الذهب أم العقار؟.. خبراء يرسمون خريطة الاستثمار الآمن في زمن اضطراب الدولار
خبراء اقتصاد: لا يوجد نصيحة مطلقة.. الذهب يوفر السيولة السريعة والعقار لبناء الثروة على المدى الطويل
في كل مرة يبحث فيها المواطن عن ملاذ آمن للادخار، يتجه تفكيره إلى الذهب أو العقار، ومع ارتفاع سعر الدولار، تتجدد تساؤلات المستثمرين حول أفضل السبل للحفاظ على قيمة مدخراتهم وتحقيق عوائد مناسبة، بين الذهب الذي يتمتع بالسيولة وسهولة البيع، والعقارات التي تمثل خيارًا للاستثمار طويل الأجل وتحقيق دخل دوري.
لكن المفاضلة بينهما لا تتوقف على معدلات العائد وحدها، بل ترتبط أيضًا بحجم الأموال المتاحة، والقدرة على تحمل المخاطر، والحاجة إلى السيولة.
وفي هذا السياق، يوضح خبراء اقتصاد، في تصريحات خاصة لـ«ليبرالي»، مميزات كل خيار وعيوبه، والبدائل الاستثمارية المناسبة وفق طبيعة المستثمر وأهدافه المالية.
محيي عبد السلام: السيولة النقدية أولوية في ظل عدم اليقين
قال الدكتور محيي عبد السلام، الخبير الاقتصادي، إن اختيار الملاذ الآمن للاستثمار يرتبط بطبيعة المستثمر والعائد الذي يطمح إلى تحقيقه، ومدى قدرته على تحمل المخاطر، خاصة في ظل حالة عدم اليقين التي يشهدها السوق حاليًا.
وأضاف «عبد السلام»، في تصريحات خاصة لـ«ليبرالي»، أن السيولة النقدية تكتسب أهمية كبيرة في الوقت الراهن، إذ تتيح للمستثمر تحويل أصوله إلى نقد عند الحاجة، وهو ما يمنحه مرونة أكبر في التعامل مع المتغيرات واقتناص الفرص الاستثمارية.

الذهب والفضة للمستثمر الصغير والمتوسط
ورأى الخبير الاقتصادي، أن الفترة الحالية تتطلب ترقب تحركات السوق، خاصة فيما يتعلق بالذهب والفضة، ونصح المستثمرين الصغار ومتوسطي الحجم، الراغبين في الحفاظ على قيمة أموالهم على المدى القصير أو المتوسط، بالنظر إلى هذين المعدنين، لما يتمتعان به من إمكانية التسييل السريع والاستفادة من الفرص الاستثمارية عند ظهورها.
وأشار إلى أن البورصة شهدت خسائر قُدرت بنحو 160 إلى 170 مليار جنيه خلال ليلتين، معتبرًا أن التراجع السريع في أسعار بعض الأسهم، بنسب تراوحت بين 20% و30% خلال فترة قصيرة، قد يتيح فرصًا للشراء، بشرط أن يكون الاستثمار طويل الأجل، مع مراعاة مخاطر السوق.
وفي المقابل، أوضح «عبد السلام»، أن الاستثمار العقاري لا يزال خيارًا متاحًا، لكنه يرى أن السوق يشهد حالة من التشبع، وأن تحويل العقارات إلى سيولة نقدية أصبح أكثر صعوبة، كما أشار إلى صناديق الاستثمار باعتبارها أحد الخيارات المتاحة في ظل حالة عدم اليقين.
الصناعة الزراعية فرصة للمستثمرين الكبار
ونصح «عبد السلام» كبار المستثمرين بالتوجه إلى القطاع الصناعي، خاصة الصناعات الزراعية كثيفة العمالة ورأس المال، مشيرًا إلى أن معدلات العائد على رأس المال في هذا القطاع أصبحت مقبولة جدًا خلال الفترة الحالية.
واختتم حديثه بالتأكيد أن الاقتصاد المصري يمتلك مقومات تساعده على الصمود أمام الأزمات، معتبرًا أن الضغوط الحالية ناجمة، في تقديره، عن عوامل خارجية وليست داخلية بحتة، ومؤكدًا أن المستثمرين الصغار والكبار يمثلون عنصرًا مهمًا في تنشيط السوق المصري.
خالد الشافعي: الذهب أكثر سيولة.. والعقار لبناء الثروة
قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، إن الذهب والعقار من أبرز الملاذات التقليدية لحماية الثروات في فترات اضطراب العملات وارتفاع التضخم، لكن طبيعة كل منهما تحدد مدى ملاءمته لأهداف المستثمر وأفقه الزمني.
وأوضح «الشافعي»، في تصريحات خاصة لـ«ليبرالي»، أن الذهب يتمتع بمرونة وسيولة مرتفعتين، باعتباره أصلًا متداولًا عالميًا ومقومًا بالدولار، ويزداد الإقبال عليه عادة في أوقات التوترات الجيوسياسية وتراجع الثقة بالعملات الورقية.
وأضاف أن البيانات التاريخية للأسواق العالمية تشير إلى تحقيق الذهب معدل نمو سنوي مركب يتراوح بين 14% و16.4% خلال السنوات الأخيرة، بما سمح بمضاعفة قيمته الاسمية أكثر من مرتين، لكنه أشار إلى أن الذهب أصل غير منتج لا يدر عائدًا دوريًا، وتعتمد الأرباح الناتجة عنه على فارق سعر البيع والشراء.
ولفت إلى أن أسعار الذهب قد تتعرض لتقلبات تتراوح بين 10% و20% خلال فترات التصحيح السعري، ما يجعله أداة للتحوط وتوفير السيولة، لكنه لا يمثل الخيار الأمثل لمن يستهدف تحقيق دخل دوري منتظم.

