فن ومنوعات

على أنغام النول.. «عم عبده» يحرس ذاكرة النسيج اليدوي من الاندثار

في قرية غرب سهيل بأسوان، يواصل عم عبده، البالغ من العمر 71 عامًا، ممارسة حرفة النسيج اليدوي التي ورثها عن أجداده، ويعلمها للأجيال الجديدة، حفاظًا على تراث يواجه تحديات الحداثة.

مع شروق كل صباح على الضفة الغربية لمدينة أسوان، تتعالى أصوات النول الخشبي القديم، متآلفةً مع خرير مياه نهر النيل، في مشهد يجمع بين سكينة المكان وعبق التراث.

وفي قلب القرية النوبية «غرب سهيل»، يجلس عم عبده، الشهير بـ«أبو مريم»، أمام نوله اليدوي، مستعيدًا حرفة رافقته منذ طفولته.

بأصابع اعتادت التعامل مع الخيوط الملونة، ينسج «أبو مريم» قطعًا تحمل ملامح من الذاكرة الشعبية، مانحًا الألوان المتداخلة حياةً جديدة، في مشهد يجسد جانبًا من هوية ثقافية توارثتها الأجيال.

عم عبده ابو مريم ناسج النول بأسوان
عم عبده ابو مريم ناسج النول بأسوان

حرفة بدأت في السادسة

يقول عم عبده: «بدأت تعلم هذه الحرفة اليدوية وممارستها في السادسة من عمري، أخذت أسرار الصنعة عن عمي، الذي تعلمها بدوره من جدي، حيث تمتد جذور عائلتنا ومسقط رأسنا الأساسي إلى مركز إسنا بمحافظة الأقصر».

ويضيف أن النسيج اليدوي لم يكن مجرد مهنة بالنسبة إلى عائلته، بل أسلوب حياة وهويةً تتوارثها الأجيال بحب، مؤكدًا حرصه على تعليمها لأبناء العائلة والشباب، حتى تظل حاضرةً رغم التطور المتسارع للصناعات الحديثة.

عم عبده ابو مريم ناسج النول بأسوان

النول.. نقطة جذب للسائحين

تحولت ورشة عم عبده إلى نقطة جذب للسائحين الأجانب والزوار القادمين إلى القرية النوبية من مختلف أنحاء العالم، حيث يقفون أمام النول متابعين دقة الحركة وتناسق الألوان، وكيف تتحول الخيوط إلى مشغولات تحمل طابعًا فنيًا مميزًا.

وتسهم هذه الحرفة في التعريف بجانب من التراث المصري، وإبراز المهارات التي توارثها الحرفيون عبر عقود طويلة، لتصبح جزءًا من التجربة الثقافية التي يعيشها زائرو غرب سهيل.

تراث يحتاج إلى صون

وأكدت الدكتورة ميرفت السمان، رئيسة ومؤسسة نادي يونسكو أسوان للتعليم التكنولوجي وحماية التراث والتعلم الإلكتروني، أن النسيج اليدوي يمثل أحد العناصر المهمة في الهوية التراثية لصعيد مصر.

وأشارت إلى أن «النسيج اليدوي في صعيد مصر» أُدرج عام 2020 على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، موضحةً أن ملف التوثيق شمل المهارات والمعارف التاريخية المرتبطة بالعمل على النول التقليدي.

وأضافت أن نادي يونسكو أسوان يعمل على وضع آليات مستدامة لحماية الحرف التراثية وصونها، ونقل مهاراتها إلى الأجيال الجديدة، مؤكدةً أن الحفاظ عليها يتطلب دعم الحرفيين وتشجيع الشباب على تعلمها.

وأوضحت أن الانتشار الواسع للتكنولوجيا يفرض تحديات على استمرار بعض الحرف اليدوية، ما يجعل توثيقها وتعليمها ودعم ممارسيها ضرورةً للحفاظ على أصالتها.

عم عبده ابو مريم ناسج النول بأسوان

وفي ورشة بسيطة بقرية غرب سهيل، يواصل «أبو مريم» العزف على أوتار النول، مؤكدًا أن التراث لا يُحفظ بالكلمات وحدها، بل بالممارسة والتعليم ونقل الخبرة من جيل إلى آخر.

زر الذهاب إلى الأعلى