عربي ودولي

تلفزيون تيجراي في مرمى التحول السياسي : هل تغلق أديس أبابا نافذة تحالف البقاء؟

لم يكن قرار هيئة الإعلام الإثيوبية تعليق بث تلفزيون تيجراي أجل غير مسمى، الصادر في 21 سبتمبر 2026، مجرد إجراء تنظيمي يخص مؤسسة إعلامية إقليمية؛ إذ جاء في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، بعد أقل من 24 ساعة على إعلان سبع قوى إثيوبية.

من بينها جبهة تحرير شعب تيجراي، تأسيس «تحالف البقاء» بهدف تنسيق قدراتها والعمل على إسقاط حكومة آبي أحمد وإقامة حكومة انتقالية شاملة، والأهم أن إعلان التحالف نفسه جرى عبر تلفزيون تيجراي، الذي أصبح بذلك منصة إعلامية لنقل أحد أكثر التحولات السياسية إثارة للجدل داخل المشهد الإثيوبي الراهن.

ومع ذلك؛ فإن التزامن بين الحدثين لا يكفي وحده لإثبات أن إعلان التحالف كان السبب المباشر وراء قرار التعليق.

فبيان هيئة الإعلام الإثيوبية يربط القرار، بحسب روايتها، بنتائج متابعة سابقة لمحتوى القناة، ويقول إن مواد بثها التلفزيون تضمنت رسائل اعتبرتها الهيئة مهددة للأمن القومي ومصلحة البلاد، وقد تسهم في التحريض على الصراع والتطرف.

 

وبالتالي، فإن القراءة الأدق تضع القرار داخل مسار أوسع من التوتر بين السلطة المركزية في أديس أبابا والفضاء السياسي والإعلامي في تيجراي، مع الإشارة إلى أن توقيته يجعل انعكاساته على «تحالف البقاء» ذات أهمية سياسية واضحة.

من منصة إقليمية إلى مساحة سياسية عابرة للأقاليم

تنبع أهمية تلفزيون تيجراي في التطورات الحالية من أن دوره لم يعد محصورًا في نقل الأخبار المحلية للإقليم، فقد استخدم التلفزيون، في 20 سبتمبر لبث الإعلان الرسمي عن التحالف الجديد، حيث تلا رئيس الحركة الوطنية القانون الأمهرية زمني كاسي بيان تأسيس «تحالف البقاء»، الذي يضم سبع قوى من أقاليم ومكونات إثيوبية مختلفة وهم :” الحركة الوطنية للفانو الأمهرية، جبهة تحرير شعب تيجراي، جيش تحرير أورومو، جبهة تحرير أوغادين الوطنية، جبهة الوحدة الديمقراطية الثورية لعفر ، حركة تحرير شعوب بني سنقول، وحركة شعوب جوموز الديمقراطية.

وتكمن دلالة هذه التركيبة في أنها تجمع قوى كانت، في مرحلة سابقة جزءًا من صراعات متعارضة، بينها قوى أمهرية وتيجراوية خاضت مواجهة مباشرة خلال حرب شمال إثيوبيا بين عامي 2020-2022، وبالتالي فإن الإعلان لا يمثل مجرد تنسيق بين أطراف متقاربة تقليديًا، وإنما محاولة لبناء مظلة سياسية أوسع تتجاوز الحدود الإقليمية والهويات السياسية المنفردة.

وفي بيانه التأسيسي؛ قدم التحالف نفسه باعتباره إطارًا للدفاع عن بقاء الشعوب الإثيوبية، وأعلن أن أهدافه تشمل إزالة حكومة حزب الازدهار، وتشكيل حكومة انتقالية شاملة ووقف الحروب، وضمان الحقوق السياسية والديمقراطية، والدخول في حوار شعبي ودستوري شامل حول القضايا الأساسية للدولة.

 

وهذه الأهداف، بصرف النظر عن فرص تنفيذها أو مدى تماسك القوى الموقعة عليها، تنقل الصراع من مستوى النزاعات الإقليمية المتفرقة إلى محاولة صياغة مشروع سياسي على المستوى الوطني.

