مطالب بحوار مجتمعي عاجل وتحويل الوثيقة الجديدة إلى اجراءات تنفيذية.. ود. كريمة الحفناوي تطالب بـ “المناصفة” بدلاً من “الكوتا”
دعوات لمعالجة ملف الحبس الاحتياطي المطول.. والإفراج عن المحبوسين في قضايا الرأي ممن لم يمارسوا العنف أو يحرضوا عليه
بينما تستعد الدولة المصرية لإصدار الاستراتيجية الوطنية الثانية لحقوق الإنسان 2026–2031، أعلن المجلس القومي لحقوق الإنسان، الانتهاء من مقترحاته بشأن الاستراتيجية الوطنية الثانية لحقوق الإنسان واعتزامه التقدم بها إلى الحكومة للاستفادة منها والبناء عليها في صياغة الاستراتيجية الجديدة.
ووفق سياسيين ومعنيين تحدثوا لـ “ليبرالي” فإن المطلوب من الاستراتيجية الوطنية الثانية لحقوق الإنسان هو ضمانات للتنفيذ والتفعيل على أرض الواقع، وعدم الاقتصار على اصدار الاستراتيجية على الورق، دون حوار مجتمعي حقيقي.
تفعيل الاستراتيجيات الوطنية
من جانبها، تؤكد القيادية السياسية والحقوقية الدكتورة كريمة الحفناوي في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي” أن حقوق الإنسان وحدة واحدة لا تتجزأ وتخص جميع فئات المجتمع دون تمييز، مشددةً على أن الاستراتيجية الوطنية الثانية لحقوق الإنسان يجب ألا تظل مجرد نصوص على الورق، بل لا بد من ترجمتها إلى تشريعات وقوانين ملموسة تُنفذ على أرض الواقع.

وتنتقد الحفناوي غياب الحوار المجتمعي الحقيقي مع الفئات المعنية أثناء إعداد القوانين والاستراتيجيات، مؤكدة أن أزمة التشريعات في مصر تكمن في غياب التفعيل والتأخر في صدور اللوائح التنفيذية، واستشهدت بقانون كبار السن الذي لم تُصدر لائحته التنفيذية رغم مرور أكثر من عام ونصف على صدوره.
وتوضح الحفناوي، أن الدستور المصري ينص صراحة في مواده (ولاسيما المواد 53 و93) على المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة وحظر التمييز بكافة أشكاله، لافتةً إلى أن نظام “الكوتا” المحدد للمرأة في المجالس النيابية (مثل نسبة الـ 25%) يجب أن يكون إجراءً انتقاليًا مؤقتًا لحين التمكين، مضيفة أن الوقت قد حان للانتقال إلى مبدأ “المناصفة بنسبة 50%” في كافة المجالس المنتخبة وأماكن صنع القرار استنادًا إلى الكفاءة وتكافؤ الفرص، أسوة بالعديد من التجارب الدولية والعربية.
وفي سياق حقوق المرأة العاملة، تدعو الحفناوي إلى ضرورة توفير بيئة عمل لائقة وآمنة، وتفعيل النصوص القانونية الملزمة بإنشاء حضانات للأطفال في المنشآت والمناطق الصناعية، بالإضافة إلى تصديق الدولة على الاتفاقيات الدولية الحامية للعمالة، وعلى رأسها الاتفاقية رقم 189 الخاصة بعمال المنازل، والاتفاقية رقم 190 لمناهضة العنف والتمييز في بيئة العمل، مؤكدة ضرورة تقنين أوضاع “العمالة غير المنتظمة” التي تمثل نحو 50% من سوق العمل، ودمجها في القطاع الرسمي لضمان مظلة حماية اجتماعية وتأمينية شاملة لهم.
تعظيم الحقوق الاجتماعية
بدوره، يرى أكد النائب أحمد سيد، عضو مجلس الشيوخ عن حزب العدل وعضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي” أن الحقوق الاجتماعية والأساسية تُشكل الدعامة الركيزة لمفهوم حقوق الإنسان، مشيراً إلى أن شريحة واسعة من المواطنين تتطلع إلى تعزيز هذه الحقوق لضمان حياة كريمة وعادلة.

