حسام الخشت
حسام الخشت

“عز العرب” والسوق الذي خاف من السؤال

جملة واحدة قالها المصرفي المخضرم هشام عز العرب في لقاء متلفز كانت كفيلة بقلب حالة واسعة من الجدل داخل سوق التمويل غير المصرفي.

والحقيقة أن المسألة ليست فقط في مكانة الرجل أو ثقله المهني، رغم أنه يعد واحدًا من أبرز المصرفيين في المنطقة والعالم، لكن الأهم أن السوق نفسه بدا وكأنه تلقى الكلمات، باعتبارها لمست شيئًا حساسًا وموجودًا بالفعل تحت السطح، لأن الأسواق القوية لا تهتز من تصريح.

أما حين يتحول تصريح واحد إلى حالة دفاع جماعي وارتباك واسع، فهذه إشارة تستحق التوقف والتفكير.

ما قاله هشام عز العرب، بقراءته بهدوء، لم يكن هجومًا على التمويل غير المصرفي، ولا دعوة لهدم السوق أو وقف نموه، الرجل تحدث عن ضرورة تشديد الرقابة على بعض الأنشطة، وتطبيق المعايير بشكل متوازن، وطرح سؤالاً مشروعًا حول قدرة أي جهة رقابية على متابعة أكثر من 2500 شركة مالية غير مصرفية تعمل في أنشطة متعددة ومتباينة المخاطر.

والسؤال في حد ذاته ليس اتهامًا لأحد، بل ربما يكون السؤال الطبيعي الوحيد أمام سوق نما بهذه السرعة خلال سنوات قليلة جدًا، فنحن لا نتحدث عن نشاط محدود، وإنما عن منظومة ضخمة تشمل التمويل الاستهلاكي والتأجير التمويلي والتخصيم والتمويل العقاري ومتناهية الصغر ومنصات التكنولوجيا المالية والصناديق، وكلها تتحرك بسرعة كبيرة داخل اقتصاد يعيش ضغوطًا معيشية وتمويلية غير مسبوقة، وهنا جوهر القضية.

التمويل غير المصرفي ليس عدوًا للبنوك أصلاً، بل في كثير من الأحيان هو امتداد لها وذراع مكمل للنشاط المصرفي، خاصة في المحافظات والمناطق التي يصعب على البنوك الوصول إليها بالكفاءة نفسها، هذه الشركات تمول شرائح واسعة، وتخلق نشاطًا اقتصاديًا وفرصًا للبيع والتشغيل، كما أن جزءًا كبيرًا من تمويلها يأتي أساسًا من البنوك نفسها، وبالتالي فالمصلحة مشتركة والاستقرار مصلحة جماعية للجميع.

لكن في المقابل، هناك واقع آخر لا يمكن تجاهله، فقبل تصريحات هشام عز العرب بيوم واحد فقط، كنت أتابع ما يحدث في بعض مناطق الصعيد، وكيف تحولت الحاجة أحيانًا إلى حالة من الضغط الاجتماعي القاسي، وكيف أصبح بعض الناس يدخلون دوائر من الالتزامات المتراكمة فقط لمحاولة سد احتياجات أساسية، لم يعد الأمر متعلقًا بشراء رفاهيات أو تحسين مستوى معيشة فقط، بل أحيانًا بتغطية احتياجات يومية في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة.

ومن هنا جاء طلبي للإحاطة بشأن ما يرتبط بظاهرة الغارمين والغارمات وبعض أنماط التمويل مرتفع التكلفة، ليس بهدف الهجوم على السوق أو تخويف الناس من التمويل، ولكن لمحاولة فهم ما إذا كانت بعض الممارسات تحتاج إلى مراجعة أو ضبط أكبر يحمي الناس ويحافظ على الاستقرار الاجتماعي.

ثم جاءت بعد ذلك تصريحات إحدى الشركات الكبرى بشأن انخفاض معدل التعثر لديها إلى 1.24% رغم امتلاكها حصة سوقية تتجاوز 26.5% من السوق، لتفتح بابًا جديدًا من الأسئلة أكثر مما قدمت من إجابات، خاصة مع وجود متوسطات أخرى معلنة على مستوى القطاع، بل ومع ما أورده تقرير الاستقرار المالي للبنك المركزي من ارتفاع القروض غير المنتظمة في شركات التمويل الاستهلاكي إلى 6.6%.

وهنا جاء تحرك الدكتور محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، بطلب الإحاطة الذي نقل النقاش إلى مستوى فني حين طرح اسئلة مرتبطة بجودة الائتمان، وتفسير التباين في نسب التعثر، ومدى كفاية الرقابة مع هذا التوسع السريع جدًا في التمويل الرقمي والاستهلاكي.

وهنا تظهر الصورة بشكل أوضح: فطلب الإحاطة الذي تقدمت به كان ينطلق من زاوية اجتماعية وإنسانية مرتبطة بما يحدث على الأرض، بينما تحرك الدكتور محمد فؤاد انطلق من زاوية اقتصادية وفنية مرتبطة بالأرقام والاستقرار المالي. وفي الحقيقة، الزاويتان تكملان بعضهما تمامًا.

لأن أي سوق مالي لا يقاس فقط بحجم النمو والأرباح، وإنما أيضًا بقدرته على الاستمرار دون أن يخلق هشاشة اجتماعية أو ضغوطًا ممتدة على الفئات الأضعف.

والأخطر هنا أن جزءًا من النمو الحالي يحدث داخل مجتمع يعاني أصلاً من تحول الاستهلاك الممول بالدين لأحد محركات النشاط الاقتصادي، وهذه ليست مجرد قضية مالية، بل قضية مرتبطة بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه.

الأسواق لا تُحمى بالصوت العالي، ولا بحملات التخوين أو الحساسية المفرطة تجاه أي نقاش، الأسواق تُحمى بالشفافية، والرقابة القوية، والقدرة على مواجهة الأسئلة الصعبة قبل أن تتحول إلى أزمات حقيقية.

ولا أحد يطالب بحرمان الناس من التمويل أو من حقهم في تحسين مستوى حياتهم، لكن في المقابل، لا يجوز أيضًا أن يتحول أي حديث عن المخاطر إلى تهمة، أو أي سؤال عن جودة الائتمان إلى معركة دفاع عصبي.

لأن السوق الذي يخاف من السؤال… هو سوق يعرف في داخله أن هناك شيئًا يحتاج فعلاً إلى مراجعة.