مش بعيد عنك.. الجو مابقاش زي زمان
«الجو مابقاش زي زمان».. جملة تكررت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة، نسمعها في يوم شديد الحرارة على غير المعتاد، أو خلال صيف يمتد لفترات أطول، أو حتى في منتصف الشتاء حين تبدو الأجواء بعيدة عن الصورة التي اعتدناها.
وغالبًا ما يأتي التعبير الجاهز بعدها: تغير المناخ.
لكن هل كل يوم شديد الحرارة سببه تغير المناخ؟ وهل يمكن أن ننسب كل فيضان أو حريق أو عاصفة نشاهدها إلى الظاهرة نفسها؟
الإجابة ببساطة: لا.
فالطقس والمناخ مفهومان مختلفان، اليوم شديد الحرارة هو حالة من حالات الطقس، وكذلك أسبوع شديد البرودة أو عاصفة أو أمطار غزيرة، أما المناخ فهو الصورة التي تتشكل عندما ننظر إلى أنماط الطقس على مدى فترات زمنية طويلة.
ولهذا فإن يومًا شديد البرودة لا ينفي ارتفاع متوسط درجات حرارة الأرض، كما أن يومًا شديد الحرارة لا يثبت بمفرده أن المناخ تغير، لكن عند النظر إلى الصورة الأشمل، تصبح المؤشرات أكثر وضوحًا.
الأدلة العلمية المتراكمة على مدار عقود تشير إلى أن النشاط البشري، وبشكل أساسي حرق الوقود الأحفوري وما ينتج عنه من انبعاثات، أدى إلى ارتفاع حرارة الأرض. ومع هذا الاحترار، أصبحت موجات الحر أكثر تكرارًا وشدة في مناطق واسعة من اليابسة.
لكن هذا لا يعني أن بالإمكان الإشارة إلى أي موجة حر أو فيضان والقول إن تغير المناخ هو السبب الوحيد وراء حدوثه، فالأحداث المناخية المتطرفة عادة ما تنتج عن مجموعة من العوامل المتداخلة.
ومع ذلك، أصبح العلم قادرًا في حالات كثيرة على طرح أسئلة أكثر دقة: هل جعل تغير المناخ هذا الحدث أكثر احتمالًا؟ وهل أدى إلى زيادة شدته مقارنة بما كان يمكن أن يكون عليه في عالم لم ترتفع حرارته بهذا المعدل؟
وهنا تكمن أهمية فهم العلاقة بين تغير المناخ والطقس المتطرف.
يمكن تبسيط الفكرة بتخيل لعبة نرد تتغير فيها احتمالات ظهور بعض الأرقام، كل رمية تظل مرتبطة بظروفها الخاصة، لكن بعض النتائج تصبح أكثر تكرارًا من السابق، وبطريقة مشابهة، يمكن فهم جزء من تأثير تغير المناخ على الظواهر الجوية المتطرفة.
كيف يصل تغير المناخ إلى حياتنا اليومية؟
قد يبدو تغير المناخ قضية عالمية ضخمة، ترتبط بدرجات حرارة الكوكب والمحيطات وانبعاثات الدول والاتفاقيات الدولية والنماذج العلمية، لكن عند الاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية، سنجد أنه ليس بعيدًا عنا على الإطلاق.
في مصر، لا تحتاج القصة إلى إعصار أو كارثة ضخمة حتى نلمس آثارها.
قد تبدأ بعامل يقضي ساعات طويلة تحت أشعة الشمس، أو أسرة تحتاج إلى تشغيل أجهزة التكييف لفترات أطول، أو أرض زراعية تتأثر بارتفاع درجات الحرارة وتغير معدلات المياه والملوحة، أو مدينة ساحلية تحتاج إلى التفكير من الآن في مستقبل شريطها الساحلي خلال العقود المقبلة.
وتتعامل مصر بالفعل مع عدد من هذه المخاطر باعتبارها تحديات حاضرة، وليست مجرد سيناريوهات بعيدة، ففي دلتا النيل، تُنفذ مشروعات لحماية المناطق المنخفضة من ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف البحرية، في إطار جهود التكيف مع تغير المناخ.
لكن الأهم أن تأثيرات تغير المناخ لا تصل إلى الجميع بالطريقة نفسها.
فاليوم شديد الحرارة لا يعني الشيء نفسه لشخص يعمل ثماني ساعات في مكان مكيف، ولآخر يقضي ساعات عمله في الشارع وتحت أشعة الشمس.
وزيادة الحاجة إلى التبريد لا تعني الشيء نفسه لأسرة تستطيع تحمل فاتورة كهرباء أعلى، وأخرى تضطر إلى حساب استهلاك كل جهاز.
كما أن تغير ظروف الزراعة لا يمثل بالنسبة إلى المزارع مجرد خبر عن تغير المناخ، بل قد يرتبط مباشرة بمصدر دخله ورزقه.
العدالة المناخية.. من يتحمل الثمن؟
من هنا تظهر قضية أكبر هي العدالة المناخية، فالسؤال لم يعد فقط: ماذا سيحدث للكوكب؟
بل أصبح أيضًا: من سيتحمل التكلفة الأكبر؟ ومن يمتلك القدرة الأكبر على حماية نفسه؟ ومن ساهم بالنصيب الأكبر في صناعة المشكلة؟
لهذا يصعب التعامل مع تغير المناخ باعتباره «موضوعًا بيئيًا» فقط؛ لأنه في الواقع يتقاطع مع الاقتصاد والعمل والصحة والغذاء والمياه والمدن، ويمتد إلى أسئلة المساواة والحقوق وتوزيع الموارد والأعباء.
وعندما نقترب من هذه القضية، نكتشف أن تغير المناخ ليس قصة بعيدة تخص المؤتمرات الدولية والأرقام العلمية وحدها، وإنما قضية لها انعكاسات مباشرة على حياة الناس وقراراتهم اليومية.
من التفاصيل الصغيرة تبدأ الحكاية
ربما لا نحتاج دائمًا إلى البحث عن تغير المناخ في الكوارث الكبرى. يمكن أن نبدأ من تفاصيل أكثر قربًا من حياتنا.
من شجرة قُطعت من شارع.
من يوم شديد الحرارة.
من تغير سعر سلعة أو محصول.
من كيس بلاستيك استُخدم مرة واحدة.
من شاطئ اعتدنا الذهاب إليه لسنوات.
ومن هنا يمكن أن نطرح السؤال الأهم: ما الحكاية التي تقف خلف هذه التفاصيل؟ وكيف ترتبط بالتغيرات التي يشهدها العالم من حولنا؟
فتغير المناخ، رغم كل المصطلحات والأرقام والنقاشات الكبرى التي تحيط به، يظهر أحيانًا في تفاصيل صغيرة جدًا من حياتنا.
إنه ليس بعيدًا عنك.


