سياسة

من البرازيل إلى القاهرة.. لماذا أشعل فوز لولا دا سيلفا فرحة السياسيين المصريين؟

الإحساس بالانتصار على الهيمنة الأمريكية شعور لافت في كتابات الكثير من السياسيين والخبراء

في ليلة الأحد 25 أكتوبر، احتفلت البرازيل بفوز الرئيس لولا دا سيلفا، بولاية رئاسية رابعة غير متتالية، لكن أصداء الانتصار تجاوزت حدود أمريكا اللاتينية، لتصل إلى القاهرة وتتصدر تعليقات قطاع واسع من النخبة السياسية المصرية، فقد حسم دا سيلفا المواجهة أمام السيناتور اليميني المتطرف فلافيو بولسونارو، بحصوله على 51.8% من الأصوات مقابل 48.2% لمنافسه، وبفارق تجاوز 4.4 مليون صوت.

وبنحو 64.3 مليون صوت، سجل دا سيلفا رقمًا قياسيًا في عدد الأصوات التي يحصل عليها مرشح رئاسي في تاريخ البرازيل، في انتصار لم يُقرأ مصريًا باعتباره مجرد نتيجة انتخابية، بل رسالة سياسية تتصل بمواجهة اليمين المتطرف، واستقلال القرار الوطني، والعدالة الاجتماعية، ودعم القضية الفلسطينية.

فوز بطعم رائع 

فوز بطعم رائع على منافسة اليميني المتطرف «حبيب ترامب» كما وصفه الخبير الاستراتيجي الدكتور عمرو الشوبكي، في تدوينته الصباحية، مؤكدًا أن «سيلفا» زعيم تاريخي كبير مزج بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية وآمن بالإثنين معا على عكس بعض رموز اليسار، فاستحق الفوز بولاية جديدة وأخيرة»، مقدمًا التهنئة إلى البرازيل والإنسانية والقضية الفلسطينية وكل من يؤمن بالعدالة والحرية في العالم كله.

هنا تتضح ملامح الرؤية التي ينظر بها قطاع من السياسيين المصريين إلى لولا دا سيلفا، باعتباره رمزًا للعدالة الاجتماعية ومناصرة القضية الفلسطينية ومقاومة الهيمنة الأمريكية، حيث عبّر حمدين صباحي، المرشح الرئاسي الأسبق والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي، عن هذه الدلالات في تهنئته بفوز الرئيس البرازيلي، قائلًا: «ألف مبروك، انتصار لولا دا سيلفا في انتخابات الرئاسة البرازيلية انتصار للأحرار وأنصار فلسطين والساعين للعدل الاجتماعي وحقوق الفقراء والمقاومين للهيمنة الأمريكية».

الإحساس بالانتصار على الهيمنة الأمريكية، شعور لافت كذلك في كتابات الكثير من السياسيين والخبراء، حيث كتب الخبير الاقتصادي الدكتور رائد سلامة، معلقًا على فوز سيلفا :« وفاز دا سيلفا..الأستاذ ترامب يبكي في الزاوية».

ويتوازى هذه المسار، مع تحليل «بلومبرج»، التي قدرت أن النتيجة أوقفت موجة يمينية تجتاح أمريكا اللاتينية، ويأتي ذلك مع فوز تجاوز كذلك شواهد التاريخ، فقد دخل سيلفا الإعادة متأخرًا، ووفق لغة الأرقام، تصدر فلافيو الجولة الأولى بـ47.03% مقابل 45.16%، ومنذ عودة الديمقراطية عام 1989 لم يفز بالرئاسة في الإعادة أي مرشح أخفق في الفوز بالجولة الأولى.

من الشمال الفقير إلى شعبية جارفة

ولد سيلفا في 27 أكتوبر 1945 في الشمال الشرقي الفقير، وهاجرت به أسرته طفلاً إلى ضواحي ساو باولو، عمل ماسحا للأحذية ثم عاملاً في المعادن، وفقد إصبعًا في حادث عمل، قاد إضرابات العمال أواخر السبعينيات في ظل الحكم الاستبدادي للبلاد، وشارك في تأسيس حزب العمال عام 1980، وخسر ثلاث حملات رئاسية قبل أن يفوز عام 2002، ثم حكم حتى 2010 بشعبية جارفة بفضل برامج مكافحة الفقر والجوع.

لكن تعرض لأزمة فيما عرف باسم «قضية لافا جاتو»، حيث تعرض لسجن قرابة العامين، لكن تم تبرئة ساحته ليعود إلى المضمار السياسي، ويفوز عام 2022 بنسبة 50.90% مقابل 49.10% على جايير بولسونارو.

سقوط حليف ترامب ونتنياهو

من مصر إلى البرازيل، كانت مفتاح الحملة الرئاسية وسر الفرحة، واحد، فقد جعل سيلفا حملته استفتاء على استقلال القرار البرازيلي، فحذر من أن خصمه سيسلم سيادة البلاد لترامب، خاصة أن بولسونارو تعهد بالانضمام إلى مبادرة «درع الأميريكتين» الأمنية والسياسية التي يتبناها ترامب.

في نفس المسار الأمريكي، كان موقف نتنياهو ولكن بشكل أوضح، فقد أرسل فيديو دعم لـ«بولسونارو» في مؤتمر حزبه الذي أعلن ترشحه، ثم هنأه بعد الجولة الأولى ودعاه إلى زيارة الكيان الصهيوني، وتعهد الاثنان بتجديد الصداقة بين البلدين، وإعادة تقريب البرازيل من الاحتلال.

في المقابل اتهم سيلفا حكومة نتنياهو في خطابه أمام الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي بارتكاب «جرائم إبادة جماعية» بحق النساء والأطفال في غزة.

القاهرة والإقليم

في مسار آخر، يشكل فوز سيلفا مكسبًا للدولة المصرية، فالقاهرة والبرازيل عضوان في تجمع «بريكس»، واستمرار سيلفا يعني استمرار بلده في مسار الدفع نحو عالم متعدد الأقطاب، في هذا الإطار، هنأ الرئيس عبد الفتاح السيسي، نظيره  سيلفا بمناسبة فوزه مؤكدًا اعتزاز مصر بعلاقات الصداقة التاريخية مع البرازيل وتطلعه إلى مواصلة العمل المشترك لتعزيز شراكة البلدين الاستراتيجية.

كما يشكل فوز سيلفا دعمًا لاتينيا متجددًا للقضية الفلسطينية، فقد اعترفت البرازيل بدولة فلسطين منذ 2010 وتنتقد العدوان المستمر على غزة علنا، وتتضامن مع الخطاب العربي الواسع الداعم للشعب الفلسطيني، وهي خسارة لنتنياهو قبيل دخوله الانتخابات، كما احتفت تقارير إعلامية فلسطينية بفوز سيلفا منها تقرير لشبكة «قدس الإخبارية».

وبذلك يدخل سيلفا ولايته الرابعة كبير السن، بملفات كبيرة وهموم متزايدة تتقاطع فيها السياسية الداخلية مع العلاقات الخارجية مع الاقتصاد، بجانب نصف الناخبين تقريبًا الذين صوتوا ضده، فهل سينجح في استثمار فوزه؟.

زر الذهاب إلى الأعلى