عربي ودولي

من باب المندب إلى قناة السويس.. كيف يرى الاتحاد الأفريقي خطر تصعيد البحر الأحمر؟

أدان رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي الهجمات التي نفذها الحوثيون ضد أهداف في المملكة العربية السعودية، إلى جانب الهجمات والتهديدات التي تستهدف السفن التجارية في البحر الأحمر.

أهمية حماية حرية الملاحة وأمن البحر الأحمر

أكد الاتحاد الأفريقي، في بيان أصدره مساء أمس الخميس، أن استهداف المدنيين وتهديد حرية الملاحة يمثلان تطورًا خطيرًا على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، مشددًا على أهمية حماية حرية الملاحة وأمن البحر الأحمر، باعتبارهما عنصرين أساسيين لاستقرار المنطقة وحماية حركة التجارة الدولية.

ويكتسب هذا الموقف أهمية تتجاوز حدود الإدانة السياسية، لأنه يعكس تحولًا متزايدًا في رؤية الاتحاد الأفريقي للبحر الأحمر باعتباره جزءًا من المجال الاستراتيجي والأمني للقارة، وليس مجرد مسرح لأزمات الشرق الأوسط، فالضفة الأفريقية للبحر الأحمر تضم دولًا ذات أهمية جيوسياسية، مثل مصر والسودان وإريتريا وجيبوتي، فيما يمثل باب المندب نقطة اتصال حيوية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ما يجعل أي اضطراب في هذه المنطقة قابلًا للانتقال سريعًا إلى البيئة الأمنية والاقتصادية الأفريقية.

وتكمن خطورة التصعيد الحالي في أن التهديد لم يعد محصورًا في المواجهة العسكرية بين أطراف الصراع، وإنما امتد إلى الملاحة التجارية، فاستهداف السفن أو تهديدها يفرض مخاطر إضافية على شركات النقل والتأمين، ويدفع بعض السفن إلى تغيير مساراتها، بما يرفع تكلفة التجارة ويطيل زمن نقل البضائع. ومع استمرار الاضطراب، تصبح التداعيات أكثر اتساعًا، خصوصًا بالنسبة إلى الدول التي تعتمد على استقرار طرق التجارة البحرية للحصول على الطاقة والسلع الأساسية، أو لتصدير منتجاتها إلى الأسواق الخارجية.

ومن هنا يمكن فهم إصرار الاتحاد الأفريقي على مبدأ حرية الملاحة، فالمسألة بالنسبة إلى القارة لا تتعلق فقط بحماية حركة السفن الدولية، وإنما أيضًا بحماية المصالح الاقتصادية للدول الأفريقية نفسها، وأي تهديد مستمر للبحر الأحمر يمكن أن يؤثر في أسعار الطاقة والغذاء وتكاليف الشحن، كما يمكن أن يعيد توزيع حركة التجارة بين الممرات البحرية، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على اقتصادات أفريقية تعاني أصلًا من ارتفاع تكاليف التمويل والاستيراد.

وتتضاعف أهمية هذا الملف مع ارتباط البحر الأحمر بأمن قناة السويس، إذ تمثل مصر الحلقة التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط. ولذلك، فإن اضطراب حركة الملاحة في باب المندب يمكن أن يمتد تأثيره إلى قناة السويس، ومنها إلى حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.

ومن ثم، فإن أمن البحر الأحمر بالنسبة إلى مصر لا ينفصل عن أمنها الاقتصادي الوطني، كما أن استقرار قناة السويس يمثل، في الوقت ذاته، مصلحة إقليمية وأفريقية أوسع.

وقد أكد الاتحاد الأفريقي هذه الرؤية في مواقف سابقة، من بينها إدانته للهجوم الذي استهدف سفنًا في ميناء دمياط، حيث شدد على ضرورة حماية البنية التحتية المدنية وحرية الملاحة، محذرًا من تحول أفريقيا إلى مسرح لامتداد صراعات تنشأ خارج القارة، ويكشف ذلك عن اتجاه واضح لدى الاتحاد نحو التعامل مع التداعيات الخارجية للأزمات باعتبارها جزءًا من منظومة الأمن الأفريقي، لا أحداثًا منفصلة عن القارة.

