الرئيسيةملفات

بالأرقام.. كيف اكتوى الاقتصاد المصري بنار تخفيف الأحمال؟

من استيراد الوقود بمليارات الدولارات إلى تراجع الإنتاج والمبيعات وارتفاع تكاليف التشغيل.. فاتورة اقتصادية تكشف تداعيات أزمة الكهرباء

أعادت تصريحات الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، في 22 أكتوبر الجاري، بشأن سيناريوهات التعامل مع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، ملف تخفيف أحمال الكهرباء إلى الواجهة، بعدما أوضح أن الالتزام بالمخصصات المالية المحددة في الموازنة، بالتزامن مع شراء الوقود بالأسعار الجديدة، قد يؤدي في سيناريو افتراضي إلى نقص الإمدادات، واحتمال اللجوء إلى تخفيف الأحمال لمدة تتراوح بين 6 و8 ساعات يوميًا.

ورغم تأكيد الحكومة اتجاهها إلى السيناريو البديل، القائم على تحمّل الموازنة العامة الفارق المالي وتكلفة الوقود الإضافي لتجنب العودة إلى قطع الكهرباء، فإن هذه التصريحات أعادت إلى الأذهان التداعيات الاقتصادية للأزمة السابقة، التي امتدت من يوليو 2023 حتى 20 يوليو 2024، وشملت قطاعات الإنتاج والتجارة والخدمات.

وفي هذا السياق، تعود «ليبرالي» إلى بيانات وتقديرات وشهادات مرتبطة بتلك الفترة، لرصد أبرز الأعباء التي تحملها الاقتصاد المصري، بدءًا من تكلفة تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وصولًا إلى تراجع الإنتاج والمبيعات وارتفاع نفقات التشغيل لدى عدد من الأنشطة الاقتصادية.

وتشير التقديرات القطاعية والتصريحات المتاحة إلى أن تداعيات الأزمة لم تقتصر على تكلفة استيراد الوقود، بل امتدت إلى مشروعات ومنشآت اضطرت إلى تقليص نشاطها أو تشغيل مولدات بديلة، في ظل غياب حصيلة رسمية موحدة تحدد إجمالي الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تخفيف الأحمال.

أسباب الأزمة.. ارتفاع الاستهلاك وتراجع إمدادات الغاز

من يوليو 2023 إلى يوليو 2024، أرجعت وزارة الكهرباء ورئاسة مجلس الوزراء أزمة تخفيف الأحمال آنذاك إلى موجات الحر الشديدة والارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة خلال أشهر الصيف، وهو ما أدى إلى زيادة معدلات استهلاك الكهرباء لتتجاوز 35 ألف ميجاوات يوميًا.

وتزامن ذلك مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي وانخفاض ضغوط شبكات الوقود المغذية لمحطات التوليد، ما وضع الحكومة أمام خيارين، تدبير شحنات إضافية من الوقود لتأمين احتياجات المحطات، أو اللجوء إلى قطع التيار الكهربائي لساعات يوميًا بهدف ترشيد الاستهلاك.

فاتورة الوقود.. مليارات الدولارات لتأمين الكهرباء

على مستوى الموازنة العامة وتكلفة استيراد الوقود، أشارت تصريحات وبيانات رسمية صادرة عن رئيس مجلس الوزراء والمتحدث باسم الحكومة إلى تخصيص نحو 1.18 مليار دولار لشراء شحنات عاجلة من الغاز الطبيعي المسال والمازوت، بهدف تأمين احتياجات محطات الكهرباء ووقف انقطاع التيار خلال فترات الذروة في عام 2024.

كما أوضحت البيانات الحكومية أن تشغيل المحطات بكامل طاقتها لتفادي تخفيف الأحمال يتطلب تدبير واردات إضافية من الوقود بتكلفة تتراوح بين مليار و1.2 مليار دولار شهريًا، لا سيما مع بلوغ الفجوة بين الإنتاج والاحتياجات التشغيلية نحو 4 جيجاوات خلال فترات الذروة الصيفية.

وتعكس هذه الأرقام حجم الضغوط التي فرضتها أزمة الكهرباء على الموازنة العامة، إذ تطلب تجنب انقطاع التيار توفير موارد مالية إضافية لتأمين الوقود اللازم لاستمرار تشغيل المحطات.

الصناعة.. تراجع إنتاج مصانع الحديد وارتفاع تكاليف التشغيل

امتدت تداعيات تخفيف الأحمال إلى القطاع الصناعي، حيث تأثرت معدلات التشغيل لدى عدد من المنشآت التي تعتمد على الكهرباء بصورة مباشرة في عمليات الإنتاج.

وبحسب تصريحات أحمد الزيني، ممثل شعبة مواد البناء باتحاد الغرف التجارية، تسبب انقطاع التيار الكهربائي المجدول لمدة ثلاث ساعات في تأثر نحو 20% من مصانع الحديد المعتمدة على الكهرباء، مع انخفاض طاقتها الإنتاجية بنسبة وصلت إلى 5% خلال فترات الفصل.

ولم تقتصر الأعباء على تراجع الإنتاج، إذ اضطر عدد من المصانع والمنشآت إلى الاعتماد على مولدات الديزل لتفادي توقف خطوط الإنتاج الحساسة أو تعرض المواد الخام والمستلزمات للتلف.

