هل يملك الليبراليون مشروعًا لانتخابات 2030؟
حين أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 17 أكتوبر 2026، أن ولايته الحالية تنتهي في عام 2030، وأنه لا ينوي تعديل الدستور لتمديدها، أصبح أمام الحياة السياسية المصرية موعد واضح للتفكير في المرحلة المقبلة. وبعد أيام، طرح حسام بدراوي في مقاله «من أين يأتي رئيس مصر القادم؟» سؤالًا يتجاوز شخص الرئيس إلى البيئة التي تتكون فيها القيادات السياسية، والفرص التي تتيح لها اكتساب الخبرة والتواصل مع المجتمع قبل الوصول إلى مواقع المسؤولية.
استوقفني هذا النقاش، ودفعني إلى التفكير في موقع التيار الليبرالي المصري من استحقاق 2030. لا أقصد البحث عن اسم مرشح الآن، ولا أرى في عدم ظهور اسم متداول مشكلة في حد ذاته. ما يشغلني هو احتمال أن نصل إلى موعد الانتخابات، بعد نحو أربع سنوات، ثم نكتشف أن السؤال الأصعب لم يكن من يصلح للترشح، وإنما ما إذا كان هناك تيار ليبرالي منظم يستطيع أن يقدم مرشحًا، وأن يمنحه برنامجًا وقاعدة سياسية واجتماعية وفرصة حقيقية لعرض أفكاره على المصريين.
قد يبدو هذا السؤال سابقًا لأوانه، لكن السنوات الأربع المقبلة ليست بعيدة عن النقاش الحالي. فإعداد القيادات لا يبدأ عند إعلان الترشح، كما أن وجود شخصيات عامة تؤمن بالدولة المدنية والحريات وسيادة القانون لا يعني بالضرورة وجود حزب أو مجموعة أحزاب تستطيع تحويل هذه المبادئ إلى مشروع سياسي متكامل. وبين الأمرين مسافة لا يمكن اختصارها في اختيار شخصية تحظى بالقبول أو تتمتع بخبرة سياسية.
وتبدو هذه المسافة أوضح حين ننظر إلى حال الأحزاب في مصر. فمنذ آخر انتخابات للمجالس المحلية في أبريل 2008، لم تُجر انتخابات جديدة. ومنذ ذلك الحين، غابت المجالس المحلية المنتخبة عن الحياة السياسية، وغاب معها أحد المسارات التي يمكن أن تتيح ظهور قيادات سياسية من المحافظات والمدن والقرى، تختبر قدرتها على التعامل مع مشكلات المواطنين قبل الانتقال إلى مواقع المسؤولية الوطنية.
أما انتخابات مجلس النواب الأخيرة، فقد كشفت بصورة أكثر مباشرة عن واقع الحياة الحزبية في مصر. فقد تجلت هندسة المشهد الانتخابي لمصلحة أحزاب بعينها، في ظل نظام القوائم المغلقة وغياب المنافسة الفعلية بين قوائم متعددة. ثم جاءت النتائج لتؤكد هيمنة أحزاب كبرى على المشهد البرلماني، في حين ظل تمثيل أحزاب المعارضة محدودًا، بما يعكس ضيق المساحة المتاحة أمامها للمنافسة والتأثير. ولم تكن هذه النتيجة منفصلة عن الطريقة التي شُكّل بها المشهد الانتخابي منذ البداية.
لهذه الصورة أثر يتجاوز توزيع مقاعد البرلمان. فعندما تُحسم مساحة كبيرة من التمثيل الحزبي من خلال تحالفات وقوائم مغلقة، وتصبح فرص المنافسة محدودة، تتراجع قدرة الأحزاب على اختبار قواعدها أمام الجمهور، وعلى بناء حضور مستقل، وعلى تقديم وجوه جديدة تتعرف إليها الناس من خلال العمل السياسي. ولا يقتصر هذا الأثر على الليبراليين، لكنه يضعهم أمام سؤال خاص. كيف يمكن لتيار لا يملك حضورًا حزبيًا قويًا أن ينتقل إلى المنافسة على الرئاسة، في وقت لا تتاح فيه للأحزاب المساحة اللازمة لبناء هذا الحضور؟
لا أعتقد أن الإجابة يمكن أن تكون تحميل الظروف وحدها المسؤولية، كما لا أرى أن من الإنصاف تجاهلها. فالتجربة منذ يناير 2011 أظهرت أن القوى المدنية والليبرالية لم تتمكن من تحويل ما جمعها من مواقف إلى عمل سياسي متماسك، كما أن الاستقطاب والخلافات حول التحالفات أضعفا قدرتها على الاستمرار. وفي الوقت نفسه، ضاقت المساحة المتاحة للعمل الحزبي المستقل، وأصبحت فرص الوصول إلى المواطنين أكثر صعوبة. ومن المهم أن ننظر إلى العاملين معًا، لأن تجاهل أحدهما لن يساعدنا على فهم وضع التيار اليوم.
