من الشرارة إلى التنظيم… حين تعلم العامل المصري يقول “نحن“
في المقال الأول، كنا نحاول أن نعود إلى اللحظة التي كان فيها العامل المصري يقف وحده في مواجهة القهر،لم يكن يعرف النقابة، ولم يكن يعرف كيف يفاوض، ولم تكن لديه لائحة تحميه أو مؤسسة تتحدث باسمه، كان يعرف شيئًا واحدًا فقط، أنه يعمل ومن هنا بدأت الحكاية.
لكن التاريخ لا يتغير في يوم واحد، وصوت العمال الذي نسمعه اليوم لم يولد فجأة، ولم يخرج من اجتماع واحد، ولم يصنعه شخص واحد، كان هناك تراكم طويل من الألم والمحاولات والاحتجاجات الصغيرة، التي ربما لم يسمع بها أحد، لكنها لم تذهب هباء، كل محاولة كانت تضع حجرًا، وكل تمرد كان يترك وراءه درسًا، وكل عامل قرر أن يقول “لا”، كان يمهد الطريق لعامل آخر سيأتي بعده ويقولها بصوت أعلى، حتى جاء اليوم الذي اكتشف فيه العامل أن هناك كلمة أقوى من “أنا” اسمها .. نحن.
في أواخر القرن التاسع عشر، كانت مصر تتغير، المدن تكبر، والمصانع تتوسع، والمشروعات الحديثة تفتح أبوابها، ويدخل آلاف العمال الى عالم جديد من العمل الصناعي؛ لكن هذا العالم الجديد لم يكن يعني بالضرورة حياة أفضل.
فالعامل الذي ترك القرية بحثًا عن رزقه في المدينة، وجد نفسه أمام ساعات عمل طويلة، وأجور محدودة، وظروف قاسية، وسلطة صاحب العمل التي لا يملك أمامها في كثير من الأحيان سوى أن يعمل… أو يرحل.
وفي الوقت نفسه، كان هناك عمال أجانب يعملون في مصر، بعضهم جاء من بلدان عرفت قبل ذلك أشكالاً من التنظيم والإضراب والجمعيات العمالية، وهنا بدأت خبرة جديدة تدخل الى عالم العمل المصري، لم يكن العامل المصري بحاجة إلى من يعلمه معنى الظلم، هو كان يعرفه جيدًا لكنه كان بحاجة إلى أن يتعلم شيئا آخر.
كيف يحول الغضب إلى قوة؟
كيف تتحول مجموعة من العمال إلى جماعة؟، وكيف تتحول الجماعة إلى تنظيم؟، وكيف يصبح التوقف عن العمل، الذي كان يبدو في البداية مجرد رفض، وسيلة للضغط والمطالبة والتفاوض؟، ومن هنا جاءت واحدة من أهم الشرارات في تاريخ الحركة العمالية المصرية.
إضراب عمال لف السجائر في القاهرة عام 1899
كان إدخال الآلات الحديثة إلى صناعة السجائر يهدد أرزاق عمال كثيرين، بعد أن ارتبط ذلك بتسريح بعض العمال وخفض أجور آخرين، فكان الإضراب ولم يكن هذا الإضراب مجرد توقف عن العمل كان لحظة اكتشاف.
اكتشاف أن العامل الذي يقف وحده ضعيف لكن العمال حين يقفون معًا يصبح لهم صوت، استمر الإضراب فترة طويلة، وانتهى بتحقيق جانب من مطالب العمال، وارتبط بظهور تنظيمات عمالية مبكرة.
في قطاع الدخان
كانت هذه واحدة من اللحظات التي بدأت فيها الحركة العمالية المصرية تكتشف طريقا جديدًا، لكن علينا أن نكون منصفين للتاريخ، فهذا الإضراب شارك فيه عمال أجانب بكثافة، وكانت لهم خبرات سابقة في التنظيم والإضراب، وهذا لا ينتقص من العامل المصري، بل ربما كانواحدًا من أهم الدروس التي تعلمها، فالتاريخ لا ينمو دائمًا من العزلة، أحيانًا تتعلم الشعوب من تجارب من سبقوها، ثم تأخذ ما تعلمته وتصنع به تجربتها الخاصة، كان العامل المصري يتعلم، يتعلم كيف يجتمع ،كيف يتحدث باسم مجموعة، كيف يضع مطالب، وكيف يقف أمام صاحب العمل دون أن يكون وحده.
ثم بدأت الفكرة تنتقل، إضراب هنا وتجمع هناك، وجمعية تظهر، وعمال من مهن مختلفة يكتشفون أن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم، وفي عام 1901، جاءت واحدة من المشاهد التي تكشف كيف بدأت الحركة تتجاوز فكرة الاحتجاج الفردي، اجتمع عدد كبير من عمال الخياطين في القاهرة في اعتصام احتجاجي، وتذكر بعض الروايات التاريخية أن عدد المشاركين تجاوز 1500 عامل، وانضم إليهم عمال من جمعيات أخرى، ثم خرجوا في مظاهرة منظمة، تتقدمها الموسيقى، ويحملون علمًا كتب عليه اسم جمعيتهم بعدة لغات.
تخيل المشهد
عامل كان بالأمس يقف وحده أمام ماكينة الخياطة، واليوم يسير في الشارع وسط أكثر من ألف عامل، لم يعد يرى نفسه وحده، ولم يعد صوته صوتًا منفردا، لقد بدأ يرى شيئًا جديدًا.