وفي هذا السياق، قدّر ممثلو جمعيات المستثمرين ارتفاع تكاليف التشغيل بنسب تراوحت بين 20% و30% لدى المنشآت التي لجأت إلى المولدات البديلة، بما أضاف أعباءً جديدة إلى نفقات الإنتاج.

التجارة والمطاعم.. تراجع المبيعات وخسائر المخزون

لم يكن قطاع التجارة والتجزئة بعيدًا عن تداعيات انقطاع الكهرباء، إذ أشارت متابعات شعب التموين والبقالين والمطاعم بالغرف التجارية في القاهرة وعدد من المحافظات إلى تراجع المبيعات اليومية بنسب تراوحت بين 15% و25% خلال ساعات الانقطاع.

وارتبط هذا التراجع بتوقف أجهزة التبريد والتكييف، إلى جانب انخفاض إقبال المستهلكين على بعض الأنشطة التجارية والمطاعم والمقاهي خلال فترات انقطاع التيار.

كما تكبدت منشآت صغيرة ومتوسطة، خاصة العاملة في تجارة الألبان والمنتجات المجمدة، خسائر مباشرة نتيجة تلف كميات من المخزون الغذائي خلال فترات الفصل الممتدة، وهو ما زاد الضغوط على أنشطة تعتمد على استمرار التبريد للحفاظ على منتجاتها.

الدواجن.. ارتفاع الأسعار وضغوط على المنتجين والمستهلكين

انعكست أزمة الكهرباء كذلك على قطاع الدواجن، مع زيادة الضغوط التشغيلية على المزارع وارتفاع معدلات النفوق، وفقًا لما أورده التقرير بشأن تداعيات الأزمة خلال تلك الفترة.

وتشير الأرقام الواردة إلى ارتفاع أسعار الدواجن بنسب تراوحت بين 20% و25%، إذ ارتفع سعر الكيلو في المزرعة من نحو 69 إلى 78 جنيهًا، ثم إلى مستويات تراوحت بين 88 و89 جنيهًا، بالتزامن مع زيادات في أسعار البيض والدواجن البلدية والساسو، وتراجع المعروض نتيجة خسائر الإنتاج.

وزادت هذه التطورات الأعباء على المنتجين والمستهلكين معًا، لا سيما أن صغار المربين يمثلون، بحسب التقديرات الواردة، نحو 70% من العاملين في القطاع، وفي الوقت الذي واجه فيه المنتجون ارتفاع تكاليف التشغيل وخسائر الإنتاج، تأثر المستهلكون بزيادة الأسعار وتراجع قدرتهم الشرائية.

الاتصالات.. تراجع مؤقت في كفاءة شبكات المحمول

امتدت الآثار الاقتصادية للأزمة إلى قطاعات البنية التحتية والخدمات، ومن بينها الاتصالات، حيث شهدت بعض المناطق تراجعًا مؤقتًا في كفاءة تغطية شبكات المحمول نتيجة نفاد بطاريات الطوارئ في محطات الشبكة خلال فترات انقطاع الكهرباء الطويلة.

وأثّر ذلك على كفاءة بعض الخدمات الرقمية والإنترنت، بما أضاف بُعدًا آخر لتداعيات الأزمة، في ظل الاعتماد المتزايد على الاتصالات والخدمات الرقمية في الأنشطة اليومية والتجارية.

السياحة والفنادق.. أعباء إضافية لتشغيل مولدات الطوارئ

واجه القطاع السياحي بدوره تكاليف إضافية للحفاظ على استمرارية الخدمات خلال فترات انقطاع الكهرباء، إذ اضطرت الفنادق والمنشآت الفندقية إلى زيادة الإنفاق على الصيانة وتوفير المازوت والديزل اللازمين لتشغيل مولدات الطوارئ.

واستهدفت هذه الإجراءات الحفاظ على جودة الخدمات المقدمة للنزلاء، وضمان استمرار تشغيل أنظمة التكييف والمرافق الأساسية، بما حال دون توقف بعض الخدمات، لكنه فرض في المقابل أعباء مالية إضافية على المنشآت.

فاتورة مزدوجة.. أعباء على الموازنة والقطاع الخاص

تكشف البيانات والتقديرات القطاعية المرتبطة بأزمة تخفيف الأحمال عن أعباء اقتصادية متعددة المستويات؛ فمن جهة، تحملت الدولة تكاليف إضافية لتوفير الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء وتجنب انقطاع التيار، ومن جهة أخرى واجهت منشآت القطاع الخاص تراجعًا في الإنتاج والمبيعات، وارتفاعًا في نفقات التشغيل، وخسائر مباشرة في بعض الأنشطة.

ومع غياب تقدير رسمي موحد لإجمالي الخسائر التي خلفتها الأزمة، تظل الأرقام المتاحة مؤشرًا على اتساع نطاق تداعياتها، التي تجاوزت قطاع الكهرباء لتطال الصناعة والتجارة والدواجن والاتصالات والسياحة.

وتعيد السيناريوهات المطروحة حاليًا بشأن ارتفاع أسعار الطاقة أهمية تقييم تكلفة البدائل المتاحة، ليس فقط من زاوية المخصصات المالية اللازمة لتأمين الوقود، بل أيضًا في ضوء الأعباء التي قد تتحملها القطاعات الإنتاجية والخدمية والمواطنون إذا عادت فترات انقطاع الكهرباء الطويلة.

زر الذهاب إلى الأعلى