رحيل المنتج حسام علوان.. صانع أحلام السينما المستقلة الذي نحت شعره على حجر صقلية
من المحلة الكبرى إلى المهرجانات العالمية.. رحلة منتج ترك بصمته في ذاكرة السينما المصرية والعربية
رحل عن عالمنا الكاتب والمنتج السينمائي حسام علوان عن عمر ناهز 54 عامًا، بعد معاناة مع مرض السرطان استمرت لأكثر من عام، تاركًا غصة في قلوب صناع السينما وكل من عرفه، وبرحيله، تُطوى صفحة من تاريخ السينما المستقلة، لم تكن طويلة زمنيًا بقدر ما كانت ثرية بالتجارب والأفكار، وبحثًا دؤوبًا عن سينما مصرية مختلفة تنحاز إلى الإنسان وتمنح الهامش مساحة على الشاشة.
من المحلة الكبرى إلى آفاق السينما العالمية
وُلد حسام علوان في ديسمبر 1972 بقرية كفر حجازي التابعة لمدينة المحلة الكبرى، وبدأ شغفه بالفن مبكرًا، فدرس في المعهد العالي للسينما بالقاهرة، قبل أن يحصل على درجة الماجستير في الدراسات السينمائية من جامعة سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة.

وفي بداية التسعينيات، خطا خطواته الأولى في الوسط الثقافي من خلال كتابة القصص، وأصدر مجموعته القصصية «شنطة سفر وحيدة»، كما نشر مقالات في النقد الفني عبر عدد من المنابر الصحفية، وامتد اهتمامه إلى توثيق مذكرات رواد الفن المصري الكلاسيكي، ليحصل عام 1998 على جائزة الدولة للإبداع من أكاديمية الفنون المصرية.
وفي منتصف العقد الأول من الألفية، انتقل علوان إلى العمل الأكاديمي، مدرسًا لتاريخ السينما ونظرياتها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، قبل أن يوسع خبرته بدراسة الإنتاج السينمائي في مؤسسة الرواد السمع بصريين في لوكسمبورج، وهي تجربة أسهمت في تعزيز معرفته بالجوانب الإنتاجية للصناعة.

من النقد إلى الإنتاج.. انحياز لسينما الهامش
لم يتعامل حسام علوان مع الإنتاج السينمائي باعتباره نشاطًا تجاريًا تقليديًا، بل رآه وسيلة لصناعة الأفلام التي يصعب أن تجد طريقها إلى السوق السائدة، ومع تصاعد الحراك الفني المستقل الذي سبق ثورة يناير، بدأ في تحويل هذه الرؤية إلى تجارب عملية، منح من خلالها مساحة لحكايات وشخصيات تعيش بعيدًا عن مركز الصورة.
كانت بدايته الإنتاجية بفيلم «حاوي» عام 2010، الذي صُوّر بالكامل في الإسكندرية، ورصد بحس إنساني حياة شخصيات تعيش في الظل، محاصرة بالفقر والوحدة، لكنها تتمسك بالأمل.
ومن خلال اختياراته، رسخ علوان فلسفة فنية تنحاز إلى الإنسان وتمنح الشخصيات المهمشة فرصة للتعبير عن تجاربها، بعيدًا عن الاشتراطات التجارية التي تحكم جانبًا كبيرًا من صناعة السينما.

من «حار جاف صيفًا» إلى «ستموت في العشرين».. أحلام تتجاوز الحدود
توالت أعمال حسام علوان التي عكست اهتمامه بالحكايات الإنسانية والتجارب السينمائية المختلفة، فقد قدم الفيلم القصير «حار جاف صيفًا»، الذي يجمع بين رجل مسن مصاب بالسرطان وشابة في يوم زفافها بقلب القاهرة، في مواجهة بين فكرة النهاية وبدايات الحياة.
وفي عام 2015، أنتج فيلم «علي معزة وإبراهيم»، الذي تناول الغرابة النفسية والروحية في رحلة للبحث عن الذات والأمل، مستفيدًا من إمكانات إنتاجية محدودة لصناعة تجربة سينمائية ذات خصوصية.
وبعده بعامين، قدم فيلم «زهرة الصبار» عام 2017، الذي اعتمد على بطولة جماعية لنساء يغادرن منازلهن، وينطلقن في رحلة لاكتشاف ذواتهن والعالم المحيط بهن عبر أزقة المدينة.
أما تجربته الأبرز على المستوى العربي، فكانت إنتاج الفيلم السوداني «ستموت في العشرين» عام 2019، المأخوذ عن قصة للكاتب حمور زيادة، واستغرق إنتاج الفيلم نحو ثلاث سنوات، بمشاركة مؤسسات عربية وأوروبية، ليصبح أول فيلم روائي سوداني طويل يُنتج في السودان منذ عقدين.
وحقق الفيلم حضورًا دوليًا لافتًا، إذ حصد جائزة «أسد المستقبل» في مهرجان البندقية السينمائي، والجائزة الذهبية في مهرجان الجونة، والتانيت الذهبي في أيام قرطاج السينمائية، ليؤكد قدرة السينما المستقلة على عبور الحدود والوصول إلى منصات التقدير العالمية.

