.
ونحن نطالب بإرسال عينات من الأنسولين إلى معامل محلية وأجنبية معتمدة، لإعداد تقارير محايدة حول مدى مطابقته للمواصفات العالمية، فإذا ثبتت جودته، نعتمد عليه، وإذا ثبت العكس، يجب وقف توزيعه ومراجعة خطوط الإنتاج، مع توفير بديل مستورد آمن وبسعر عادل للمرضى.
ولكن أصل المشكلة يرتبط أيضًا بالأزمة الاقتصادية وتدهور قيمة العملة المحلية؛ ففي مارس 2022 كان سعر الدولار 15.60 جنيه، وبحلول مارس 2024 تجاوز 48 جنيهًا، وهو ما أثر سلبًا على القطاع الصحي وأدى إلى نقص شديد في العديد من الأدوية الحيوية، وبات هناك تفاوت في فاعلية بعض الأدوية المحلية، وهو أمر غير مقبول طبيًا.
في ظل هذا الواقع، هل يحصل المواطنون على الرعاية الصحية؟
بشكل قاطع وحاسم، الإجابة هي: لا، وهذا التقييم ليس مجرد رأي شخصي، بل يستند إلى المعايير والأدلة الدولية التي تؤكد عليها منظمة الصحة العالمية، وأول المعايير الحاسمة لقياس كفاءة أي نظام صحي هو حجم الإنفاق العام الموجه إليه.
قبل ثورة يناير 2011، بذلت «لجنة الدفاع عن الحق في الصحة» جهودًا لتوضيح تدهور حجم الإنفاق الصحي، بينما كانت الحكومات المتعاقبة تدعي أن الأزمة إدارية فقط، وتطرح «الخصخصة» باعتبارها الحل الوحيد.
وكانت مطالبنا تستند إلى التزامات مصر الدولية، التي تنص على ألا يقل الإنفاق الصحي عن 15% من الموازنة العامة للدولة، بما يعادل تقريبًا 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الحد الأدنى المقبول عالميًا وفقًا لتوصيات منظمة الصحة العالمية.
وبعد الثورة، وخلال صياغة دستور 2014، أُدرج نص يُلزم الدولة بألا يقل الإنفاق الحكومي على الصحة عن 3% من الناتج المحلي الإجمالي، على أن تزيد النسبة تدريجيًا إلى 6%.
لكن الموازنة العامة الأخيرة لم يتجاوز الإنفاق الفعلي على الصحة فيها 1.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وهو عجز شديد في التمويل ينعكس مباشرة على جودة الخدمة الطبية المقدمة للمواطن.
البعض يقول:”لا مستشفيات للفقراء، ولا دواء للفقراء” في مصر حاليًا.. هل هذا صحيح؟
نعم، بكل تأكيد، بل يمكن القول أيضًا إنه لا يوجد «أطباء للفقراء»، ولتجنب الحجج الواهية مثل «سوء التوزيع»، دعنا نحتكم إلى الأرقام؛ فتمتلك مصر حاليًا 8.9 طبيب لكل 10 آلاف مواطن، مقابل 16.4 طبيب عالميًا، أي قرابة نصف المعدل العالمي.
ومصر، التي تمتلك تاريخًا عريقًا في الطب وتعتمد على كفاءات بشرية متميزة، تعاني حاليًا من نزيف حاد في كوادرها الطبية؛ فعدد الأطباء العاملين داخل مصر لا يتجاوز 120 إلى 130 ألف طبيب، بينما يعمل في الخارج أكثر من 150 ألف طبيب مصري.
وهذا يعني هجرة أكثر من نصف الأطباء الذين تحملت الدولة تكلفة تأهيلهم، بحثًا عن بيئة عمل عادلة ودخل يوفر لهم حياة كريمة، فالبلد ينتج كفاءات طبية وتمريضية متميزة، لكنه يهدرها بسبب هيكل أجور طارد.
أما بالنسبة إلى أسرة المستشفيات الحكومية والجامعية، فتبلغ النسبة 8.1 سرير لكل 10 آلاف مواطن، مقابل 29 سريرًا عالميًا.
