نهاد شعبان

في زحمة الحياة اليومية ووتدخل التكنولوجيا في كافة تفاصيل حياتنا، اختفت أشياء كثيرة من حولنا دون أن ننتبه، لم تختفِ فجأة، ولم تعلن رحيلها، لكنها بدأت في الاختفاء تدريجيًا، تاركة وراءها فراغًا خفيًا لا يقاس بالحجم، بل بالإحساس، وتفاصيل صغيرة كانت جزءًا من يومنا العادي، من ذاكرتنا، من طقوسنا اليومية، ولكنها الأن في طريقها إلى أن تصبح مجرد ذكرى.

ورق المجلات بالأكشاك
كانت الأوراق بالأكشاك أكثر من مجرد جرائد ومجلات، حيث كان الكشك الصغير نافذتنا الأولى على العالم، وفي الصباح الباكر يقف الناس أمام الأكشاك يتصفحون العناوين، ويتجادلون حول الأخبار، أو يختارون مجلة خفيفة لبداية اليوم، في الوقت الذي كانت فيه رائحة الورق وملمسه، وحتى صوت تقليب الصفحات طقوسًا يومية لا يمكن استبدالها أو التخلي عنها، أما اليوم تحول كل ذلك إلى شاشة هاتف، فالأخبار تصلنا قبل أن نبحث عنها، والمجلات أصبحت تطبيقات، والكشك نفسه فقد جزءًا كبيرًا من دوره، لم يعد الوقوف أمامه عادة، بل استثناء، ومع اختفاء ورق الكشك، اختفت لحظة التأمل البسيطة التي كانت تسبق قراءة الخبر، تلك اللحظة التي كنا نختار فيها ما نقرأ، لا ما يُفرض علينا.

تذاكر الأتوبيس
كانت تذكرة الأتوبيس الورقية شيئًا بسيطًا للغاية، لكنها كانت تحمل معنى الرحلة نفسها، بلونها، ورقمها، وحتى طريقة تمزيقها، كلها كانت تفاصيل مرتبطة بالحركة اليومية للناس، كما أن البعض كان يحتفظ بها في جيبه دون سبب، والبعض الآخر يطويها بعناية، كأنها جزء من يومه يجب الاحتفاظ به، أما اليوم فقد استبدلتها الكروت الذكية والتطبيقات، ولم يعد هناك كمسري يمر بين الركاب بصوته المميز، ولا تلك اللحظة العابرة التي تتبادل فيها نظرة أو كلمة مع شخص غريب، وجاءت التكنولوجيا التي سهلت كل شيء، لكنها ألغت تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تضيف طابعًا إنسانيًا للرحلة.

رنات التليفونات
في وقت ما كانت رنة الهاتف تعبر عن صاحبها، نغمة مميزة تعلن عن ذوقك، أو شخصيتك، وربما حالتك المزاجية، كان الناس يتفاخرون برناتهم، يتبادلونها عبر البلوتوث، أو يبحثون عن أحدثها، أو يستخدمونها للسؤال عن الحال أو كنوع من أنواع التواصل بمجرد رنة هاتف فقط، أما الآن فقد اختفت تلك الظاهرة تقريبًا، وأصبحت معظم الهواتف صامتة، أو على اهتزاز، وحتى عندما ترن غالبًا ما تكون النغمة افتراضية لا تميز أحدًا عن الآخر، ومع التقدك التكنولوجي تغيرت علاقتنا بالصوت كما تغيرت علاقتنا بالتواصل نفسه، فلم يعد الاتصال حدثًا بل مجرد إشعار.

شرائط الكاسيت
القائمة أطول مما نتصور فهناك شرائط الكاسيت، وأيضًا ألبومات الصور الورقية، والمنبهات التقليدية، والرسائل المكتوبة بخط اليد، كلها أشياء كانت تحمل طابعًا شخصيًا لا يمكن نسخه أو استبداله بسهولة، وأصبح اليوم كل شيء قابل للحفظ والنسخ والمشاركة، لكنه فقد شيئًا من روحه، والسبب في حدوث ذلك ليس غامضًا، فالتكنولوجيا، والسرعة، والسعي نحو الراحة، كلها عوامل دفعت هذه التفاصيل إلى الهامش، وأصبح العالم أكثر كفاءة، لكنه أقل حميمية، لم نعد نحتاج إلى كثير من الأشياء، لأن البدائل الرقمية تقدم كل شيء بشكل أسرع وأسهل.

ما الذي فقدناه فعلا؟
ما اختفى ليس مجرد أدوات، بل لحظات انتظار، وتفاعل، واختيار، وحتى ملل، وهذه التفاصيل الصغيرة كانت تخلق إيقاعًا للحياة، وتجعل كل يوم مختلفًا قليلًا عن الآخر، أما اليوم فأصبح كل شيء متشابهًا، سريعًا، ومباشرًا، والغريب أن هذه الأشياء، رغم اختفائها، لم تُنس بل على العكس، أصبحت مصدر حنين، نراها في صور قديمة، أو في مشاهد من أفلام، فنشعر بشيء دافئ يصعب تفسيره، ربما لأن هذه التفاصيل كانت أكثر صدقًا، أو لأنها كانت جزءًا من زمن أقل تعقيدًا، وربما لن تعود هذه الأشياء كما كانت، لكن بعض ملامحها بدأت تظهر من جديد، حيث أن هناك من يعود لشراء الكتب الورقية، أو الاحتفاظ بصور مطبوعة، أو حتى استخدام نغمات قديمة، ليست عودة كاملة، لكنها محاولة لاستعادة الإحساس، لا الأداة.