شغف الذاكرة.. من السينما إلى اقتناء الحكايات القديمة
لم يقتصر اهتمام حسام علوان بالتاريخ على الكتب والأفلام، بل امتد إلى جمع المقتنيات التراثية والأشياء النادرة، من السجاد القديم والخطابات والجوابات إلى التحف التي تحمل آثار الزمن.
كان يتنقل بين الأسواق الشعبية والعتيقة في المدن التي يزورها، من شوارع القاهرة إلى أسواق الإسكندرية، وصولًا إلى رحلاته الأوروبية.
ولم يكن اقتناء هذه القطع هدفًا في حد ذاته، بقدر ما كان مدخلًا للبحث عن حكاياتها، كيف صُنعت، ومن امتلكها، وما الذي شهدته قبل أن تصل إليه.
وبمرور الوقت، تحول منزله إلى ما يشبه متحفًا صغيرًا للذاكرة، يحتفظ بأشياء تحمل آثار أصحابها السابقين وتفاصيل من عصور مضت، وكان هذا الشغف امتدادًا لاهتمامه الأوسع بالتاريخ الإنساني، ورغبته في اكتشاف الحكايات الكامنة خلف الأشياء.

«الشاعر المدعي».. حكاية من أروقة أوروبا
من أكثر الحكايات التي تعكس روح حسام علوان الفنية الساخرة، قصة رواها بنفسه عن إحدى رحلاته إلى إيطاليا، حين كان يقرأ قصيدة «الشاعر هو مدعٍ» للشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا، فقرر أن يتقمص الدور ويقدم نفسه إلى الوسط الثقافي الإيطالي باعتباره شاعرًا مصريًا.
انطلق علوان من افتراض أن أحدًا لن يختبر لغته العربية أو قدرته الشعرية، لكن المصادفة وضعته أمام ناشر يتقن العربية، ليجد نفسه مضطرًا إلى كتابة ديوان شعري في ليلة واحدة، فكتب رسالة مطولة إلى جان أرتور ريمبو وخمس قصائد مطولة، قبل أن تُترجم نصوصه ويُدعى إلى إلقائها في مهرجان روما الشعري إلى جانب كبار الشعراء.
وتواصلت المفارقات مع حصوله على جوائز من جامعة بيروجيا، وتلقيه دعوات من السيناتور لودفيكو كوراو لزيارة صقلية، فضلًا عن عرض قدمه عمدة إحدى القرى الصقلية ليعيش بين أهلها ويصبح «شاعر القرية».
وبعد 15 عامًا، عاد علوان إلى القرية نفسها، ليكتشف أن الأهالي احتفظوا بذكراه، وأن قصائده نُقشت على الحجارة في حدائقهم، لتبقى حاضرة في المكان الذي مر به ذات يوم.
تكشف هذه الحكاية جانبًا من شخصية علوان، الذي جمع بين الحس الساخر وروح المغامرة والانحياز إلى الحرية، وهي السمات التي انعكست أيضًا على اختياراته السينمائية، فقد آمن بأفلام لا تسعى إلى الربح السريع أو استرضاء الذائقة الجماهيرية، بقدر ما تطرح أسئلة إنسانية وتفتح مساحات للنقاش، حتى إن بدت موضوعاتها شائكة بالنسبة إلى السينما السائدة.

لم تقتصر مساهمة حسام علوان على إنتاج الأفلام، بل امتدت إلى توفير منافذ عرض بديلة، من بينها سينما «زاوية» والعروض التلفزيونية، بما أتاح للأعمال المستقلة الوصول إلى جمهورها.
كما كان بوابة عبور لعدد من الوجوه الشابة التي أصبحت لاحقًا من الأسماء البارزة في التمثيل والسينما، من بينهم سلمى سامي وأحمد مجدي وعلي صبحي وفرح يوسف وصدقي صخر.
وساهم كذلك في إتاحة فرص جديدة أمام ممثلين يمتلكون طاقات استثنائية، من بينهم عارفة عبد الرسول وشريف دسوقي وحنان يوسف، بما أتاح إعادة اكتشاف مواهبهم ومنحها مساحة أوسع للظهور.
وامتد تأثيره إلى التجارب الإنتاجية واللغات البصرية التي ألهمت صناعًا آخرين، ووصل أثرها إلى بعض جوانب السينما التجارية والسائدة في مصر، وهكذا لم يكن علوان مجرد منتج يقف خلف الكاميرا، بل شريكًا في بناء مسارات مهنية وإبداعية، وفي توسيع المجال أمام أشكال مختلفة من التعبير السينمائي.

وردة على قبر صاحب «شنطة السفر»
رحل حسام علوان، تاركًا خلفه «شنطة سفر» أخرى، محملة بأفلام جريئة وأفكار صادقة وأحلام وجدت طريقها إلى شاشات المهرجانات وقلوب محبي الفن السابع.
لم تكن قيمة تجربته في عدد الأفلام التي أنتجها وحده، بل في المساحات التي فتحها أمام حكايات مختلفة، وفي إيمانه بأن السينما قادرة على التعبير عن الإنسان حتى في غياب الإمكانات الكبيرة، وأن الصدق الفني لا يحتاج إلى ادعاء كي يترك أثرًا.
برحيله، تفقد السينما المستقلة أحد صناع أحلامها، ويبقى إرثه شاهدًا على تجربة اختارت الحرية والإنسانية طريقًا، وتركت أثرًا يتجاوز عمرها الزمني، من شوارع المحلة الكبرى إلى قرية في صقلية احتفظت بقصائده منقوشة على الحجر.






