من خطاب الموانئ إلى احتمالات الحرب.. لماذا تتصدر عصب المشهد الإثيوبي الإريتري؟
إثيوبيا وإريتريا.. عقدة عصب ومأزق الوصول إلى البحر الأحمر

دخلت العلاقات الإثيوبية الإريترية مرحلة جديدة من التوتر، في ظل تصاعد الخطاب الإثيوبي بشأن الوصول إلى البحر الأحمر، وتزايد المخاوف الإريترية من تحول هذا الطموح إلى مطالب تمس سيادتها الإقليمية، خصوصًا فيما يتعلق بميناء عصب الإستراتيجي.
وفي 2 نوفمبر 2026، نشرت وزارة الإعلام الإريترية بيانًا عبر موقعها الرسمي «شابيت»، بعنوان « أجندة الحرب المعلنة صراحًة من إثيوبيا ضد إريتريا»، تضمن تصريحات منسوبة إلى رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، وعدد من القيادات العسكرية، اعتبرتها أسمرا دليلًا على وجود توجه يستهدف أراضيها وسيادتها.
وتكمن أهمية البيان في توقيته ومضمونه؛ إذ يأتي وسط تدهور العلاقات بين البلدين، وتصاعد الاتهامات المتبادلة بشأن التحركات العسكرية في شمال إثيوبيا، بالتزامن مع استمرار الخلاف حول مستقبل الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.
إثيوبيا والبحر الأحمر.. من المطالب إلى التهديدات
شكّل خطاب آبي أحمد، أمام مجلس نواب الشعب الإثيوبي في أكتوبر 2023، محطة مهمة في تصاعد النقاش حول الوصول إلى البحر، بعدما وصف إثيوبيا بأنها «سجينة الجغرافيا»، وطرح إمكانية تحقيق الوصول البحري بالتفاوض أو بالقوة إذا تعذر ذلك.
وأعاد البيان الإريتري الأخير تسليط الضوء على تصريحات منسوبة إلى رئيس الوزراء الإثيوبي، تتضمن الإشارة إلى أن بلاده لن تنتظر عقودًا إضافية لاستعادة الوصول إلى البحر.
وتكشف هذه اللغة عن تحول في طبيعة الخطاب؛ فبدلًا من التركيز على ترتيبات تجارية ولوجستية تضمن وصول إثيوبيا إلى الموانئ، أصبح النقاش يتضمن تعبيرات تتعلق بالوصول السيادي واستعادة الحقوق التاريخية.
وهنا تبرز الإشكالية الأساسية؛ فإثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، ولها مصالح اقتصادية مشروعة في تنويع منافذ تجارتها، لكن هذه المصالح لا تمنحها حق المطالبة بالسيادة على أراضي دولة مجاورة.
تصريحات القيادات العسكرية ودلالاتها الاستراتيجية
الأكثر أهمية في البيان الإريتري هو التصريحات المنسوبة إلى قيادات عسكرية إثيوبية، وفي مقدمتها رئيس الأركان برهانو جولا، الذي نُسب إليه الحديث عن إمكانية الحصول على منفذ بحري بالسلام أو بالقوة.
كما أورد البيان تصريحًا منسوبًا إلى نائب رئيس الأركان أبباو تاديسي، تحدث فيه عن أن العمليات في تيجراي لن تتوقف عند حدود الإقليم، وأن الوجهة النهائية ستكون ميناء عصب، مع رفع العلم الإثيوبي على البحر الأحمر.
كذلك أشار البيان إلى تصريحات منسوبة إلى قائد القوات الجوية يلما ميرداسا، بشأن أهمية استعادة الوصول البحري.
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من صدورها، وفق الرواية الإريترية، عن مستويات مختلفة داخل المؤسسة السياسية والعسكرية الإثيوبية، وهي تثير تساؤلات حول مدى تحول الملف البحري إلى أولوية استراتيجية داخل مؤسسات الدولة.
لكن من الضروري التمييز بين الخطاب السياسي والعسكري وبين وجود قرار عملياتي فعلي بالحرب؛ فإثبات الأخير يحتاج إلى مؤشرات ميدانية وعسكرية مستقلة، وليس مجرد تصريحات إعلامية.
