نميرة نجم: إفريقيا شريك كامل في صياغة سياسات الهجرة وليست منفذًا للقرارات الأوروبية
السفيرة ومديرة المرصد الإفريقي للهجرة: تشديد الرقابة على الحدود لا ينهي التهريب.. والضغط على مسارات الهجرة يدفع المهاجرين إلى طرق أطول وأكثر خطورة
شددت السفيرة الدكتورة نميرة نجم، خبيرة القانون الدولي وحقوق الإنسان ومديرة المرصد الإفريقي للهجرة بالاتحاد الإفريقي، على ضرورة أن يقوم الحوار الإفريقي الأوروبي بشأن الهجرة على التكافؤ والتبادل واحترام المصالح والأولويات، مؤكدة أن الدول الإفريقية يجب أن تكون شريكًا كاملًا في صياغة السياسات والقرارات المتعلقة بالقارة، لا مجرد طرف يتلقى التوجهات الأوروبية.
جاء ذلك خلال الكلمة الرئيسية التي ألقتها «نجم» في الاجتماع الموضوعي المشترك لمساري الرباط والخرطوم، الذي عُقد في بروكسل خلال أكتوبر 2026، لمناقشة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر وتعزيز التعاون لمواجهة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
وأكدت أن مواجهة هذه الجرائم لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية وتشديد الرقابة على الحدود، لأن الشبكات الإجرامية تتكيف سريعًا مع التدابير المتخذة، وتنقل أنشطتها إلى مسارات أخرى أكثر طولًا وخطورة، ودعت إلى استجابة متكاملة تجمع بين البيانات الدقيقة والتعاون العملياتي وإنفاذ القانون وحماية حقوق الإنسان.
الهجرة.. قصص إنسانية وراء الأرقام
استهلت «نجم» كلمتها بالتأكيد على أن كل مسار للهجرة يحمل قصة إنسانية؛ فخلف كل إحصائية شخص يبحث عن العمل أو حياة أفضل، أو أسرة باعت ما تملك لتوفير تكلفة رحلة محفوفة بالمخاطر.
وأوضحت أن المهاجرين ليسوا مجرد أرقام، بينما ينظر إليهم المهربون باعتبارهم زبائن، والمتاجرون باعتبارهم سلعًا.
واستعرضت تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعام 2024 بشأن الاتجار بالبشر، الذي أظهر أن ضحايا الاتجار المنحدرين من إفريقيا يصلون إلى وجهات حول العالم أكثر من ضحايا أي منطقة أخرى، كما ارتفع عدد ضحايا الاتجار بالبشر المكتشفين عالميًا بنسبة 25% عام 2022 مقارنة بعام 2019، وشكل الأطفال 38% من إجمالي الضحايا المكتشفين.
ولفتت إلى أن المنظمة الدولية للهجرة وثقت خلال عام 2025 نحو 7900 حالة وفاة واختفاء على مسارات الهجرة عالميًا، بينها نحو 3400 حالة على الطرق البحرية المؤدية إلى أوروبا، شملت 1330 حالة في وسط البحر المتوسط، وأكثر من 1200 حالة على مسار غرب إفريقيا والمحيط الأطلسي المؤدي إلى جزر الكناري.
وأكدت أن هذه الأرقام لا تشمل ما لا يقل عن 1500 شخص فُقدوا في البحر ولم يُتحقق من مصيرهم، محذرة من أن تقليص المساعدات وتقييد المعلومات المتعلقة بعمليات البحث والإنقاذ يزيدان صعوبة حصر الضحايا.

مسارات جديدة ومخاطر متصاعدة
وتطرقت «نجم» إلى امتداد بعض مسارات الهجرة من إفريقيا عبر أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى إلى الولايات المتحدة وكندا، موضحة أن بعض المهربين يتركون المهاجرين في دول بأمريكا اللاتينية بعد إيهامهم بالوصول إلى الولايات المتحدة، ليجدوا أنفسهم بلا وضع قانوني أو فرص عمل، وقد يتعرضون للاستغلال.
وربطت تصاعد هذه المخاطر بالنمو السكاني للشباب في إفريقيا، وعدم مواكبة فرص التنمية والعمل لهذا النمو، إلى جانب الفقر والنزاعات والصدمات المناخية ومحدودية المعرفة بمسارات الهجرة القانونية.
واختصرت هذا الترابط بعبارة «محيطان، قارتان، نمط واحد»، موضحة أن الضغط على مسار للهجرة لا ينهي الحركة، بل قد يدفع المهاجرين إلى طرق أطول وأكثر خطورة.
وأكدت أن الأرقام المعلنة للوفيات والاختفاء والاتجار بالبشر لا تعكس الحجم الكامل للخسائر والانتهاكات، إذ تقتصر على الحالات التي أمكن توثيقها أو اكتشافها، ما يجعل بناء قاعدة بيانات دقيقة وتحليل اتجاهات الهجرة والتنبؤ بها أمرًا ضروريًا لصياغة سياسات فعالة.

