مقالات

«قبل أن يذهب ابنك إلى المدرسة لابد أن تعرف»

محمد حسنين

المؤلف والمخرج المسرحي.. ورئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للعلاج بالسيكودراما

لعلك صادفت خلال الأيام القليلة الماضية طفلاً يرتدي ملابس المدرسة، يحمل فوق ظهره حقيبةً امتلأت بالكتب، الحقيقة أن الجميع يستطيعون رؤية الحقيبة، ويلاحظون تلك الأجساد الصغيرة وهي تتحرك في طريقها إلى المدرسة، ولكن لا أحد يرى شيئًا آخر أكثر أهمية من الكتب والحقيبة والزي المدرسي؛ فقد يكون هذا الطفل يحمل شيئًا لا يراه أحد، وهو الموهبة التي ربما كانت مجرد تلك الوجوه التي رسمها على هامش كشكوله ولا يعرف لها اسمًا، أو حين يسبق معلّمه إلى نهاية المسألة قبل أن يبدأ زملاؤه أول خطوة فيها فملأه الملل، أو قد تكون سكنت أذناه موسيقى لا يعرف كيف يحكي عنها.

فهناك أطفالٌ يولدون ومعهم شيء يشبه النور، لا يعرفون تسميته، ولا هم ولا أولياء أمورهم أو معلموهم، فيكبر هذا الشيء في العتمة؛ لأن أحدًا لم يلاحظه أو يتوقف أمامه.

ولكن هناك في بني سويف، تلك المدينة التي عاشت طويلا على هامش الخريطة الثقافية، افتتحت كلية علوم ذوي الاحتياجات الخاصة – جامعة بني سويف – منذ سنوات قليلة قسمًا هو الأول والوحيد على مستوى الجامعات المصرية، ألا وهو قسم الموهبة، المتخصص في رعاية الموهوبين والمتفوقين عقليًا، لم يكن هذا إضافةً إدارية، بل رسالة تقول إن الموهبة ليست ترفًا نحتفي به في المناسبات، بل حقٌ له علمٌ ورعاية متخصصة تستحق البحث والدراسة.

ولكن احترس يا عزيزي؛ فالموهوب حقًا ليس بالضرورة هو ذلك الطفل المثالي الذي يحصل على الدرجات النهائية، الموهوب قد يكون الطالب الأكثر إزعاجًا في الفصل، لأن عقله يسبق المعلم فيجد نفسه وحيدًا في آخر الدرس، قد يكون هذا الطفل الذي يبكي في الامتحانات لا جبنًا، بل لأن في كل سطر أمامه حروفًا تتلاعب به. أو صبي موهوب موسيقيًا لا يستطيع الجلوس ساكنًا لدقائق معدودة.

قسم الموهبة في بني سويف ليس مجرد خبرٍ أكاديمي، بل هو بابٌ للعبور من العتمة إلى النور، كي يعبر منه أطفالًا كثيرين ينتظرون من يمر بهم فيتوقف.

وهنا يأتي المسرح، ليس لأن المسرح يستطيع أن يجعل كل طفل ممثلًا، ولا لأن كل موهوب يحتاج بالضرورة إلى أن يقف فوق خشبة المسرح، وإنما لأن المسرح في جوهره مساحة لاختبار الاحتمالات، ماذا لو كنت شخصًا آخر؟ لو نظرت إلى العالم من زاوية مختلفة؟، ماذا لو أخطأت دون أن يكون الخطأ هو نهاية العالم؟.

فالطفل الموهوب لا يحتاج دائمًا إلى شخص يخبره بالإجابة، بقدر ما يحتاج أحيانًا إلى شخص يساعده على اكتشاف السؤال الذي لم يفكر فيه أحد من قبل.

الطفل الموهوب حين يجد مسرحًا يقبله كما هو، يبدأ يصدّق أن اختلافه ليس خطأً، وأن إزعاجه ليس مشكلة، وأن ما بدا عبئًا في الفصل قد يكون طاقة تبحث عن مكانٍ تقف فيه.

المسرح والموسيقى والفن التشكيلي والألعاب التفاعلية والاختبارات والمقاييس النفسية، بجانب المتخصصين، قد تسهم في تغيير حياة أطفالنا وتساعدهم على النمو والتطور في بيئة آمنة وصحية.

وأخيرًا، تحية واجبة إلى كلية علوم ذوي الاحتياجات الخاصة بجامعة بني سويف والقائمين على قسم الموهبة.

زر الذهاب إلى الأعلى