لماذا أصبح تلفزيون تيجراي أكثر حساسية؟

تكمن نقطة التحول في أن القناة لم تعد، في هذه اللحظة، مجرد ناقل للمعلومات المتعلقة بتيجراي؛ فقد أصبحت إحدى المنصات التي ظهر من خلالها خطاب سياسي يطرح إعادة صياغة السلطة على المستوى الاتحادي.

وهنا تتضح حساسية القرار الصادر عن هيئة الإعلام الإثيوبية، فالهيئة لم تكتفِ بتعليق عمل التلفزيون، وإنما وجهت وسائل الإعلام الأخرى بعدم الاستناد إلى القناة كمصدر للأخبار، وعدم إعادة نشر أو تداول محتواها، مع التلويح بإجراءات قانونية وإدارية بحق المخالفين، وهذا يعني أن القرار يستهدف، عمليًا، ليس فقط إنتاج تلفزيون تيجراي للمحتوى، بل أيضًا قدرة هذا المحتوى على الانتقال إلى البيئة الإعلامية الإثيوبية الأوسع.

ومن منظور سياسي؛ فإن هذا الإجراء يحد من إحدى القنوات التي استطاع من خلالها التحالف الجديد الوصول إلى جمهور يتجاوز قاعدته الإقليمية.

في الإعلان عن التحالف عبر مؤسسة إعلامية مرتبطة بتيجراي أعطى جبهة تحرير شعب تيجراي مساحة للظهور داخل مشروع سياسي متعدد الأقاليم، بينما يحرم تعليق القناة التحالف من منصة إعلامية كانت متاحة له بالفعل.

لكن في المقابل، لا يمكن افتراض أن القرار سيوقف قدرة التحالف على التواصل أو الانتشار في المشهد الإعلامي الإثيوبي متعدد المنصات، كما أن القوى السياسية المتنازعة تستخدم شبكات ووسائل مختلفة للوصول إلى الجمهور المحلي والخارجي، ولذلك فإن أثر التعليق سيكون أكثر وضوحًا داخل المجال الإعلامي الإثيوبي الخاضع لتنظيم الهيئة، وليس بالضرورة على تدفق المعلومات خارج هذا المجال.

من بريتوريا إلى «تحالف البقاء» مسار لم يُغلق

يأتي القرار أيضًا في سياق هشاشة متزايدة للترتيبات التي نشأت بعد اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر 2022، فالاتفاق أنهى الحرب واسعة النطاق بين الحكومة الإثيوبية والقوات المرتبطة بجبهة تحرير شعب تيجراي، لكنه لم يحسم جميع الملفات السياسية والأمنية التي كانت وراء الصراع.

 

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن العلاقة بين أديس أبابا وتيجراي دخلت مرحلة جديدة من التوتر، بالتزامن مع تحركات عسكرية واشتباكات وضربات بطائرات مسيرة في الإقليم، الأمر الذي أعاد المخاوف من تآكل الترتيبات الأمنية والسياسية التي أعقبت اتفاق السلام، كما أن إعلان جبهة تحرير شعب تيجراي الانضمام إلى تحالف يضم قوى مسلحة من مناطق أخرى يضيف بُعدًا جديدًا إلى الأزمة.

وفي هذا السياق، فإن تعليق تلفزيون تيجراي يمكن قراءته باعتباره جزءًا من محاولة السلطات الاتحادية إعادة ضبط المجال الإعلامي في وقت يتزايد فيه احتمال انتقال الصراع من مجرد نزاعات إقليمية إلى استقطاب سياسي أكثر اتساعًا.

لكن ثمة فارق مهم بين ضبط المجال الإعلامي وبين معالجة جذور الأزمة السياسية، فإذا كانت الأزمة تتعلق بتوزيع السلطة، والعلاقة بين المركز و الأقاليم، والترتيبات الأمنية، والحدود المتنازع عليها ومستقبل النظام الاتحادي، فإن إغلاق منصة إعلامية لا يعالج هذه القضايا في حد ذاتها، وإنما يغيّر البيئة التي تُدار فيها المعركة السياسية والإعلامية حولها.