التكنولوجيا في خدمة الشبكات الإجرامية
وحذرت «نجم» من استغلال الشبكات الإجرامية المنصات الرقمية ووسائل التواصل في استقطاب المهاجرين وتجنيد الضحايا وإدارة عملياتها عبر الحدود.
واستشهدت بما أورده مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في مايو 2026 بشأن زيادة حالات التجنيد عبر الإنترنت في غرب إفريقيا، وبمشاوراته في 21 ولاية نيجيرية التي كشفت عن استغلال المتاجرين للأوضاع الاقتصادية وتطلعات الأفراد إلى الهجرة.
كما أشارت إلى فجوات معرفية كشف عنها المكتب في يونيو 2026 بشأن استخدام المنصات الرقمية في التهريب، والتهريب عبر الطيران، وتزوير الوثائق.
ودعت إلى منصات مشتركة لتبادل البيانات، وأنظمة إنذار مبكر، وآليات لتبادل الملفات الرقمية بين المحققين وجهات الادعاء، وتعزيز تتبع التدفقات المالية للشبكات الإجرامية.
وأكدت أن فاعلية التكنولوجيا تتوقف على جودة البيانات وكفاءة المؤسسات، وأن استخدامها ينبغي أن يركز على إنقاذ الأرواح ومحاسبة المتورطين، لا مراقبة المهاجرين فقط.

نميرة نجم: تشديد الإجراءات الأمنية وحده لا ينهي التهريب
وشددت على أن المهربين والمتاجرين يطورون أساليبهم بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات على الاستجابة، وأن تشديد الإجراءات الأمنية وحده لا ينهي التهريب، بل قد ينقل نشاطه إلى مسارات أخرى، واستشهدت بتقييم مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لمنطقة الساحل، الذي شمل بوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد وموريتانيا، وأشار إلى ظهور مسارات ومراكز جديدة للتهريب مع تشديد الإجراءات.
كما رصدت المنظمة الدولية للهجرة تراجع الوافدين إلى جزر الكناري عقب تعزيز التعاون في مراقبة الحدود، لكن الرحلات التي استمرت أصبحت أطول وأكثر خطورة وتشتتًا، ولفتت إلى توثيق حالات استعباد للمهاجرين بسبب الديون واختطافهم على أيدي جماعات من غير الدول على الطرق الممتدة من غرب إفريقيا إلى شمالها.
وكشفت ورشة عمل نظمها مركز التنسيق العملياتي القاري (COC) عن نشاط شبكات يديرها متورطون من شرق آسيا داخل إفريقيا، تستغل ضحايا التهريب والاتجار وتحولهم إلى أشخاص مستعبدين، ثم تدفع بهم إلى تهريب مهاجرين آخرين، مع إدارة أنشطتها عبر المنصات الرقمية.
ونبهت «نجم» إلى وجود فجوة قانونية في التعامل مع جرائم التهريب والاتجار بالبشر في البحر، خصوصًا في أعالي البحار، حيث تتنصل دول من مسؤولياتها المتعلقة بملاحقة المتورطين قضائيًا.
وشددت على ضرورة محاكمتهم والإعلان عن نتائج المحاكمات لتحقيق الردع ومنع الإفلات من العقاب.