وفي المقابل، يرتبط البحر الأحمر بصورة مباشرة بأمن القرن الأفريقي، الذي يشهد أصلًا أزمات سياسية وأمنية متداخلة، فالسودان يعيش أزمة ممتدة، والصومال يواجه تحديات أمنية، بينما تشهد منطقة القرن الأفريقي تنافسًا متزايدًا على الموانئ والممرات البحرية ومواقع النفوذ، كما أن التوترات بين دول المنطقة، إلى جانب الحضور الدولي والإقليمي المتنامي، تجعل البحر الأحمر ساحة لتقاطع مصالح متعددة.

وهنا تظهر خطورة تحول البحر الأحمر إلى مساحة للمنافسة بين القوى الإقليمية والدولية، فالموانئ والقواعد البحرية لم تعد مجرد منشآت اقتصادية، وإنما أصبحت أدوات للنفوذ السياسي والأمني، وكلما ارتفع مستوى عسكرة البحر الأحمر، أصبحت الدول الأفريقية المطلة عليه أكثر عرضة لتداعيات صراعات لا تتحكم في مساراتها بصورة مباشرة.

ومن هذه الزاوية، يحمل بيان الاتحاد الأفريقي رسالة مزدوجة، الرسالة الأولى موجهة إلى أطراف التصعيد، ومفادها أن استهداف المدنيين والسفن التجارية وتهديد الملاحة أمر مرفوض، أما الرسالة الثانية فتتجه إلى المجتمع الدولي، ومضمونها أن أفريقيا لديها مصالح مباشرة في ترتيبات أمن البحر الأحمر، وأن أمن هذا الممر لا ينبغي أن يُبحث فقط من منظور القوى الكبرى أو الأطراف الشرق أوسطية.

ويظل التحدي الرئيسي أمام الاتحاد الأفريقي هو الانتقال من بيانات الإدانة إلى بناء أدوات أكثر فاعلية للأمن البحري والدبلوماسية الوقائية، فالقارة تمتلك أطرًا مؤسسية، مثل مجلس السلم والأمن، كما تبنت مبادرات مرتبطة بالأمن والسلامة البحرية والاقتصاد الأزرق، إلا أن تحويل هذه الأطر إلى قدرة عملية يتطلب تنسيقًا أكبر بين الدول الأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وتعاونًا وثيقًا مع المنظمات الإقليمية والدولية.

وبذلك، فإن التصعيد الحالي يكشف حقيقة استراتيجية مهمة: «أمن البحر الأحمر أصبح جزءًا من الأمن الأفريقي نفسه»، فالممر البحري الذي يربط آسيا بأوروبا يمر بجوار دول أفريقية، وتداعيات اضطرابه تصل إلى التجارة والطاقة والاستثمار والأمن الغذائي، فضلًا عن تأثيره المباشر في أمن القرن الأفريقي وقناة السويس.

ومن ثم، فإن موقف الاتحاد الأفريقي لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد تضامن مع طرف إقليمي، بل باعتباره تعبيرًا عن إدراك متزايد بأن القارة مطالبة بحماية مصالحها في فضاء بحري أصبح أحد أهم ميادين التنافس الجيوسياسي.

ومع استمرار التصعيد، ستزداد الحاجة إلى مقاربة أفريقية أكثر استقلالًا، تربط بين أمن الملاحة وحماية الاقتصاد والتنمية والاستقرار الإقليمي، بما يمنع تحول البحر الأحمر إلى بوابة جديدة لانتقال الصراعات الدولية والإقليمية إلى داخل القارة.

زر الذهاب إلى الأعلى