ليست منديلاً ونظارة سوداء.. كيف كسرت النجمات الصورة التقليدية لأم كلثوم؟

نهاد شعبان

في حضرة “الست”.. 6 فنانات جسدن أسطورة أم كلثوم بين الإبداع والمقارنة

تبقى أم كلثوم واحدة من أكثر الشخصيات الفنية تأثيرًا في التاريخ العربي، ليس فقط بسبب صوتها الاستثنائي ومسيرتها الفنية الطويلة، وإنما أيضًا لما تمتعت به من حضور وهيبة وشخصية معقدة جمعت بين القوة والذكاء والبساطة والصرامة، لذلك لم يكن تجسيد شخصيتها على الشاشة مهمة سهلة، بل ظل تحديًا كبيرًا أمام النجمات اللاتي اقتربن من عالم “كوكب الشرق”، فكل فنانة حاولت تقديم جانب مختلف من حياتها، بين المرأة القوية، والفنانة الأسطورة، والإنسانة التي عاشت صراعات ومشاعر خاصة بعيدًا عن الأضواء.

وعلى مدار سنوات طويلة، ظهرت شخصية أم كلثوم في أعمال فنية متعددة، تنوعت بين الدراما التليفزيونية والسينما، ونجحت بعض النجمات في ترك بصمة قوية لدى الجمهور، بينما حاولت أخريات تقديم رؤية مختلفة للشخصية بعيدًا عن الشكل التقليدي المعروف عنها.

صابرين.. الوجه الأقرب لذاكرة الجمهور
تظل الفنانة صابرين من أكثر الفنانات ارتباطًا في أذهان الجمهور بشخصية أم كلثوم، بعدما قدمتها في مسلسل أم كلثوم الذي عُرض في نهاية التسعينيات وحقق نجاحًا جماهيريًا واسعًا، واستطاعت صابرين وقتها أن تقترب بشكل لافت من روح كوكب الشرق، سواء من خلال الأداء الصوتي وطريقة الحديث، أو لغة الجسد ونظرات العين التي اشتهرت بها أم كلثوم.

تميزت صابرين بأنها لم تعتمد فقط على المكياج أو الملابس، بل قدمت حالة كاملة جعلت المشاهد يشعر بأنه أمام أم كلثوم بالفعل، خاصة في مراحل الصعود الفني والصراع مع المجتمع المحافظ في بداياتها، كما ساعدها السيناريو في إظهار الجوانب الإنسانية والعملية في شخصية المطربة الكبيرة، وهو ما جعل هذا العمل حتى اليوم مرجعًا دراميًا مهمًا لكل من يتناول سيرة أم كلثوم.

فردوس عبد الحميد.. قراءة درامية في “كوكب الشرق”
الفنانة فردوس عبد الحميد قدمت شخصية أم كلثوم في فيلم كوكب الشرق، حيث ركز العمل على الجوانب الدرامية في حياة المطربة الشهيرة، وعلاقتها بالمجتمع والفن والسياسة، واعتمدت فردوس عبد الحميد على الأداء الهادئ والرصين، وهو ما تناسب مع صورة أم كلثوم المعروفة بالوقار والقوة.

ورغم أن الفيلم لم يحقق الانتشار الجماهيري الضخم الذي حققه مسلسل “أم كلثوم”، فإن أداء فردوس عبد الحميد حظي بإشادة نقدية، خاصة لقدرتها على نقل شخصية المرأة التي كانت تدير حياتها وفنها بحكمة شديدة، وتفرض حضورها على الجميع.

ياسمين رئيس.. أم كلثوم الإنسانية
أما الفنانة ياسمين رئيس فظهرت بشكل مختلف في فيلم البحث عن أم كلثوم، الذي لم يكن سيرة ذاتية تقليدية، بل عملاً يناقش تأثير شخصية أم كلثوم على النساء والفنانات، ويركز على الجانب الإنساني والنفسي فيها أكثر من التركيز على الحكاية المعروفة للجمهور.