عصب نقطة الارتكاز في التنافس على البحر الأحمر
يمثل ميناء عصب أهمية استراتيجية تتجاوز وظيفته التجارية، نظرًا لموقعه على الساحل الإريتري وقربه من مضيق باب المندب وخطوط الملاحة الدولية.
ومن المنظور الإثيوبي، فإن تنويع منافذ الوصول إلى البحر يمثل ضرورة اقتصادية وأمنية، خاصة مع الاعتماد الكبير على ميناء جيبوتي في حركة التجارة الخارجية.
لكن تحويل هذا الاحتياج إلى خطاب يستهدف استعادة ميناء عصب يضع العلاقات الثنائية أمام معضلة سيادية وقانونية.
فالمادة 125 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 تقر بحق الدول الحبيسة في الوصول إلى البحر وحرية العبور وفق اتفاقات مع دول المرور، لكنها لا تمنحها حق امتلاك أراضي تلك الدول.
وبالتالي، فإن الحلول التجارية والاستثمارية تظل ممكنة دون المساس بسيادة إريتريا أو إعادة فتح ملف الحدود بصورة أحادية.
تيجراي الحلقة الأخطر في معادلة التصعيد
لا يمكن فهم التوتر الحالي بمعزل عن تطورات إقليم تيجراي، الذي شهد حربًا مدمرة بين عامي 2020 و2022، شاركت فيها القوات الإثيوبية والإريترية ضد جبهة تحرير شعب تيجراي.
لكن العلاقات بين أديس أبابا وأسمرا تدهورت لاحقًا، مع اختلاف حسابات الطرفين بشأن الترتيبات الأمنية والسياسية في شمال إثيوبيا.
وتزداد المخاطر مع تجدد التوترات في الإقليم، وتبادل الاتهامات بشأن التحركات العسكرية والتدخلات عبر الحدود.
ويثير الربط الذي أورده البيان الإريتري بين العمليات في تيجراي والوصول إلى عصب تساؤلات بشأن احتمال تداخل الصراع الداخلي الإثيوبي مع التنافس الإقليمي.
فأي مواجهة جديدة في تيجراي قد لا تظل محصورة في إطار الخلافات الداخلية، وإنما قد تتحول إلى عامل ضغط إضافي في العلاقات الإثيوبية الإريترية.
لماذا تتحرك أسمرا دبلوماسيًا الآن؟
يمثل نشر التصريحات الإثيوبية في وثيقة رسمية محاولة إريترية لتثبيت روايتها أمام المجتمع الدولي، ومواجهة الاتهامات الإثيوبية المتعلقة بالتحركات العسكرية داخل أراضيها.
وتسعى أسمرا من خلال هذا المسار إلى نقل النقاش من تبادل الاتهامات إلى مطالبة المجتمع الدولي بالنظر في التصريحات المنسوبة إلى المسؤولين الإثيوبيين، باعتبارها مؤشرات تستوجب التعامل معها بجدية.
وفي المقابل، تتهم إثيوبيا إريتريا بالتوغل العسكري في شمال البلاد، وتقول إن لها الحق في الدفاع عن أراضيها، وهو ما يعكس اتساع فجوة الثقة بين الحكومتين، وصعوبة الوصول إلى تسوية في ظل غياب قنوات اتصال فعالة.
التداعيات الإقليمية ومستقبل الأزمة
لا تتوقف أهمية الأزمة عند حدود البلدين؛ فالبحر الأحمر يمثل ممرًا حيويًا للتجارة الدولية، وأي مواجهة عسكرية بين إثيوبيا وإريتريا قد تؤثر في التوازنات الأمنية والاقتصادية في القرن الأفريقي.
كما تفرض التطورات اهتمامًا مصريًا وسودانيًا خاصًا، بسبب الترابط بين أمن البحر الأحمر واستقرار حوض النيل، فضلًا عن تأثير أي اضطراب في القرن الأفريقي على حسابات الأمن الإقليمي.
وتظل أمام الأزمة عدة مسارات، تبدأ باستمرار التصعيد السياسي والعسكري دون حرب شاملة، مرورًا باحتمال وقوع مواجهات محدودة، وصولًا إلى احتواء التوتر عبر وساطة أفريقية ودولية تعيد فتح قنوات الحوار.