ويوضح النائب أن الحق في الحياة الكريمة يتجسد في الحصول على الخدمات اليومية البسيطة والأساسية؛ مثل توفير مياه شرب صالحة، ووسائل مواصلات ملائمة، ومسكن صحي وآمن، فضلاً عن تقديم خدمات التعليم والعلاج والغذاء المناسب.
ويضيف عضو مجلس الشيوخ أن الاستراتيجية الوطنية القادمة يجب أن تعظم الاستثمار في هذه المساحة، لضمان حماية الفئات الأكثر احتياجاً وتوفير الحد الأدنى من المقومات التي تمكن المواطن من التمتع بحياة صحية ومستقرة بعيداً عن أشكال المعاناة.
احداث تغيير حقيقي
يقول حكيم الراعي القيادي بحزب الدستور في حديث خاص لـ “ليبرالي:” من منظور رؤية وبرنامج حزب الدستور، فإن نجاح الاستراتيجية الجديدة لن يتوقف على جودة صياغتها أو تعدد محاورها، وإنما على قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في التشريعات والممارسات، يلمسه المواطن في حياته اليومية”.
ويضيف أنه من الضروري أن يسبق إصدارها نشر تقييم شامل وشفاف للاستراتيجية الأولى، يوضح ما نُفذ من أهدافها، وما تعثر، وأسباب عدم التنفيذ، مع طرح مسودة الاستراتيجية الثانية لحوار مجتمعي جاد تشارك فيه الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والجامعات والخبراء.

ويؤكد أنه يجب أن تتصدر أولويات الاستراتيجية الجديدة معالجة ملف الحبس الاحتياطي المطول، ومنع اعادة حبس المتهمين في قضايا متشابهة، والتوسع في بدائل الحبس، والإفراج عن المحبوسين في قضايا الرأي ممن لم يمارسوا العنف أو يحرضوا عليه، وتعزيز حرية الرأي والصحافة والإبداع، وإصدار قانون تداول المعلومات، ومراجعة التشريعات المقيدة للحريات، وضمان حرية الأحزاب والعمل الأهلي والتجمع السلمي، وفتح المجال العام أمام مشاركة سياسية حقيقية.
ويشدد الراعي على أهمية عدم انفصال الحقوق المدنية والسياسية عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية؛ لذلك يجب أن تتضمن الاستراتيجية مستهدفات محددة لحماية الحق في العمل والأجر العادل والتعليم الجيد والرعاية الصحية والسكن الملائم، ومواجهة الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة، وحماية العمالة اليومية وغير المنتظمة، بجانب الاهتمام بحقوق المرأة والطفل وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، ومكافحة جميع أشكال التمييز، إلى جانب حماية الخصوصية والبيانات الشخصية والحقوق الرقمية.
ويبقى الضمان الأساسي لنجاح الاستراتيجية، بحسب الراعي، هو تحديد جدول زمني لكل هدف، والجهة المسؤولة عن تنفيذه، والتمويل المخصص له، مع نشر تقارير دورية وإخضاع التنفيذ لرقابة البرلمان والمجلس القومي لحقوق الإنسان والمجتمع المدني، والذي يؤكد أن المطلوب ليس استراتيجية جديدة لإعلان النوايا، وإنما عقد وطني واضح ينقل ملف حقوق الإنسان من التعهد إلى التنفيذ، ويؤكد أن كرامة المواطن وسيادة القانون أساس قوة الدولة واستقرارها.
خارطة طريق وطنية خمسية
وأطلقت مصر في 11 سبتمبر 2021، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، أول استراتيجية وطنية متكاملة لحقوق الإنسان، أعدتها اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان برئاسة وزير الخارجية آنذاك. تمثل الوثيقة خارطة طريق وطنية خمسية تمتد من سبتمبر 2021 حتى سبتمبر 2026، وتهدف إلى تعزيز احترام وحماية جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الواردة في الدستور والتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها مصر، مع التركيز على المساواة وتكافؤ الفرص.
وترتكز الاستراتيجية على أربعة محاور رئيسية متكاملة: الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحقوق الفئات الأولى بالرعاية (المرأة، الطفل، الأشخاص ذوو الإعاقة، الشباب، وكبار السن)، والتثقيف وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان. ويُنفَّذ كل محور عبر ثلاثة مسارات متوازية: التطوير التشريعي، والتطوير المؤسسي، والتثقيف وبناء القدرات.

وخلال سنوات التنفيذ، أصدرت الأمانة الفنية للجنة تقارير متابعة دورية مثل تقرير العام الأول حتى أغسطس 2022، وتقرير العامين)، رصدت فيها تقدماً في مستهدفات بلغت مئات النتائج، وتدابير تشريعية ومؤسسية، ودمج مبادئ الاستراتيجية في الموازنات والخطط الحكومية، إلى جانب مبادرات مثل “حياة كريمة” وتطوير وحدات حقوق الإنسان في الوزارات والمحافظات، فيما انتقد معارضون عدم تفعيل الاستراتيجية على أرض الواقع بشكل حقيقي.
وبحسب مصادر “ليبرالي” فإن النسخة الثانية، جار العمل على إعدادها حالياً للفترة 2026-2031 بعد مناقشات تضم مؤسسات الدولة والجهات المعنية والمجتمع المدني، مستندة إلى تقييم نتائج الاستراتيجية الأولى. ومن المتوقع إطلاقها خلال الأشهر المقبلة وقبل نهاية عام 2026، خاصة مع انتهاء المدة الزمنية للنسخة الأولى في سبتمبر 2026.