اختبار حقيقي لتماسك التحالف

رغم أهمية الإعلان، فإن «تحالف البقاء»، يواجه اختبارًا أكبر من مجرد القدرة على إصدار بيان موحد، فالقوى السبع تنتمي إلى بيئات جغرافية وسياسية واجتماعية مختلفة، ولها تاريخ طويل من التنافس والخلافات حول الأرض والسلطة والهوية وترتيبات الحكم.

ولهذا فإن القيمة السياسية الحقيقية للتحالف ستتحدد بقدرته على تحويل الإعلان المشترك إلى آليات تنسيق مستدامة، وإدارة الخلافات الداخلية، وصياغة تصور سياسي مشترك للمرحلة الانتقالية، وأشارت تقارير صحفية إلى استمرار وجود خلافات بين مكونات التحالف، رغم اتفاقها على معارضة الحكومة الاتحادية.

وهنا يصبح توقيت قرار تعليق تلفزيون تيجراي أكثر أهمية، فالقناة كانت واجهة إعلامية لإعلان التحالف، لكن استمرار التحالف نفسه لن يتوقف على قناة واحدة؛ بل على قدرته على الحفاظ على التنسيق بين مكوناته، وبناء خطاب سياسي يتجاوز المطالب الإقليمية، وتحويل التقارب الحالي إلى بنية سياسية قابلة للاستمرار.

قرار إعلامي أم مؤشر على مرحلة سياسية جديدة؟

من المبكر اعتبار تعليق تلفزيون تيجراي دليلاً على اتجاه إثيوبيا حتميًا نحو مواجهة جديدة؛ كما أنه من غير الدقيق اعتباره منفصلاً تمامًا عن التحولات التي شهدها المشهد خلال اليومين الأخيرين.

المؤكد أن القرار جاء في توقيت شديد الدلالة، تحالف جديد متعدد الأقاليم أعلن مشروعًا سياسيًا يستهدف تغيير السلطة في أديس أبابا، والإعلان ظهر عبر تلفزيون تيجراي، ثم تحركت هيئة الإعلام الإثيوبية في اليوم التالي لتعليق القناة ومنع وسائل الإعلام من الاستناد إليها.

 

هذه الوقائع الثلاث تضع الإعلام في قلب الصراع السياسي الجاري، حتى وإن لم تعلن الهيئة رسميًا أن إعلان التحالف كان سببًا مباشرًا لقرار التعليق.

والأهم أن الأزمة لم تعد تدور فقط حول من يسيطر على الأرض، وإنما أيضًا حول من يملك القدرة على إنتاج الرواية السياسية وتحديد مصادر المعلومات التي تصل إلى الجمهور.

 

وفي دولة تعاني أصلًا من تعدد مراكز الصراع السياسي والأمني، يصبح التحكم في المجال الإعلامي جزءًا من إدارة الصراع ذاته.

وبذلك، فإن تعليق تلفزيون تيجراي قد يمثل أكثر من إجراء تنظيمي ضد مؤسسة إعلامية؛ إنه مؤشر على ارتفاع حساسية السلطة الاتحادية تجاه المنصات التي يمكن أن تتحول إلى أدوات لتنسيق الخطاب السياسي المعارض.

 

وفي المقابل، يكشف صعود «تحالف البقاء» أن المشكلة الأساسية التي تواجه أديس أبابا ليست في منصة إعلامية واحدة، بل في ظهور محاولة غير مسبوقة لتجميع قوى متباينة جغرافيًا وسياسيًا داخل إطار واحد.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط: هل سيعود تلفزيون تيجراي إلى البث؟ وإنما: هل تستطيع السلطة الاتحادية احتواء التحول السياسي الجديد، أم أن إغلاق المنصات الإعلامية سيأتي في وقت أصبحت فيه الأزمة نفسها أوسع من قدرتها على أن تُدار إعلاميًا؟

زر الذهاب إلى الأعلى