نهاد شعبان

لم تكن عودة الفنانة شيرين عبد الوهاب إلى الغناء مجرد طرح أغنية جديدة على موقع “يوتيوب”، بل بدت أقرب إلى لحظة إنسانية مكثفة، تختلط فيها الدموع بالأمل، والضعف بالقوة، والانكسار بمحاولة الوقوف من جديد، ومن خلال تصريحاتها الأخيرة في أول مداخلة هاتفية مع الإعلامي عمرو أديب، ببرنامج “الحكاية” عبر فضائية “إم بي سي مصر”، بعد أزمتها الصحية، كشفت شيرين عن كواليس عودتها عبر أغنية “الحضن شوك”، لكنها في الحقيقة كانت تروي حكاية أعمق بكثير من مجرد تسجيل عمل فني؛ كانت تحكي عن نفسها، عن امرأة خاضت معركة قاسية مع الحياة، وقررت أن تعود.

رهبة البدايات
تقول شيرين بصوت يحمل ارتعاش الذكرى:” أنا أول ما دخلت الاستوديو إيدي كانت متلجة وضربات قلبي ارتفعت، غنيت الأغنية وعنيا مغمضة”، جملة قصيرة، لكنها تختصر حالة إنسانية معقدة، فالفنانة التي اعتادت مواجهة الجمهور بثقة، وجدت نفسها أمام اختبار داخلي صعب، كأنها تغني لأول مرة، أو ربما تعود للحياة لأول مرة، ولم تخفِ شيرين طبيعة العلاقة التي تربطها بالغناء، بل أكدت أنها تتجاوز فكرة العمل أو الشهرة قائلة إن:” الغناء بالنسبالي مش شغل ولا فلوس، الغناء حياة”، وهذا التصريح يكشف لماذا كانت فترة ابتعادها قاسية إلى هذا الحد، فحين يبتعد الإنسان عن مصدر حياته، يشعر كما لو أنه يفقد جزءًا من نفسه.

أزمات متتالية
خلال السنوات الماضية، مرت شيرين بسلسلة من الأزمات التي لم تكن خافية على الجمهور أو وسائل الإعلام، من أزمات شخصية وعائلية، إلى خلافات قانونية ومهنية، وصولا إلى الحديث المتكرر عن حالتها النفسية والصحية، وكلها عوامل تراكمت لتشكل ضغطًا هائلًا على واحدة من أبرز الأصوات في العالم العربي، كما تناولت الصحف المحلية والعربية تلك الأزمات بتفاصيل متعددة، بعضها كان موثق عبر بيانات رسمية، وأخرى عبر تصريحات مقربين، لتؤكد أن شيرين كانت تعيش واحدة من أصعب مراحل حياتها، وتعترف شيرين بذلك بصراحة لافتة :” أنا بومب ومش بخاف عليا، بس مريت بضغط نفسي كبير الفترة إللي فاتت، وبقيت حساسة جدًا، ممكن كلمة زي صباح الخير تتقال بطريقة مش حلوة تخليني أعيط”، هذه الجملة تكشف جانبًا هشًا في شخصية فنانة اعتاد الجمهور رؤيتها قوية ومتمردة، لكنها هنا تظهر بوجه إنساني صادق، يعاني من فرط الحساسية نتيجة الضغوط.

رحلة علاج
تجربتها العلاجية كانت نقطة تحول أساسية في مسارها، حيث تحدثت عنها بوصفها “ولادة جديدة”، قائلة:” أنا كنت في منتجع واتعالجت، وكأني كنت بتولد من جديد”، هذا الوصف ليس مبالغة بقدر ما هو انعكاس لشعور حقيقي بالتحرر من عبء نفسي ثقيل، العلاج كما يبدو من حديثها، لم يكن مجرد إجراء طبي، بل رحلة لإعادة اكتشاف الذات، وخلال هذه الرحلة، لم تكن شيرين وحدها، فقد حرصت على توجيه رسائل شكر مؤثرة لكل من وقف بجانبها، مؤكدة أن الدعم الإنساني كان له دور حاسم في قدرتها على التعافي، حيث تحدثت عن عزيز الشافعي قائلة:” عامل زي الدادة، بيجي يخدني من البيت ويرجعني”، في صورة تعكس علاقة تتجاوز العمل إلى رعاية إنسانية حقيقية.


دعم إنساني
كما أشادت بمواقف عدد من الفنانين، مثل محمود الليثي الذي قالت إنه “جاب عفش وفرشلي شقة وسط عيلته”، وأحمد سعد الذي وصفته بأنه “أخويا اللي أمي مجبتهوش”، وهيفاء وهبي التي دعمتها معنويًا، والفنانة زينة التي كانت “أكتر حد واقف جنبي” واهتمت بأولادها، وهذه الشهادات تكشف شبكة دعم إنساني نادرة في الوسط الفني، حيث غالبًا ما تطغى المنافسة على العلاقات، ولم تنسَ شيرين دور الجمهور، الذي وصفته بأنه “إللي وقفني على رجلي”، وهذا الاعتراف يعكس إدراكها لقيمة الحب الذي تلقته، حتى في أصعب لحظاتها، وربما كان أحد الدوافع الرئيسية لعودتها.

حياتها الشخصية
واللافت في تصريحات شيرين أيضًا أنها لم تكتفِ بالحديث عن نفسها، بل عبرت عن حلم إنساني واسع:” نفسي الدنيا كلها ما يبقاش فيها أي حروب، نعيش شوية في سلام ونفرح”، وهذا التحول من الخاص إلى العام يعكس حالة تصالح مع الذات، حيث يصبح الألم الشخصي مدخلا للتعاطف مع العالم، أما عن حياتها الشخصية، فقد لمحت إلى جانب أكثر هدوءًا، حين تحدثت عن ابنتها التي سافرت لاستكمال دراستها، قائلة بابتسامة:” لكن أنا هفضل صغيرة ومش هكبر”، وهي جملة تحمل خفة ظل معروفة عنها، لكنها أيضًا تعكس رغبتها في التمسك بالحياة رغم كل ما مرت به.

اختبار العودة
عودة شيرين عبر “الحضن شوك” تأتي في توقيت حساس، حيث يترقب الجمهور ما إذا كانت هذه العودة ستكون بداية مرحلة جديدة بالفعل، أم مجرد محطة عابرة، لكن المؤشرات، سواء من حالتها النفسية التي تبدو أكثر استقرارًا، أو من الدعم الكبير الذي تتلقاه، أو حتى من شغفها الواضح بالغناء، كلها توحي بأن هذه العودة قد تكون مختلفة، كما تشير مسيرتها خلال السنوات الماضية إلى أن شيرين كانت قادرة على النهوض بعد السقوط، لكن هذه المرة تبدو التجربة أكثر عمقًا، وكأنها أعادت تشكيلها من الداخل، وربما لهذا السبب تبدو تصريحاتها أكثر صدقًا، وأقل تصنعًا، وأكثر قربًا من الناس، ورغم ذلك لا يمكن الجزم بمستقبل هذه العودة، لكن المؤكد هذه المرة أن شيرين عبد الوهاب لا تعود فقط بصوتها، بل بروح جديدة، روح تعرفت على هشاشتها، وتعلمت كيف تتعامل معها، وقررت رغم كل شيء أن تغني من جديد، وبين “إيد متلجة” في الاستوديو، وقلب عاد للحياة، تقف شيرين اليوم على بداية طريق جديد، طريق قد يعيدها ليس فقط إلى قمة الغناء، بل إلى نفسها أولاً.