العقار.. عائد إيجاري ونمو طويل الأجل
في المقابل، أوضح «الشافعي»، أن الاستثمار العقاري يمثل خيارًا دفاعيًا طويل الأجل، يجمع بين إمكانية الحفاظ على قيمة رأس المال وتحقيق عائد إيجاري دوري.
وأشار إلى أن معدلات النمو السنوي المركب للعقارات عالميًا تتراوح بين 5.7% و8%، بينما قد تتجاوز 25% إلى 35% سنويًا في بعض الأسواق الناشئة والمناطق التنموية النشطة، بالتزامن مع موجات التضخم وانخفاض قيمة العملة المحلية.
وأضاف أن العقار يوفر عائدًا مزدوجًا من خلال ارتفاع قيمة الأصل والإيجارات، التي تتراوح في المتوسط بين 5% و9% سنويًا من قيمة العقار السكني، وقد تصل إلى 10% أو 14% في العقارات التجارية والإدارية.
ومع ذلك، حذر من انخفاض السيولة العقارية، إذ قد تستغرق عمليات البيع عدة أشهر أو عامًا كاملًا، فضلًا عن تكاليف الصيانة والإدارة التي تقلل العائد الإجمالي.
وأكد «الشافعي»، أن الاختيار بين الذهب والعقار يعتمد على الغرض من الاستثمار؛ فالذهب يناسب من يحتاج إلى سيولة سريعة ومرونة في التعامل مع تقلبات السوق، بينما يناسب العقار من يستهدف بناء الثروة وتحقيق دخل مستمر على المدى المتوسط والطويل.
ودعا إلى تنويع المحفظة الاستثمارية بدلًا من الاعتماد على أصل واحد، مقترحًا تخصيص ما بين 15% و25% للذهب للتحوط وتوفير السيولة، وما بين 50% و60% للعقارات بهدف تنمية رأس المال وتحقيق عوائد دورية.
رشاد عبده: لا توجد نصيحة استثمارية تناسب الجميع
قال الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، إن اختيار الأداة الاستثمارية يرتبط بطبيعة كل شخص وتركيبته النفسية ومدى استعداده لتحمل المخاطر، موضحًا أن المستثمرين يختلفون في أهدافهم وقدرتهم على التعامل مع تقلبات الأسواق.
وأشار «عبده»، في تصريحات خاصة لـ«ليبرالي»، إلى أن المستثمر المتحفظ يفضل الأمان والعائد الثابت، وقد يرفض شراء الذهب عندما ترتفع أسعاره خوفًا من الخسارة، مفضلًا الاحتفاظ بأمواله في البنك للحصول على عائد يساعده على تغطية نفقاته الشهرية.
أما المستثمر المغامر، فيقبل مخاطر أكبر بحثًا عن عوائد مرتفعة، وقد يتجه إلى أسهم الشركات التي تتسم أسعارها بتقلبات حادة، حتى مع احتمالات تحقيق خسائر كبيرة، وفي المقابل، يسعى المستثمر المتوازن إلى تحقيق عائد إضافي مع تحمل قدر محدود من المخاطر، وقد يوزع استثماراته بين الذهب والدولار والعقارات وفقًا لظروفه المالية.

التركيبة النفسية تحكم القرار
وأكد «عبده»، أنه لا توجد نصيحة استثمارية واحدة تصلح للجميع، لأن القرار يرتبط بقدرة المستثمر النفسية والمالية على تحمل الخسائر والانتظار حتى تتعافى الأسواق.
وأوضح أن بعض المستثمرين قد يسحبون أموالهم من البنوك لشراء الذهب أو الأسهم عندما ترتفع أسعارها، لكنهم يسارعون إلى البيع عند أول انخفاض خوفًا من الخسارة، وهو ما قد يحول تقلبات السوق إلى خسائر فعلية بسبب اتخاذ قرارات متسرعة.
واختتم حديثه بالتأكيد أن اختيار الاستثمار المناسب يتطلب فهم طبيعة المستثمر وأهدافه واحتياجاته، إلى جانب تقييم المخاطر والسيولة والأفق الزمني، فلا توجد قاعدة ثابتة تناسب الجميع.