لكن السؤال الذي أراه أكثر إلحاحًا لا يتعلق بالتنظيم وحده، بل بما يمكن أن يقدمه هذا التيار إذا أتيحت له فرصة المنافسة. هل لديه تصورات اقتصادية يمكن أن تتحول إلى برنامج واضح، أم أن الخطاب الليبرالي يظل أقوى في الدفاع عن مبادئ الحريات والدولة المدنية منه في طرح بدائل للمشكلات التي تواجه الاقتصاد المصري؟
نحن نتحدث عن اقتصاد يواجه أعباء مرتفعة للدين واحتياجات تمويل كبيرة، وعن مواطنين يشغلهم مستوى المعيشة وفرص العمل وتكلفة الخدمات. وفي الوقت نفسه، يستمر النقاش حول دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وموقع القطاع الخاص، ومدى قدرة الاستثمار والإنتاج والصادرات على توفير نمو أكثر استدامة. ولا يكفي في هذا السياق أن يقال إن إطلاق يد القطاع الخاص هو الحل، أو إن الإصلاح الاقتصادي ضرورة لا بد منها. ما السياسات المقترحة لتحقيق منافسة فعلية؟ كيف يمكن تقليل الامتيازات التي تتمتع بها بعض الجهات في السوق؟ وكيف تُدار كلفة الإصلاح بحيث لا تتحمل الفئات الأقل دخلًا العبء الأكبر؟
هذه أسئلة أطرحها على التيار الليبرالي، لا لأنني أفترض أنه لا يملك إجابات، بل لأنني لا أرى أن الأفكار المتفرقة أو آراء الخبراء، مهما كانت أهميتها، تعادل وجود تصور اقتصادي معلن تستطيع الأحزاب تبنيه ومناقشته والدفاع عنه. وربما يكون الاختبار هنا هو قدرة التيار على الانتقال من الحديث عن اقتصاد السوق إلى تحديد ما يعنيه ذلك في ظروف مصر، بما فيها دور الدولة، وتوفير الخدمات، والحماية الاجتماعية، وتوسيع فرص العمل المنتج.
والأمر نفسه ينطبق على السياسة الخارجية، التي لا يمكن فصلها عن الاقتصاد أو عن الأمن القومي. فإلى جانب غزة والسودان وليبيا وملف مياه النيل، تتزايد التعقيدات المرتبطة بإيران ودول الخليج، وبالعلاقة بين الرياض وطهران، وبالتصعيد مع الحوثيين المدعومين من إيران. وقد أصبحت هذه الملفات أكثر اتصالًا بالمصالح المصرية المباشرة، من أمن البحر الأحمر وباب المندب إلى حركة الملاحة وقناة السويس، فضلًا عن انعكاس الصراعات الإقليمية على التجارة والطاقة والاستثمار.
