
بعد نشر موقع ليبرالي أمس صورًا توثق أعمال بناء بمحيط مدخل معبد كلابشة جنوب مدينة أسوان، قامت الجهات المعنية بالآثار اليوم بتغطية تلك الإنشاءات بغطاء أخضر، بدلاً من إزالة أسباب الأزمة أو معالجة التشوه البصري الذي أثار حالة من الجدل بين المهتمين بالتراث والآثار.
ويأتي ذلك في ظل انتقادات متزايدة لطريقة التعامل مع المناطق الأثرية، خاصة مع ما اعتبره متابعون “حلاً شكليًا” لا يعالج جوهر المشكلة المتعلقة بالحفاظ على الهوية البصرية والتاريخية للموقع الأثري.

وفيما يخص الجدل المثار حول ما نشره “ليبرالي” بخصوص تشويه مدخل معبد كلابشة بأسوان، قالت أستاذة علم المصريات، الدكتورة مونيكا حنا، إن ما حدث في واقعة معبد كلابشة بأسوان يعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب الرؤية العلمية والتخطيط السليم في إدارة الملف الأثري، مؤكدة أن المشكلة لا تتعلق بحادث فردي بقدر ما ترتبط بمنهج كامل في التعامل مع المناطق الأثرية ومحيطها.
وأضافت لـ”ليبرالي” أن غياب المنهجية العلمية الواضحة في إدارة وحماية المواقع الأثرية أصبح أحد أبرز التحديات التي تواجه قطاع الآثار في مصر، موضحة أن المتخصصين والخبراء في مجالات الآثار والترميم والحفاظ المعماري لا يشاركون بالشكل الكافي في صناعة القرار، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تكرار مثل هذه الأزمات.
وأكدت مونيكا، أن تطوير قطاع الآثار والحفاظ الحقيقي على التراث المصري يتطلب الاستعانة بالمتخصصين والخبراء الأكاديميين وأصحاب الخبرة العلمية، مشيرة إلى أن هناك عددًا كبيرًا من الباحثين والمتخصصين لديهم استعداد كامل للمساهمة في حماية الآثار المصرية وتقديم خبراتهم دون أي مقابل، انطلاقًا من مسؤوليتهم تجاه الحضارة المصرية وتراثها الإنساني الفريد.

وفي هذا الصدد، قال رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، إن الحملة تلقت خلال الساعات الماضية عددًا كبيرًا من الصور والشكاوى الواردة من أثريين ومرشدين سياحيين ومهتمين بالحضارة المصرية، توثق وجود تشوهات وآثار سلبية ناتجة عن مخلفات الطيور بالمعبد، مطالبين بسرعة التدخل للحفاظ على القيمة الحضارية والجمالية للأثر.
وأوضح “ريحان” أن هذه الرسائل تعكس حالة الغضب والحزن لدى المصريين المحبين لتراثهم الحضاري، مؤكدًا أن الحملة تناشد وزير السياحة والآثار والأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، بالتدخل العاجل لإزالة مظاهر التشويه ومعالجة الآثار الناتجة عن تراكم مخلفات الطيور بصورة علمية تضمن الحفاظ على النقوش الجدارية والأثر التاريخي للمعبد.

وأضاف أن الأستاذ الدكتور حسين ماري، أستاذ متفرغ بجامعة القاهرة، أبلغه بوجود رسالة ماجستير نوقشت عام 2023 بقسم الترميم بكلية الآثار بجامعة القاهرة، تناولت أساليب تنظيف النقوش الجدارية بالمعابد من مخلفات الطيور والتكلسات، واقترحت عددًا من التركيبات العلمية الفعالة التي يمكن الاستفادة منها في أعمال التنظيف والترميم وفق أحدث الأساليب العلمية المتخصصة.
وأشار رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية إلى أن هذا التحرك يأتي باعتباره تفويضًا معنويًا من قطاع واسع من المصريين الغيورين على آثار بلادهم، والذين يطالبون بسرعة التحرك لحماية التراث المصري من أي تشوهات أو ممارسات تسيء إلى قيمته الحضارية والإنسانية، مؤكدًا ضرورة الرجوع إلى الدراسات والأبحاث الأكاديمية المتخصصة لضمان تنفيذ أعمال التنظيف والترميم بالشكل العلمي السليم.
واختتم “ريحان” تصريحاته بتوجيه الشكر لكل المصريين المهتمين بالحفاظ على آثارهم وتراثهم الحضاري، مشيدًا بحرصهم الدائم على ظهور المواقع الأثرية المصرية في أفضل صورة تليق بمكانتها العالمية.

وفي المقابل، رد الخبير السياحي عبد الناصر صابر، مؤكدًا أن تبريرات الوزارة “غير منطقية”، مشيرًا إلى أن الجزيرة كان يمكن استغلال جوانب أخرى منها لإنشاء المرسى والخدمات بعيدًا عن الواجهة البصرية للمعبد.

وأوضح “صابر” أن :” إعمال الفكر والاجتهاد يفرضه الحفاظ على عظمة المكان”، مضيفًا أنه كان من الممكن، على غرار ما هو معمول به في معابد فيلة، إنشاء المباني الخدمية أمام مكتب الشرطة على الضفة الشرقية بدلاً من وضعها في مواجهة الصرح الرئيسي “البايلون”، مضيفًا أن :”التشويه غير مبرر على الإطلاق، وأي زائر بمجرد نزوله من المركب سيشاهد هذا القبح البصري”.

ودعا الخبير السياحي إلى تنظيم زيارة ميدانية تضم صحفيين ومسؤولي الآثار وعددًا من المرشدين السياحيين لمعاينة الموقع على الطبيعة، مؤكدًا أن “التصوير لم يزوّر الحقيقة بل نقلها كاملة”، على حد وصفه، منتقدًا ما وصفه بغياب المتابعة الدورية للموقع، قائلًا إن داخل المعبد يعاني من تراكم مخلفات الحمام البري حتى في قدس الأقداس وعلى الأعمدة، معتبرًا أن هذه المشكلات أولى بالاهتمام من تبرير المشهد الحالي.





