منى شماخ
منى شماخ

حواراتنا بين صناعة الوعي وضجيج الجدل

تمر المجتمعات بمراحل من القوة والضعف، ولكل مرحلة نوعيتها الخاصة من القضايا الفكرية. ففي أوقات القوة تطرح القضايا الجادة التي تهدف إلى تغيير المجتمع والارتقاء به، أما في أوقات الضعف، فتنتشر الأفكار “الهلامية” التي لا تهدف إلا إلى إثارة الجدل، وتُدخل المنشغلين بها في دائرة مغلقة تتطابق فيها نقطتا البداية والنهاية.

أرى أن مجتمعاتنا تعيش جانبًا من هذه الحالة اليوم. فكل فترة تظهر قضية، أو ما يريد البعض أن يجعلها كذلك، فتشتعل حولها النقاشات، وتتسابق وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى الاحتفاء بها وتحويلها إلى محور للحديث العام. تتعدد الآراء، وترتفع الأصوات، ويتبادل الجميع التفسيرات والاتهامات، ثم فجأة ينتهي الموسم، وتختفي القضية كما ظهرت، وكأن شيئًا لم يكن.

المشكلة ليست في مناقشة القضايا القديمة أو الاختلاف حولها؛ فالمجتمعات الحية تحتاج دائمًا إلى الحوار وإعادة النظر في أفكارها وموروثاتها. كما أن إعادة طرح مشكلات قديمة للبحث عن حلول جديدة تتناسب مع العصر أمر ضروري لأي عملية تطوير حقيقية. فالأفكار لا تتجدد إلا بالنقاش، ولا تتطور المجتمعات إلا بإعادة اختبار مسلماتها على ضوء المتغيرات الجديدة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القضايا إلى “قضايا مُعلّبة”، وتتحول معها الحلول إلى “حلول مُعلّبة” أيضًا. فلا نسعى إلى فهم جديد، ولا نقدم رؤى مختلفة، بل نعيد إنتاج المواقف نفسها والحجج نفسها والانقسامات نفسها، وكأن الزمن لم يتحرك خطوة واحدة إلى الأمام. وبدلًا من محاولة تقديم قراءات جديدة لهذه القضايا القديمة، نكتفي بالتحيز لآراء سابقة والدفاع عنها، فنكرر النقاشات ذاتها ونصل إلى النتائج ذاتها.

والحقيقة أن القضايا التي تشغل الرأي العام ليست مجرد موضوعات للنقاش، بل مرآة تعكس أولويات المجتمع ومستوى وعيه وقدرته على التمييز بين ما هو جوهري وما هو عابر. فالحوار ليس مجرد تبادل للأفكار والكلمات، بل أداة لفهم الواقع وتشخيص المشكلات والبحث عن حلول. لذلك فإن الفرق كبير بين الحوارات الهادفة التي تناقش القضايا الحقيقية، وبين الجدل العقيم الذي يستهلك الوقت والجهد دون أن يضيف معرفة أو يقدم حلولًا.

الحوارات الهادفة هي تلك التي تتناول القضايا المرتبطة بحياة الناس ومستقبلهم، من تعليم وصحة واقتصاد وعدالة اجتماعية وحقوق إنسان وبحث علمي وتحديات بيئية. وهي حوارات لا تستهلك الجهد في الجدل، بل توظفه في فهم المشكلات والبحث عن حلول واقعية لها.

ويرجع انتشار ظاهرة “قضايا الإلهاء” إلى أسباب أعمق من مجرد البحث عن المشاهدات أو التفاعل، فعندما تتعثر المجتمعات في مواجهة مشكلاتها الكبرى، أو تفقد الثقة في قدرتها على التأثير في مسار الأحداث، يصبح الانشغال بالقضايا الهامشية نوعًا من الهروب الجماعي من الأسئلة الصعبة إلى الأسئلة الأسهل.

كما أن تراجع دور المؤسسات الفكرية والثقافية والتعليمية في إنتاج الأفكار والرؤى الجديدة يترك فراغًا سرعان ما تملؤه موضوعات الجدل السريع. فحين يغيب المشروع الفكري القادر على توجيه النقاش العام نحو قضايا المستقبل، تتقدم إلى الواجهة قضايا لا تتطلب معرفة حقيقية بقدر ما تتطلب مواقف وانحيازات مسبقة.

ومن الأسباب أيضًا ضعف ثقافة الحوار والإنتاج المعرفي. فبدلًا من البحث عن حلول جديدة للمشكلات القائمة، يصبح الجدل ذاته هدفًا قائمًا بذاته. وينتقل الاهتمام من السؤال: “كيف نحل المشكلة؟” إلى السؤال: “من انتصر في النقاش؟”. وهكذا يتحول الحوار إلى معارك رمزية بين معسكرات متقابلة، لا إلى مساحة مشتركة للبحث عن حلول.

كذلك فإن بعض هذه القضايا لا تُطرح بهدف الوصول إلى نتائج، بل لأنها توفر مادة سهلة لإثارة الانقسام والاستقطاب. فالقضايا المرتبطة بالهوية أو العادات أو المعتقدات أكثر قدرة على استنفار المشاعر وإشعال الجدل من القضايا المتعلقة بالتنمية والتعليم والاقتصاد، رغم أن الأخيرة هي الأكثر تأثيرًا في حياة الناس ومستقبلهم.

لذلك لم يعد غريبًا أن تتصدر المشهد ما يمكن تسميته بـ”قضايا الإلهاء واستنزاف الوعي”، وهي قضايا تُمنح من الاهتمام ما يفوق قيمتها وتأثيرها الحقيقيين. فقد تتحول تصريحات عابرة لأحد المشاهير، أو خلاف شخصي على مواقع التواصل الاجتماعي، أو جدل حول مظهر فنان أو لاعب كرة، إلى قضية رأي عام تستحوذ على الاهتمام لأيام، بينما تمر قضايا أكثر أهمية دون نقاش جاد أو متابعة كافية.

أما نتائج هذا التوجه فليست بسيطة كما قد يظن البعض. فعندما تنشغل المجتمعات بالقضايا الهامشية، تتراجع مساحة النقاش حول المشكلات الحقيقية. ويؤدي ذلك إلى تشتيت الرأي العام وإضعاف قدرته على ممارسة الرقابة والمساءلة، كما يساهم في نشر السطحية وتقليل الاهتمام بالمعرفة والتحليل. والأسوأ من ذلك أنه يمنح انطباعًا زائفًا بأن المجتمع يتفاعل ويناقش، بينما تبقى القضايا الجوهرية بعيدة عن دائرة الضوء.

إن الحوار الهادف ليس ذلك الذي يثير أكبر قدر من الضجيج، بل ذلك الذي يوسع آفاق الفهم ويقود إلى معرفة أعمق وحلول أكثر فاعلية. أما الجدل الذي يُعاد إنتاجه كل فترة، فقد يحقق انتشارًا واسعًا، لكنه لا يصنع وعيًا ولا يضيف خطوة واحدة إلى الأمام.

لقد آن الأوان أن ننتقل من استهلاك القضايا إلى معالجتها، ومن الانشغال بالمعارك الجانبية إلى مواجهة التحديات الحقيقية التي تحدد مصير مجتمعاتنا. فالمجتمع الذي يعجز عن طرح أسئلة الغد، سيظل أسيرًا لإجابات الأمس، يعود إليها مرة بعد أخرى، بينما يمضي العالم من حوله إلى المستقبل.