الرئيسيةملفات

من شاشات فيصل إلى محور 26 يوليو وثلاجات فرنسا.. كيف تحولت الأجهزة الذكية إلى ساحة للاختراق السيبراني؟

أعاد عرض محتوى إباحي على إحدى شاشات الإعلانات أعلى محور 26 يوليو، في اتجاه مدينة الشيخ زايد، فتح ملف الأمن السيبراني لشاشات العرض الرقمية، بعدما تحولت لوحة إعلانية على طريق حيوي إلى مصدر للجدل، وأثارت تساؤلات بشأن قدرة المخترقين على الوصول إلى أنظمة البث والتحكم في المحتوى الذي يظهر أمام الجمهور.

وكشف بيان لوزارة الداخلية تعليقًا على الواقعة، أن اللافتة تخص إحدى شركات الإعلانات المتعاقدة مع شركة دولية لبث إعلاناتها إلكترونيًا على الشاشات، وأن موقع الشركة الدولية على الإنترنت تعرض للاختراق، ما أدى إلى بث اللقطات نفسها على الشاشة محل الواقعة وشاشات مماثلة في عدة دول بالتوقيت ذاته.

وأضاف البيان، أن الشركة اتخذت الإجراءات الفنية اللازمة لإيقاف البث على الشاشات التابعة لها لحين معالجة الاختراق واستعادة البث الطبيعي، مع اتخاذ الإجراءات القانونية.

وتعيد الواقعة إلى الواجهة أسئلة جوهرية بشأن تأمين منظومات الإعلانات الخارجية الرقمية، التي تعتمد على الاتصال بالشبكات وإدارة المحتوى عن بُعد، ومدى جاهزية الشركات المشغلة للتعامل مع الاختراقات التي قد تنتقل آثارها من منصة مركزية إلى شاشات موزعة جغرافيًا.

وليد حجاج: تحديد طريقة الاختراق يتوقف على نظام تشغيل الشاشة

أوضح الدكتور وليد حجاج، خبير أمن المعلومات لـ«ليبرالي»، أن تحديد حقيقة واقعة عرض مقاطع غير أخلاقية على إحدى شاشات الإعلانات أعلى محور 26 يوليو، وما إذا كانت ناجمة عن هجوم سيبراني، يتوقف على طبيعة نظام تشغيل الشاشة وآلية التحكم فيها، موضحًا أنه لا يمكن الجزم بوقوع اختراق إلكتروني دائمًا قبل معرفة ما إذا كانت الشاشة تعمل من خلال نظام محلي أم أنها متصلة بالإنترنت.

وتابع حجاج، أن وقائع مماثلة كانت قد حدثت من قبل، وهو ما يعيد تسليط الضوء على ضرورة تأمين شاشات الإعلانات وأنظمة التحكم فيها، خاصة مع تنوع طرق تشغيلها وإدارتها.

وأضاف أن شاشات الإعلانات تتنوع من حيث أنظمة التشغيل ووسائل التحكم، فهناك شاشات تعتمد على أنظمة محلية تُحمَّل عليها المواد الإعلانية من خلال المسؤولين عن تشغيلها، بينما ترتبط أنواع أخرى بشبكات الشركات المسؤولة عن إدارتها، وتتيح التحكم فيها عن بُعد عبر الإنترنت، وهو ما يطرح احتمالات مختلفة بشأن كيفية الوصول إلى النظام والتلاعب بالمحتوى المعروض.

وأشار خبير أمن المعلومات إلى أن الشاشات التي تعمل من خلال أنظمة محلية قد تكون أكثر عرضة للتلاعب في حال ضعف إجراءات التأمين، إذ قد يتمكن شخص من الوصول إلى وحدة التحكم الخاصة بها والتلاعب بالمحتوى، خاصة إذا كانت هناك إمكانية للوصول المادي إلى المعدات، موضحًا أن بعض هذه الأنظمة قد لا يتطلب التعامل معها خبرات تقنية متقدمة، بحسب طبيعة النظام ومستوى الحماية المطبق عليه.

ولفت إلى أن الشاشات المتصلة بالإنترنت قد تتعرض بدورها للاختراق من خلال الوصول غير المصرح به إلى نظام الإدارة أو شبكة الشركة المشغلة، لافتًا إلى أنه لا يمكن استبعاد أي من الاحتمالين في الواقعة الحالية قبل انتهاء الفحص الفني، كما أكد أن دوافع الواقعة قد تكون شخصية أو سياسية، لكن تحديد الدافع أو هوية المسؤول عنها يتطلب أدلة فنية وتحقيقات متخصصة.

وأشار حجاج إلى أن تأمين هذه المنظومة لا يقتصر على الشاشة نفسها، وإنما يشمل وحدات التحكم وكبائن الاتصالات والألياف الضوئية، موضحًا أن وجود قصور في التأمين المادي، مثل ترك بعض الكبائن دون حماية كافية أو وجود تلف في أبوابها، قد يتيح فرصًا للعبث بالمعدات والوصول إلى الأنظمة المرتبطة بها.

