مقالات

قد تكون كل الأماني ممكنة

تابعت جميع جلسات منتدى مصر، مثل غالبية المصريين المهتمين بالشأن العام، ولن أبخس الحكومة حقها فيما شهدته البلاد من تحولات وتغيرات شعر بها كثير من المصريين بشكل مباشر في حياتهم، وعلى رأسها برنامج «حياة كريمة»، وتطوير القرى المصرية التي عانت الإهمال والتردي ونقص الخدمات لعقود طويلة، واليوم، شعر كثيرون بأهمية مبادرة «حياة كريمة»، واستمرار الحكومة في استكمال مخططاتها، سواء المرحلة الأولى أو الثانية أو الثالثة، حتى تنعم القرى المصرية بالتطوير.

كذلك، لا يمكن إنكار جهود علاج المصريين من فيروس سي وغيره من الأمراض المتوطنة التي تنهش في أجسادهم، والتحول إلى تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، فضلًا عن القضاء على العشوائيات والمناطق الخطرة، وتوفير حياة كريمة لعدد من أهلنا الذين كانوا يعيشون في ظروف صعبة.

ولن أنسى الطرق والمحاور والكباري والمدن الجديدة، والمشروعات العملاقة في مجالات تحلية المياه ومعالجتها، والكهرباء، ومياه الشرب، وغيرها.

في المنتدى، استخدمت الحكومة مختلف المؤثرات والصور الدعائية، لكن هل كان الغرض الواضح من المنتدى هو التأكيد أن كل شيء على ما يرام، وأن على المواطن ألا يتذمر، وأن يتحمل كل تلك الصعوبات والإجراءات القاسية التي اتُخذت حتى ينعم بالإنجازات التي تخطف العيون وتبهر كل من يراها، وكأنه يشاهد إعلانًا تلفزيونيًا؟

قد لا يعرف القائمون على المنتدى أن غالبية المصريين لم يتابعوا جلساته؛ لأنهم منشغلون بمشكلات حياتهم اليومية التي لا تتوقف، مصروفات المدارس والدروس الخصوصية، وتكاليف المأكل والمشرب والرعاية الصحية، وأسعار تلتهم مدخراتهم، ورواتب لا تستطيع مواجهة موجة الغلاء الفاحش، فضلًا عن البطالة والتضخم، فهل عرضت الحكومة هذه المعاناة، أم تجاهلتها كعادتها، ولم تجعلها ضمن أولوياتها، رغم أن الحكومات وُجدت أساسًا لرعاية مواطنيها وتحقيق الرفاهية لهم؟

كنت أتمنى أن يأتي صوت حقيقي من الشارع ليحكي يومه بكل مصداقية؛ موظف بسيط، أو عامل في مصنع، أو أحد أفراد العمالة غير المنتظمة، أو مدرس، أو طبيب، كنت أتمنى أن تستمع الحكومة إلى من كانوا يومًا من أبناء الطبقة المتوسطة، قبل أن يتراجعوا إلى قاع السلم الاجتماعي، بسبب الإجراءات الصعبة التي اتخذتها الحكومة تحت عنوان إصلاح الوضع الاقتصادي.

تحمل المواطنون كل تلك الإجراءات الصعبة على أمل أن تتحسن الأحوال، وأن يخرجوا من عنق الزجاجة إلى المستقبل الذي حلموا به بعد ثورة يناير؛ مستقبل يقوم على العيش الكريم والحرية والكرامة الإنسانية.

أنا شخصيًا أحاسب نفسي كثيرًا، وأسأل: لماذا فشلت ثورة يناير؟ ولماذا غدروا بها وبنا؟ لقد كنا حالمين بواقع أفضل، وحياة أفضل، ونهضة في جميع المجالات، فنحن لسنا أقل شأنًا من دول نشأت بعدنا بقرون، وكنا أسياد العالم، وترك أجدادنا حضارة وإرثًا تاريخيًا عظيمًا، لا يزال العالم يبحث عن أسراره وعظمته، ويتعجب من عبقريتهم في الطب والفلك والهندسة وسائر العلوم.

لو نظر أحد أجدادنا إلينا الآن، لشعر بالحسرة على أحفاده؛ كيف وصل بهم الحال إلى أن يثقلهم الدين، بينما كانت لدى أجدادهم خزائن الأرض؟ لقد تعلم العالم منهم الكثير، في الوقت الذي كان فيه أجدادنا يشيدون القصور والمعابد، بينما كان آخرون يسكنون الكهوف والخيام، ولا يعرفون معنى الدولة بمؤسساتها وجيشها وأنظمتها التي ترعى شؤون البلاد.

كان يجب على القائمين على المنتدى أن يواجهوا المواطنين بالحقيقة؛ نعم، هناك إنجازات، لكن هناك أيضًا إخفاقات وأوجه فشل كبيرة، قد يفوق أثرها ما حققته تلك الإنجازات التي أبهرت العيون.

قاطرة أي أمة هي التعليم، فهل أنتم راضون عما وصل إليه حال التعليم في مصر؟ أعتقد أن الإجابة لا، وألف لا، فلا كثرة الجامعات التي تقوم على استنزاف أموال المصريين تكفي، ولا يوجد بحث علمي يُذكر، ولا تُحتضن المواهب والعباقرة، ولا يبرز علماء يضيئون الدنيا بعلمهم.

فالتعليم هو الذي يصنع شعبًا مسؤولًا، يمتلك الوعي الكافي لاستغلال موارده، وتنمية قدراته، ومعالجة مشكلاته، ولدينا في تجربة سنغافورة مثال وقدوة؛ فمتى بدأت هذه التجربة، وإلى أين وصلت الآن؟

كان يجب أن تُطرح الأسئلة المشروعة داخل المنتدى على من اعتلوا المنصات، وأن يجيبوا عن الأسئلة التي تدور في عقول غالبية المصريين: لماذا وصلنا إلى هذه الحالة من التراجع والضعف والعجز؟ ولماذا غابت الأولويات عن جدول أعمالكم؟

ولماذا استعجلنا أنفسنا في إنجاز كل هذا؟ لقد قال رئيس الوزراء إن ما تحقق خلال 12 عامًا كان يجب أن يتحقق خلال 30 عامًا. فلماذا كانت هذه العجلة، سيدي رئيس الوزراء؟

هل تعلم أن أكثر من 70% من الناتج القومي يذهب إلى سداد تلك القروض؟ وعندما تعرضون زيادات في الأجور والمعاشات، فأين مصادر تمويل كل هذه الوعود؟

مرة أخرى، نشكركم على ما أنجزتموه، ونطلب منكم أن يكون المواطن المصري أولويتكم الأولى في المرحلة المقبلة، سننحني لكم تقديرًا إذا شعر المواطن بقدر من الرضا، واستطاع تلبية احتياجاته الأساسية دون قهر أو معاناة.

أتمنى، وقد تكون هذه الأمنيات هي ما يتمناه كل مصري، أن تصبح الحياة الكريمة واقعًا نعيشه، لا مجرد حلم ننتظره.

زر الذهاب إلى الأعلى