وفي ستينيات القرن الماضي، كانت النسبة 23 سريرًا، بينما تراجع عدد الأسرة من نحو 123 ألفًا إلى 83 ألف سرير، رغم تضاعف عدد السكان، ويرجع هذا التدهور إلى غلق المستشفيات وتقليص الخدمات، وحرمانها من الموازنات والأدوية والمستلزمات، بينما تمتلك مصر 19.6 ممرضة لكل 10 آلاف مواطن، مقابل 39.5 ممرضة عالميًا.
وهذه الأرقام تعني غياب الحد الأدنى من مقومات نظام صحي مقبول.
ولكن ألم تبدأ الحكومة في تطبيق التأمين الصحي الاجتماعي الشامل؟
مبدئيًا، النموذج الأمثل المتفق عليه عالميًا هو «التأمين الصحي الاجتماعي الشامل» وقد خضنا معارك ومفاوضات دامت 12 عامًا لتعديل مسودات القوانين، حيث كان مقررًا صدور القانون عام 2006، لكنه لم يصدر إلا في 2018، ولا يزال يحمل ثغرات وعيوبًا جسيمة.
ومن أبرز هذه العيوب نقل عبء التأمين الصحي للأطفال والطلاب من الدولة إلى أسرهم؛ حيث ارتفعت نسبة الاشتراك الإجمالية التي تدفعها الأسرة إلى 7% من الدخل، بدلًا من 1% سابقًا، وهو ما يحول النظام تدريجيًا من فلسفة التكافل الاجتماعي إلى نمط التأمين التجاري الربحي.
كذلك يفرض النظام «مساهمات مالية» عند تلقي الخدمة؛ إذ يلزم المريض بدفع 10% من قيمة الدواء، و10% من قيمة التحاليل والأشعة، مما قد يحمل المريض أعباءً إضافية تفوق قدرته المالية.
أما «الشمولية» التي رُوّج لها، فقد واجهت تعثرًا كبيرًا، إذ استُبعدت عمليًا الفئات الأكثر احتياجًا، مثل العمالة غير المنتظمة والفلاحين والصيادين وعمال البناء، بسبب شروط الاشتراك وسداد 7% من دخلهم التقديري مقدمًا، وتحول النظام بذلك من تأمين شامل وإجباري تكافلي إلى نظام اختياري يقصي الفقراء.
وبحلول عام 2026، لم تشمل المظلة سوى أقل من 5 ملايين مواطن في محافظات محدودة، بينما جرى ترحيل المحافظات الكبرى، التي تضم نحو 75% من سكان مصر، إلى المراحل الأخيرة من الخطة، وهو ما يضع علامات استفهام حول جدية إنجاز المشروع.
هل يستلزم الإصلاح الصحي اتخاذ قرارات بإقالة المسؤولين الحكوميين الحاليين، كما ينادي البعض؟
المسؤول السياسي الأساسي عن الأزمة الراهنة ليس وزير الصحة وحده، وإن كان يتحمل جزءًا من المسؤولية الفنية والإدارية.
المسؤولية الأساسية تقع على عاتق وزير المالية، ثم رئيس مجلس الوزراء، نظرًا لسيطرتهما على قرار «تمويل الخدمات الصحية»، وإذا تم توفير التمويل الدستوري الكافي، سنتمكن من وضع هيكل أجور عادل يحد من هجرة الأطباء، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وزيادة القدرة الاستيعابية للمستشفيات.
ومن دون تمويل حقيقي، لن يستطيع أي وزير صحة تقديم حلول سحرية، نعم، هناك قرارات إدارية تقع ضمن السلطة المباشرة لوزير الصحة، مثل ملف الأنسولين، حيث يمكنه اتخاذ قرار فوري بإخضاع الأنسولين المحلي للتحليل المعملي المعتمد، أو إلزام المصانع برفع كفاءة الإنتاج.
لذلك، فإن الحديث المستمر عن إقالة وزير الصحة أو إجراء تعديلات وزارية غالبًا ما يُستخدم لامتصاص الغضب الشعبي وتقديم المسؤولين باعتبارهم «كبش فداء» للأزمة.
القضية الحقيقية تكمن في السياسة المالية والاقتصادية للدولة، التي ترفض الالتزام بالنسب الدستورية للإنفاق على الصحة والتعليم، وهما حقان أساسيان للمواطنين، وركيزة لأي تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية.