وتابع أن الأجهزة الذكية والمتصلة بالشبكات أصبحت عرضة لمحاولات الاختراق، حتى تلك التي لا تبدو مرتبطة مباشرة بالأنظمة المعلوماتية التقليدية، مشيرًا إلى أنه لا توجد حماية مضمونة بنسبة 100%، لكن يمكن تقليل المخاطر من خلال تطبيق إجراءات التأمين المناسبة، وتحديث الأنظمة والبرمجيات باستمرار، ومراقبة الشبكات بصورة دورية، وتأمين الوصول إلى وحدات التحكم، وسد الثغرات الأمنية فور اكتشافها.

واختتم صائد الهاكرز حديثه بالتأكيد على أن مواجهة التهديدات السيبرانية تشبه «لعبة القط والفأر»، إذ تتطور أساليب الاختراق باستمرار، وهو ما يتطلب مواكبتها بتحديث وسائل الحماية والتأمين بصورة دائمة، لمنع تكرار مثل هذه الوقائع والحد من مخاطر استغلال الأنظمة الرقمية في عرض محتوى غير مصرح به.

من فيصل إلى محور 26 يوليو.. سوابق تكشف تعدد طرق التلاعب بالشاشات

لم تكن واقعة محور 26 يوليو الأولى من نوعها في مصر، ففي يوليو 2024، شهدت منطقة فيصل بمحافظة الجيزة واقعة عرض عبارات سياسية مسيئة على إحدى الشاشات الإعلانية، قبل أن تعلن وزارة الداخلية تحديد وضبط فني شاشات إلكترونية على خلفية الواقعة، وفقًا لما نشرته وسائل إعلام مصرية نقلًا عن بيان الوزارة.

وتختلف الواقعتان من حيث التفاصيل والآلية المعلنة، ففي واقعة فيصل، تحدثت التقارير عن فني شاشات إلكترونية، بينما أشار بيان وزارة الداخلية بشأن واقعة محور 26 يوليو إلى اختراق موقع الشركة الدولية التي تتولى بث الإعلانات إلكترونيًا، مع ظهور المحتوى على شاشات مماثلة في عدة دول بالتوقيت نفسه.

اللواء علي محمد أباظة: صلاحيات الدخول والثغرات التقنية محور التحقيق

من جانبه، قال اللواء الدكتور علي محمد أباظة، مدير مباحث الإنترنت الأسبق، أن واقعة عرض محتوى غير أخلاقي على إحدى شاشات الإعلانات بمحور 26 يوليو قد تكون مرتبطة بوجود ثغرة أمنية في نظام البث أو قصور في تأمين البيانات وصلاحيات الدخول إلى النظام، بما أتاح لشخص غير مصرح له الوصول إلى المنظومة والتحكم في المحتوى المعروض، مؤكدًا أن تحديد السبب الحقيقي يتطلب فحصًا فنيًا دقيقًا.

وتابع أباظة، أن التحقيق في مثل هذه الوقائع يعتمد على فحص المنظومة الإلكترونية المستخدمة في تشغيل الشاشات، وتحديد آلية الوصول إليها، وما إذا كان الاختراق ناتجًا عن ثغرة تقنية في النظام نفسه، أو أخطاء في إجراءات التأمين، أو سوء إدارة صلاحيات المستخدمين، مشيرًا إلى أن الخبرات الفنية المتخصصة لدى الجهات المعنية في مصر قادرة على المساعدة في تتبع ملابسات الواقعة وتحديد كيفية حدوثها.

وأضاف أن بعض الاختراقات قد تنتج عن أخطاء تقنية أو قصور في تطبيق إجراءات الحماية، سواء بسبب نقص الخبرة لدى القائمين على تشغيل الأنظمة أو عدم الالتزام بمعايير التأمين اللازمة، لافتًا إلى أن تأمين البيانات يتطلب تحديد الأشخاص المسموح لهم بالوصول إلى أنظمة البث، ومراجعة الصلاحيات الممنوحة لهم، والتأكد من عدم وجود ثغرات يمكن استغلالها للوصول غير المشروع إلى النظام.

وأشار مدير مباحث الإنترنت الأسبق إلى أن دوافع مرتكبي هذه الوقائع تختلف من حالة إلى أخرى، فقد يسعى البعض إلى إثبات قدرتهم على الاختراق أو لفت الأنظار إلى مهاراتهم التقنية، بينما قد تكون هناك دوافع أخرى، من بينها تحقيق أهداف شخصية أو نشر محتوى بعينه، وشدد على أن تحديد الدافع الحقيقي لا يمكن أن يستند إلى التخمين، وإنما يتطلب نتائج التحقيقات الفنية والجنائية.

وأكد أباظة، أن التعامل مع الواقعة يستلزم الجمع بين الفحص الفني والتحقيق الجنائي، لتحديد طبيعة الاختراق، والثغرة التي استُغلت إن وُجدت، وكيفية الوصول إلى نظام البث، والأشخاص الذين كانت لديهم صلاحيات الدخول، فضلًا عن فحص الأدلة الرقمية التي يمكن أن تسهم في تحديد المسؤول عن الواقعة.

