
تشهد الأوساط العقارية حالة من الاضطراب، بالتزامن مع تأجيل انطلاق فعاليات القمة السنوية لمؤتمر ومعرض «سيتي سكيب 2026» بنهاية سبتمبر الجاري، خصوصًا بعد تدخلات حكومية لإعادة النظر في شكاوى عدد من عملاء شركات التطوير العقاري، التي تأخرت عن مواعيد تسليم وحداتهم رغم سدادهم الأقساط المبرمة خلال فترات التعاقد.

وتأتي هذه التطورات مع تجدد حالة الجدل التي يشهدها السوق العقارية، والمشكلات التي تواجه شركات التطوير العقاري جراء تأخرها في تسليم الوحدات السكنية للعملاء، بالإضافة إلى تعثر البعض الآخر، وهو ما استدعى تدخل القيادة السياسية لتصحيح الأوضاع.
وفي المقابل، يخشى القائمون على صناعة القطاع العقاري، بما في ذلك الحكومة والشركات العقارية، الدخول فيما يُسمى بـ«الفقاعة العقارية»، في ظل الارتفاع المبالغ فيه في أسعار الوحدات السكنية من جانب بعض المطورين.

البنك المركزي يتدخل
بدأ البنك المركزي المصري توجيه عدد من البنوك إلى حصر بيانات التمويلات التي جرى منحها للشركات والمشروعات العقارية، وخصوصًا الكيانات المتعثرة في السداد، إلى جانب معدلات سحب واستخدام التمويلات الموجهة.
وبحسب تصريحات لمسؤولين مصرفيين نقلتها وكالة «بلومبرج»، طلب البنك المركزي المصري فعليًا بيانات تفصيلية عن المشروعات العقارية على مستوى المحافظات.
ويشمل الحصر بيانات 15 شركة تطوير عقاري حصلت على تسهيلات ائتمانية من مجموعة من البنوك الحكومية والخاصة، وتتضمن البيانات المطلوبة الأقساط البنكية المستحقة على كل شركة، ونسب التعثر في السداد، إلى جانب طبيعة التمويلات ومدى انتظام المشروعات.

المتعثرون يبحثون عن مخرج عبر إعادة بيع الوحدات
وعلى صعيد متصل، كشف محمود عمار، رئيس منصة «عقار إكزت»، عن تزايد الضغوط على شريحة من المتعاملين في السوق العقارية، خاصة العملاء الذين تعثروا في سداد الأقساط ولم يعد بمقدورهم استكمال التزاماتهم تجاه شركات التطوير العقاري.
وأوضح «عمار»، أن ما بين 60% و70% من المتعثرين الذين يمتلكون وحدات دون «أوفر برايس» لديهم استعداد للتنازل عن جزء من الأموال التي سبق أن دفعوها للمطورين، مقابل تسييل استثماراتهم وتحويلها إلى سيولة نقدية، في ظل الضغوط الناتجة عن تغيرات سعر الصرف والتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأشار إلى أن شريحة من العملاء لم تعد تنظر إلى الوحدة العقارية باعتبارها وعاءً ادخاريًا واستثماريًا مضمونًا، وإنما أصبحت تتعامل معها باعتبارها أصلًا يحتاج إلى التسييل عند التعرض لضغوط مالية، وهو ما يفسر تنامي الطلب على منصات إعادة البيع والتنازل عن الوحدات.
وأوضح أن أعلى مستويات المعروض من الوحدات العقارية تتركز في شرق القاهرة، بما يشمل التجمع والعاصمة الإدارية الجديدة، إلى جانب الساحل الشمالي وغرب القاهرة، فضلًا عن وحدات معروضة في عدد من المحافظات.
وأشار إلى استهداف المنصة مساعدة العملاء الذين لم يعد بإمكانهم استكمال سداد الأقساط، من خلال إتاحة إعادة بيع الوحدات أو التنازل عنها، بما يسمح لهم باسترداد جزء من السيولة، بدلًا من استمرار الالتزامات المالية دون قدرة على الوفاء بها.
وكشف عن تسجيل المنصة نحو 32 ألف طلب شراء، مقابل قرابة 3400 وحدة معروضة، موزعة وفقًا لأنواع العقارات ومواقعها وأسعارها.
وتختلف معدلات الطلب بصورة كبيرة بحسب الشريحة السعرية؛ إذ تسجل الوحدات التي تقل قيمتها عن 4 ملايين جنيه نحو 8 إلى 9 طلبات شراء للوحدة الواحدة، بينما تنخفض المعدلات في الوحدات الفاخرة التي تتجاوز قيمتها 10 ملايين جنيه إلى نحو 1.25 طلب شراء للوحدة.
وأوضح أن جانبًا من الطلب على إعادة البيع يرتبط برغبة المشترين في الحصول على وحدات سبق التعاقد عليها بسعر أقل من أسعار الطروحات الجديدة لدى المطورين، فضلًا عن الاستفادة من ميزة عدم الانتظار لفترات طويلة حتى موعد التسليم.
وأضاف أن شراء وحدة بعقد قديم قد يمنح العميل مزايا عدة، من بينها الحصول على سعر أفضل مقارنة بالسعر الحالي لدى المطور، إلى جانب إمكانية استلام الوحدة خلال فترة أقصر، وهو ما يجعل سوق إعادة البيع أكثر جاذبية في بعض الحالات من الشراء المباشر من الشركات.
وأشار إلى أن التسعير الحالي في السوق العقارية أصبح، في بعض الحالات، منفصلًا عن الواقع الاقتصادي العالمي وظروف المواطنين، نتيجة اعتماد بعض المطورين على معايير تسعير غير واضحة أو غير موحدة، بما يزيد الفجوة بين الأسعار المعروضة والقدرة الشرائية الفعلية.