تنسيق الجهود وتفعيل المؤسسات الإفريقية
ودعت إلى التعامل مع مسار الهجرة باعتباره عملية متكاملة تبدأ من بلدان المنشأ، مرورًا بدول العبور، وصولًا إلى بلدان المقصد.
وأوضحت أن إفريقيا تمتلك أطرًا يمكن البناء عليها، من بينها إطار سياسة الهجرة الإفريقية وخطة العمل 2018-2030، وسياسة الاتحاد الإفريقي لمنع تهريب المهاجرين.
وأشارت إلى أن مفوضية الاتحاد الإفريقي نشرت في فبراير 2026 تقييمًا مرحليًا لتنفيذ إطار سياسة الهجرة، استند إلى مؤشرات ومشاورات مع الدول الأعضاء والتجمعات الاقتصادية الإقليمية، وأسفر عن خمسة تقارير إقليمية وتقرير قاري تجميعي، كما ذكّرت بالاجتماع الموضوعي المشترك لمسارات الرباط والخرطوم والنيجر، الذي عُقد في لاغوس خلال نوفمبر 2025 لمناقشة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.
وأكدت أن التحدي الأساسي يتمثل في ضعف التنسيق بين الجهود، إذ تتوزع البيانات والمسؤوليات العملياتية وحماية الضحايا على جهات مختلفة، بينما تعمل الشبكات الإجرامية عبر الحدود والمؤسسات.
واقترحت تعزيز التعاون بين الدول والمرصد الإفريقي للهجرة ومركز التنسيق العملياتي القاري، ليصبح المرصد مرجعية للبيانات المتعلقة بالتهريب والاتجار والوفيات المرتبطة بالهجرة، من خلال توحيد التعريفات والمؤشرات ونشر الأرقام موضحةً نطاقها وتاريخها، وفي المقابل، يتولى مركز التنسيق ربط البيانات بالسلطات المعنية بإنفاذ القانون والحدود والقضاء والحماية، وتحويل المؤشرات الجديدة إلى تحركات عملية.
وشددت على مواءمة جهود الاتحادين الإفريقي والأوروبي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية ومسارات الرباط والخرطوم والنيجر، لمنع الازدواجية وضمان وصول التمويل وبرامج بناء القدرات إلى الجهات المستحقة.
وأكدت أن الهدف ليس إنشاء جهاز بيروقراطي جديد، بل تفعيل المؤسسات القائمة وقياس أدائها بمؤشرات تشمل الملاحقات القضائية وحماية الضحايا والأرواح التي جرى إنقاذها.

حماية الضحايا معيار نجاح السياسات
وفي الجانب الحقوقي، أكدت «نجم» ضرورة التمييز بين تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر باعتبارهما جريمتين مختلفتين قانونيًا، رغم تداخلهما أحيانًا، إذ قد يتحول المهاجر الذي استعان بمهرب إلى ضحية للاستغلال والاتجار.
وشددت على أن ملاحقة الشبكات الإجرامية يجب أن تسير بالتوازي مع حماية الضحايا؛ فالملاحقة دون حماية تخذل من تعرضوا للاستغلال، والحماية دون تفكيك الشبكات تتركها قادرة على مواصلة أنشطتها.
واعتبرت أن نجاح السياسات لا يُقاس بعدد من مُنعوا من عبور الحدود، بل بالقدرة على تفكيك الشبكات وحماية الضحايا وإنقاذ الأرواح وتوفير قنوات هجرة آمنة ومنتظمة وتحسين موثوقية البيانات.
واختتمت بالتأكيد على أن الهدف ليس وقف الهجرة، باعتبارها جزءًا طبيعيًا من حركة البشر والتنمية، وإنما الحد من الاستغلال وصون الكرامة الإنسانية وإدارة الهجرة بصورة آمنة وقانونية، قائلة: «كل مسار يحكي قصة، لا يمكننا إعادة كتابة قصص أولئك الذين فقدناهم بالفعل، لكن يمكننا أن نقرر كيف ستكون نهاية القصص القادمة».
وشهد الاجتماع، الذي ترأست أعماله هولندا وأوغندا، مشاركة ممثلين عن الحكومات والجهات المعنية بالهجرة وإنفاذ القانون والمنظمات الدولية.
وألقت الدكتورة كاتارينا شوارز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأشكال المعاصرة للرق والاتجار بالأشخاص، كلمة عبر رسالة مصورة، إلى جانب مايكل شوتر، مدير شؤون الحدود والهجرة ومكافحة التهريب بالمفوضية الأوروبية.
وشارك من الجانب المصري الوزير المفوض كريم أبو العينين، نائب مساعد وزير الخارجية للهجرة الدولية ومكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، والملحق الدبلوماسي لانا دراج بقطاع الهجرة.
وعُقد الاجتماع في إطار الحوار بين مساري الرباط والخرطوم، بتمويل من الاتحاد الأوروبي وتنفيذ المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة، ضمن برنامج دعم الحوار الإفريقي الأوروبي بشأن الهجرة والتنقل.