وشدد على أهمية تأمين شبكات الاتصالات والأنظمة المرتبطة بها، وتحديث برامج الحماية بصورة مستمرة، ومراجعة إجراءات التشغيل والتأمين لدى الشركات المسؤولة عن إدارة الشاشات، إلى جانب رفع كفاءة العاملين وتدريبهم على التعامل مع التهديدات السيبرانية، مؤكدًا أن الوقاية من هذه الحوادث تتطلب تكامل الإجراءات التقنية مع الرقابة المستمرة والتحقيق السريع عند اكتشاف أي نشاط غير معتاد.

المساءلة القانونية.. ما المسؤولية المترتبة على اختراق الشاشات؟

ومن ناحيته أوضح محمد بركات المستشار القانوني والمحام لدى محاكم الإستئناف العليا ومجلس الدولة، تعليقًا على هذه الواقعة أن تحديد المسؤولية القانونية عن واقعة اختراق منظومة البث الخاصة بشاشات الإعلانات يتوقف على نتائج الفحص الفني والتحقيقات، التي تستهدف تتبع مصدر الاختراق وتحديد الهوية الرقمية للشخص أو الجهة التي نفذت الهجوم، فضلًا عن الكشف عن الوسيلة التقنية التي استُخدمت في الوصول إلى النظام وبث المحتوى غير المصرح به.

وتابع بركات، أن تحديد ما إذا كان مرتكب الواقعة موجودًا داخل مصر أو خارجها يمثل عاملًا مهمًا في مسار التحقيق، إذ قد يستلزم الأمر، حال ثبوت وجود أطراف أو أدلة إلكترونية خارج البلاد، تفعيل آليات التعاون القضائي والأمني الدولي، وفقًا للقوانين والاتفاقيات واجبة التطبيق، للوصول إلى المتهمين وجمع الأدلة الرقمية اللازمة لمحاسبتهم.

وأضاف أن الفحص الفني للمنظومة الإلكترونية وسجلات الدخول والاتصال يمكن أن يسهم في تحديد مسار الاختراق، والكشف عن الثغرات التي استُغلت في تنفيذ الواقعة، بما يساعد جهات التحقيق على تحديد المسؤوليات الجنائية وفقًا للقانون، واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق كل من يثبت تورطه.

وأشار بركات إلى أن المسؤولية قد لا تقتصر على الجانب الجنائي، إذ يمكن بحث أحقية الشركة المتضررة في المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بها، كما يمكن بحث التعويض عن الأضرار التي قد تكون لحقت بجهات أخرى، وفقًا لما يثبت من وقائع وأسانيد قانونية.

وشدد على أن تحديد المسؤولية المدنية والجنائية يتوقف على نتائج التحقيقات، وطبيعة الأضرار، ومدى توافر شروط المسؤولية القانونية.

وأكد المستشار القانوني، أن الوصول إلى مرتكب الواقعة يتطلب تعاون الجهات الفنية المختصة مع جهات التحقيق، مع الاستعانة بآليات التعاون الدولي عند الحاجة، موضحًا أن تحديد مصدر الهجوم وطبيعة الثغرة المستخدمة يمثلان خطوة أساسية للوصول إلى المسؤول عن الواقعة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما في ذلك المطالبة بالتعويضات المستحقة متى توافرت شروطها القانونية.

ثلاجات فرنسا.. عندما يتحول اختراق الأنظمة الذكية إلى خسائر مادية

جديرًا بالذكر أنه لا تقتصر مخاطر الاختراقات السيبرانية على الشاشات الإعلانية، بل تمتد إلى الأجهزة الصناعية والتجارية المتصلة بالإنترنت، وهو ما قد ظهر مؤخرًا في هجوم إلكتروني استهدف أنظمة التبريد في مئات المتاجر الكبرى بفرنسا خلال أكتوبر الجاري.

ووفقًا لتقارير صحفية تمكن المهاجمون من التلاعب عن بُعد بإعدادات أنظمة التبريد في متاجر عدة، ما أدى إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل بعض الثلاجات والمجمدات إلى نحو 50 درجة مئوية، وتلف كميات من الأغذية، فضلًا عن الإبلاغ عن حرائق في بعض المواقع.

وامتدت آثار الهجوم إلى متاجر تابعة لسلاسل تجارية مختلفة، فيما بدأت السلطات الفرنسية تحقيقات لتحديد المسؤولين عن الهجوم وكيفية تنفيذه.

وأشارت تقارير صحفية فرنسية إلى أن بعض الأنظمة المتضررة كانت تعتمد على وحدات تحكم وبرمجيات قديمة، وأن ثغرات أمنية في أنظمة إدارة التبريد، إلى جانب إمكان الوصول إليها عن بُعد، ساهمت في زيادة المخاطر.

كما حذرت السلطات المختصة من ضرورة تأمين الاتصالات وتحديث البرمجيات وتغيير كلمات المرور، مع تجنب إتاحة أنظمة التحكم مباشرة عبر الإنترنت دون حماية مناسبة.

زر الذهاب إلى الأعلى