«لا توجد فقاعة عقارية».. لكن الأزمة أعمق
أكد «عمار»، أن السوق العقارية المصرية لا تشهد، من وجهة نظره، فقاعة عقارية بالمعنى التقليدي، لكنه حذر من أن المشكلة قد تكون أكثر تعقيدًا من مجرد فقاعة سعرية، خاصة في ظل إنكار بعض الأطراف المعنية لحجم الاختلالات الموجودة في السوق، وهو ما يعطل الوصول إلى حلول عملية.
وقال إن منصة «عقار إكزت» ساهمت في كشف جانب من المشكلة من خلال رصد حجم المعروض والطلب، فضلًا عن متابعة أوضاع العملاء المتعثرين، موضحًا أن الأزمة لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار، وإنما تمتد إلى آليات التسعير، وشروط التنازل، وقدرة العملاء على استكمال السداد.
وأضاف أن رسوم التنازل التي تفرضها بعض شركات التطوير العقاري تمثل عبئًا إضافيًا على العملاء، إذ تتراوح في بعض الحالات بين 5% و15% من قيمة العقار، معتبرًا أن هذه النسب مبالغ فيها وتزيد صعوبة خروج العميل المتعثر من التزاماته.

تدخلات الدولة تستهدف تحقيق التوازن
وأشار «عمار» إلى أن القطاع العقاري يمثل أحد القطاعات الرئيسية في الاقتصاد المصري، نظرًا لتشابكه مع قطاعات التشييد ومواد البناء والتمويل والنقل والخدمات والتشغيل، وبالتالي فإن أي اضطراب في السوق ينعكس على نطاق واسع من الأنشطة الاقتصادية.
ولفت إلى أن التدخلات الرئاسية الأخيرة في ملف السوق العقارية جاءت بهدف تحقيق قدر من التوازن بين مختلف الأطراف، سواء المطورين أو العملاء أو جهات التمويل، في ظل الحاجة إلى الحفاظ على استقرار القطاع دون تجاهل الضغوط التي تواجه المشترين والمتعثرين.
وأكد أن معالجة الأزمة تتطلب الاعتراف بوجود فجوة بين الأسعار المطروحة والقدرة الشرائية، إلى جانب إعادة النظر في رسوم التنازل، وتطوير آليات إعادة البيع، ووضع قواعد أكثر وضوحًا للتسعير والتعامل مع العملاء غير القادرين على استكمال الأقساط.
وبحسب «عمار»، فإن استمرار السوق العقارية في أداء دورها الاقتصادي يتطلب الانتقال من التسعير العشوائي إلى تسعير أكثر ارتباطًا بالتكلفة الحقيقية والطلب الفعلي والدخل المتاح للمواطنين، بما يضمن استدامة القطاع ويحد من تراكم المشكلات داخل سوق إعادة البيع.

مصر أنفقت أكثر من اللازم على العقارات
وقال الدكتور هاني توفيق، خبير الاستثمار والتمويل، إن الوقت الحالي لم يعد مناسبًا للاستثمار العقاري، في ظل ارتفاع حجم الإنفاق الموجه إلى القطاع مقارنة بمساهمته في الاقتصاد، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكلفة التمويل.
وأوضح أن ما ينفق على القطاع العقاري في مصر يقترب من 20% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل متوسط عالمي يتراوح بين 7% و10%.
واعتبر أن هذه النسبة تعكس توجيه قدر كبير من المدخرات والاستثمارات نحو العقارات على حساب قطاعات إنتاجية أخرى، مشيرًا إلى أن جزءًا من الوحدات السكنية، خصوصًا في الأقاليم، لا يجد مشترين بسهولة، رغم إنفاق مبالغ ضخمة على بنائها، لافتًا إلى أن السوق تعاني من فجوة بين حجم المعروض والأسعار من ناحية، والقدرة الفعلية للمواطنين على الشراء من ناحية أخرى.
وأضاف، أن مصر أنفقت أكثر من اللازم على القطاع العقاري، وهو ما أدى إلى تراكم وحدات يصعب تسييلها، لا سيما في المناطق التي لا تتمتع بطلب استثماري أو شرائي قوي.
وأوضح «توفيق»، أن العقارات في الساحل الشمالي تعتمد بدرجة كبيرة على الطلب القادم من العرب والأثرياء والمصريين العاملين بالخارج، باعتبارها سوقًا موجهة إلى شرائح ذات قدرة مالية مرتفعة، تختلف عن السوق السكنية المحلية التي تواجه ضغوطًا متزايدة.
ولفت «توفيق» إلى أن تراجع سعر الدولار إلى مستويات تقل عن 70 جنيهًا، وفق بعض التقييمات والتقديرات، إلى جانب اتساع فارق أسعار الفائدة، يفرض ضغوطًا إضافية على قرارات الاستثمار، ويجعل المفاضلة بين الاستثمار العقاري والأوعية المالية أكثر تعقيدًا.
وأكد أن ارتفاع أسعار الفائدة يرفع تكلفة الاقتراض والتمويل العقاري، كما يزيد جاذبية الأدوات الاستثمارية ذات العائد الثابت، وهو ما قد يدفع بعض المستثمرين إلى تأجيل شراء العقارات انتظارًا لاتضاح اتجاهات الأسعار والفائدة وسعر الصرف.



