مد سن المعاش.. و«التقاعد المرن» في الجمع بين العدالة والاستدامة
بدأت الحكومة الإجراءات التنفيذية لقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 الذي ينص علي التدرج في رفع سن التقاعد إلي 65 بحلول الأول من يوليو 2040، بهدف تعزيز استدامة النظام، لكن نجاح القانون يتطلب التوازن بين الاعتبارات المالية واحتياجات المجتمع؛ لأن سن المعاش لم يعد شأنًا يخص الموظف وحده، بل قضية تمس استقرار الأسرة وفرص الشباب ومستقبل منظومة التأمينات.
المعاش مصدر أمان لآلاف الأسر، والعمل مساحة للإنتاج والاستقلال والاستفادة من الخبرات المتراكمة، بينما ينتظر الشباب فرصًا حقيقية لبناء مستقبلهم.
وتُظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، استقرار معدل البطالة عند 6.3% عام 2025، بينما تسجل بطالة الشباب (15 إلى 29 عامًا) نحو 13.2%، وهي مؤشرات تؤكد ضرورة تبني سياسات تشغيل متوازنة، دون افتراض أن استمرار كبار السن في العمل يأتي بالضرورة على حساب الأجيال الجديدة.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن استمرار بعض العاملين في وظائفهم، مع مواصلة سداد الاشتراكات وفق القواعد القانونية، قد يعزز موارد التأمينات ويؤجل صرف بعض المعاشات، غير أن تحديد صافي الأثر يتطلب دراسة اكتوارية تقارن الاشتراكات الإضافية بتكاليف المعاشات والمزايا والإنتاجية العامة.
وهنا تبرز أهمية تطبيق «التقاعد المرن»، عبر آليات تنفيذ واضحة ومحددة منها:
أولًا، وضع معايير معلنة لمد الخدمة الاختياري والمحدد المدة، وفق احتياجات فعلية وتقييم مهني وصحي دوري.
ثانيًا، تحديد التخصصات التي تعاني نقصًا في الخبرات، خصوصًا بعض الوظائف الطبية والفنية والاستشارية، مع مراعاة طبيعة المهن الشاقة والخطرة.
ثالثًا، إتاحة العمل الجزئي والعقود المرنة حيثما تسمح طبيعة الوظيفة، وربط استمرار الخبراء بنقل المعرفة وتدريب الشباب.
رابعًا، مراجعة النتائج دوريًا عبر مؤشرات تقيس الاستدامة المالية وجودة الخدمات وفرص التشغيل.
وتقدم التجارب الدولية، ومنها اليابان وبعض الدول الأوروبية، نماذج متطورة لاستمرار العمل بعد سن التقاعد أو تقليص ساعات العمل تدريجيًا، كما تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2025 إلى أن متوسط التوظيف بين الفئة العمرية من 65 إلى 69 عامًا يبلغ نحو 36% للرجال و23.7% للنساء، مع تفاوت واضح بين البلدان، بما يبرز أهمية تهيئة سوق العمل، لا الاكتفاء بتعديل السن.
كلمة أخيرة
ليست القضية في أن يعمل المصري حتى الخامسة والستين، أو يتقاعد عند الستين، بل في أن نضع لكل مهنة القاعدة التي تناسبها، ولكل إنسان الفرصة التي تحفظ كرامته وقدرته على العطاء.
فاستدامة المعاشات لا تتحقق بمد الأعمار الوظيفية وحده، كما أن تشغيل الشباب لا يتحقق بإقصاء الخبرات؛ وإنما بسياسة متوازنة تجمع بين الاستفادة من خبرة الكبار، وفتح مسارات حقيقية أمام الأجيال الجديدة، وحماية من أنهكتهم طبيعة العمل.
الإصلاح الناجح لا يفرض سنًا واحدًا على واقع متنوع، بل يصمم حلولًا مرنة تحقق العدالة والاستدامة معًا.