وقدمت ياسمين رئيس ملامح مختلفة لكوكب الشرق، بعيدة عن الصورة الجامدة المعتادة، حيث ظهرت المرأة التي تحمل مشاعر وأزمات وتناقضات إنسانية، ورغم اختلاف الفيلم وطبيعته الفنية، فإن التجربة اعتُبرت محاولة جريئة لإعادة قراءة الشخصية من زاوية جديدة.

سهر الصايغ وريهام عبد الحكيم.. مراحل متعددة لصوت “الست”
شاركت الفنانة سهر الصايغ في تقديم شخصية أم كلثوم خلال بعض مراحل حياتها في مسلسل “أم كلثوم”، حيث جسدت سنوات الشباب والبدايات الأولى، واستطاعت أن تعكس ملامح الطموح والإصرار لدى الفتاة الريفية التي تحولت لاحقًا إلى أسطورة غنائية.

أما الفنانة ريهام عبد الحكيم فقد لعبت دورًا مهمًا في تقديم صوت أم كلثوم داخل العمل، مستفيدة من قدراتها الغنائية الكبيرة، وهو ما أضفى مصداقية فنية على الأغاني والمشاهد الغنائية التي ارتبط بها المسلسل.

وشكل التعاون بين الأداء التمثيلي والغنائي عنصرًا أساسيًا في نجاح العمل، خاصة أن شخصية أم كلثوم لا تعتمد فقط على الشكل أو الأداء الدرامي، بل على الإحساس الصوتي والحضور الفني الطاغي.

منى زكي.. رؤية جديدة في “الست”
مؤخرًا، أعادت الفنانة منى زكي تقديم شخصية أم كلثوم من خلال فيلم الست، في تجربة أثارت اهتمامًا واسعًا منذ الإعلان عنها، خاصة أن منى زكي تُعرف بقدرتها على تقديم الشخصيات المركبة والصعبة.

واستطاع الفيلم أن يقدم رؤية مختلفة لشخصية أم كلثوم، بعيدًا عن القوالب التقليدية، مع التركيز على الجوانب النفسية والإنسانية والشخصية في حياتها، وليس فقط مسيرتها الفنية، كما أن العمل يعتمد على معالجة معاصرة تحاول الاقتراب من المرأة خلف الأسطورة، وهو ما جعل الجمهور متحمسًا لمعرفة الشكل الجديد الذي ستظهر به “الست”خلال الفيلم.

لماذا تبقى شخصية أم كلثوم صعبة؟
يبقى تجسيد شخصية أم كلثوم تحديًا استثنائيًا لأي ممثلة، لأن الأمر لا يتعلق بالشكل فقط، بل بحالة كاملة صنعتها واحدة من أهم الشخصيات الفنية في العالم العربي، فأم كلثوم ليست مجرد مطربة، وإنما رمز ثقافي واجتماعي وسياسي، ارتبطت بوجدان أجيال كاملة.

كما أن الجمهور العربي يحتفظ بصورة ذهنية شديدة الخصوصية لكوكب الشرق، ما يجعل أي محاولة لتقديمها على الشاشة خاضعة لمقارنات دقيقة وانتقادات واسعة. لذلك فإن النجاح في هذه الشخصية يحتاج إلى مزيج من الأداء التمثيلي القوي، والقدرة على استحضار الكاريزما، وفهم طبيعة المرحلة التاريخية التي عاشت فيها.

ورغم اختلاف التجارب الفنية، فإن كل ممثلة اقتربت من شخصية أم كلثوم حاولت أن تقدم جانبًا مختلفًا منها، فهناك من ركزت على الأسطورة الفنية، وأخرى اهتمت بالمرأة القوية، وثالثة بحثت عن الإنسانة البسيطة خلف الأضواء، لتبقى شخصية أم كلثوم أكبر من أي عمل فني واحد، لأنها حالة فنية وإنسانية متفردة، لا تزال تلهم الأجيال حتى اليوم، وتفتح الباب دائمًا أمام محاولات جديدة لاكتشاف أسرار “الست” التي لم تغب يومًا عن ذاكرة الفن العربي.