وفي الأيام الأخيرة، اكتسب هذا النقاش بعدًا مباشرًا بعدما فوّض مجلس النواب الرئيس بتقديم دعم عسكري للسعودية في مواجهة هجمات الحوثيين. ومثل هذا التطور يضع أمام أي تيار سياسي يريد أن ينافس على الحكم أسئلة لا تكفي فيها عبارات عامة عن السلام أو التضامن العربي. ما حدود التزامات مصر الأمنية تجاه السعودية؟ وكيف يمكن حماية المصالح المصرية من دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع؟ وما تقدير كلفة الخيارات العسكرية والدبلوماسية، وعلاقتها بأمن الملاحة وبالأوضاع الاقتصادية الداخلية؟
لا أتوقع أن تكون هناك إجابة واحدة عن هذه الأسئلة، ولا أرى أن الليبراليين يجب أن يتفقوا على كل تفاصيل السياسة الخارجية. لكنني أتساءل عما إذا كانت أحزابنا قد بلورت مواقف واضحة يمكن أن تشكل أساسًا لبرنامج سياسي، أم أن هذه الملفات ستُترك إلى حين اختيار المرشح، ثم تُستكمل في صورة مواقف عامة بحسب تطورات الأحداث. فالسياسة الخارجية لا تبدأ من لقاءات الرئيس مع قادة الدول، بل من فهم المصالح، وتقدير المخاطر، وتحديد الخيارات التي تستطيع الدولة تحمل تكلفتها.
وهنا تعود المسألة إلى الأحزاب نفسها. فالمرشح الذي يحظى بتأييد عدد من الشخصيات العامة قد يكتسب حضورًا، لكن ذلك لا يعني أن وراءه تيارًا قادرًا على إعداد برنامج متماسك أو الدخول في نقاش جاد حول الاقتصاد والسياسة الخارجية. كما أن الاتفاق على أن يكون المرشح مدنيًا لا يحسم ما الذي سيقدمه، ولا يوضح كيف سيتعامل مع الخلافات داخل القوى المؤيدة له. هذه التفاصيل قد تبدو بعيدة عن لحظة إعلان الترشح، لكنها هي التي تحدد ما إذا كان الترشح يمثل مشروعًا سياسيًا أم مجرد رغبة في تقديم بديل.
ويشغلني كذلك ما قد يحدث إذا استمر هذا التأخر. فقد نجد أنفسنا مع اقتراب انتخابات 2030 أمام نقاش يعيد طرح مرشح ذي مرجعية إسلامية أو مرشح من التيار اليساري، بينما لا يكون التيار الليبرالي قد بلور خيارًا واضحًا. ما يثير القلق هو احتمال غياب الخيار الليبرالي لا لأن الناخبين ناقشوه ورفضوه، بل لأن الأحزاب التي يفترض أن تحمله لم تتمكن من إعداده أو الوصول به إلى المجال العام.
ليس مطلوبًا أن يتوحد الليبراليون في حزب واحد، ولا أن يتفقوا على كل القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لكن من الصعب تصور مرشح رئاسي جاد من دون قدر من التعاون بين الأحزاب، وبرنامج يمكن عرضه على الجمهور، وآلية واضحة لاختيار المرشح وتحديد التزاماته، وعلاقة تسمح بمحاسبته إذا تولى المسؤولية. وقد يكون من الطبيعي أن تختلف الأحزاب الليبرالية، لكن السؤال هو ما إذا كانت هذه الاختلافات ستظل سببًا للتفرق، أم يمكن أن تكون أساسًا لتعاون لا يلغي استقلال كل طرف.
أمامنا نحو أربع سنوات. لا أظن أن هذه الفترة تضمن ظهور بديل ليبرالي جاهز، ولا أن العوائق السياسية يمكن تجاوزها بمجرد الرغبة. لكنها تتيح مجالًا للسؤال عما إذا كانت الأحزاب الليبرالية ستتمكن من توسيع حضورها، وتطوير تصوراتها الاقتصادية والخارجية، وطرح قيادات تستطيع أن تتحدث عن هذه التصورات بلغة مفهومة ومتصلة بما يشغل المصريين.
ربما يكون هذا هو الجانب الذي يستحق أن نضيفه إلى النقاش الذي فتحه سؤال حسام بدراوي عن الرئيس القادم. فمصدر القيادة لا يتعلق بالأشخاص وحدهم، وإنما بالأحزاب التي تنشئهم، والخبرات التي يكتسبونها، والبرامج التي يمثلونها، والناس الذين يجدون في هذه البرامج ما يستحق التأييد. وبالنسبة إلى التيار الليبرالي، سيظل السؤال مفتوحًا حتى 2030. ماذا سيكون قد أنجز بحلول ذلك الوقت، وما الذي سيجعل مرشحه المحتمل تعبيرًا عن تيار سياسي له حضور ومشروع، لا مجرد اسم يُطرح حين يقترب موعد الانتخابات؟