الجماعة
وهنا بدأت الحركة العمالية تكتشف أن الإضراب وحده لا يكفي، لكن التنظيم يمكن أن يبقى، ومن هنا بدأت تظهر الجمعيات والنقابات العمالية المبكرة في عدد من المهن، كان العامل يتعلم بالتجربة، كل إضراب كان مدرسة، كل نجاح كان خطوة، وكل هزيمة كانت درسًا، ومع مرور الوقت، بدأ العامل المصري ينتقل من مرحلة يتعلم فيها من تجارب غيره، إلى مرحلة يصنع فيها تجربته بنفسه، وفي عام 1900، كان عمال مشروع ضخم في جنوب مصر يدخلون في إضراب للمطالبة بحقوقهم.
إضراب عمال سد أسوان عام 1900
نعم، عمال سد أسوان، ربما يفتح هذا التاريخ أبوابا كثيرة من الأسئلة، كيف كان هناك إضراب لعمال سد أسوان في ذلك الوقت؟، من كان يبني؟، ومن كانوا هؤلاء العمال؟، وكيف كانت حياتهم؟، ولماذا أضربوا؟، لكننا سنترك هذه الحكاية معلقة قليلاً، لأن حكاية عمال أسوان، وما كانوا يبنونه هناك، تستحق أن تعود إليها السلسلة في حكاية مستقلة.
لكن حكاية العامل المصري لم تكن حكاية احتجاج فقط، وهنا يجب أن نتوقف قليلا، لأننا لو نظرنا إلى تاريخ العامل من زاوية الإضرابات وحدها، سننسى أهم جزء من حكايته.
العامل لم يكن فقط من احتج
كان هو نفسه من بنى قبل أن يصبح للعامل صوت يطالب به بحقه، كانت له يد تبني، كان يقف خلف الماكينات، يحفر الأرض، يشيد المصانع، يشغل وسائل النقل، ويشارك في المشروعات التي كانت تغير وجه مصر، كان الوطن يتشكل من أيد كثيرة، بينما أسماء أصحاب هذه الأيدي غالبًا لا تصل الى كتب التاريخ.
وفي الوقت الذي كان فيه عامل في المدينة يتعلم كيف يجتمع مع زملائه دفاعًا عن حقه، كان عامل آخر يخوض معركة مختلفة تمامًا، بعيدًا عن ضجيج القاهرة والإسكندرية، في الصحراء، في الجبال، وفي أعماق الأرض.
كانت مصر قد بدأت منذ عام 1886 رحلة البحث عن البترول، مع حفر أول بئر في منطقة جمسة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، في نطاق رأس غارب حاليا سنوات طويلة من الحفر والمحاولات مرت، رجال يعملون في بيئة قاسية، بعيدًا عن المدن والبيوت.
حرارة الصحراء، برودة الليل، العقارب والثعابين، وخيام بسيطة، وأحيانًا العراء، يحفرون في الصخر، وينزلون إلى أعماق الأرض، بحثًا عن شيء لم يكن معظمهم قد رآه من قبل.
البترول
ولأننا نتحدث عن أكثر من قرن مضى، فعلينا أن نتخيل المشهد كما كان، لا كما نراه اليوم، لا طرق ممهدة، ولا وسائل اتصال، ولا معدات الحماية التي نعرفها الآن، ولا الإمكانات التي تجعل مواجهة الصحراء والجبال أقل قسوة، كان العامل يذهب إلى أماكن نائية، ويواجه طبيعة لم تكن ترحم أحدًا،عقارب وثعابين، حرارة قاسية، وبرودة ليلية، وصخور وأرض وعرة، ومسافات تفصلهم عن أقرب تجمع عمراني، وكل ذلك في صناعة كانت لا تزال في بدايتها، يبحثون عن ثروة لم يكن معظمهم قد رأى شكلها من قبل، ولا يعرفون الى أين ستقودهم.
لم يكن هؤلاء يعرفون أن ما يفعلونه في ذلك المكان النائي سيصبح بعد سنوات جزءًا من صناعة ستغير وجه الاقتصاد المصري، لم يكونوا يعرفون أنهم يضعون أول حجر في طريق صناعة ستصبح ذات يوم واحدة من أهم الصناعات في تاريخ مصر، كان هناك عامل يتعلم كيف ينظم نفسه، وعامل آخر يحفر في باطن الأرض، الأول كان يبني تنظيما، والثاني كان يبني صناعة، لكن الاثنين كانا، دون أن يدريا، يشاركان في بناء شيء أكبر.
وطن
وهنا ربما نكتشف المعنى الحقيقي للدور الوطني للعامل، فالدور الوطني ليس فقط أن يخرج العامل في مظاهرة، وليس فقط أن يضرب عن العمل، الدور الوطني أيضًا أن يعمل، أن يحفر، أن يبني، أن يشغل ماكينة، أن يقضي عمره في مكان ناء لا يعرفه أحد، حتى يخرج من الأرض ما تحتاجه بلاده، العامل لم يكن خصمًا لمشروع الوطن، كان واحدًا من صانعيه، وحين طالب بحقه، لم يكن يريد أن يتوقف الوطن عن البناء، كان يريد أن يكون له نصيب عادل من البناء الذي شارك في صنعه.
ومع بداية القرن العشرين، كانت الحركة العمالية المصرية تتعلم شيئًا جديدًا، لم تعد القضية مجرد أجور، بدأت تظهر أسئلة أخرى، من يمثل العامل؟، من يدافع عنه؟، من يتحدث باسمه؟، هل يمكن أن تكون هناك جهة مستقلة عن صاحب العمل؟، وهل يستطيع العمال أن يختاروا من يمثلهم؟، وهنا بدأت الحركة تنتقل من مجرد الاحتجاج إلى البحث عن التنظيم، ثم جاءت محطات جديدة، ومع كل محطة، كان العامل المصري يكتسب خبرة، حتى وصلنا إلى عام 1908.
إضراب عمال ترام القاهرة
كان عمال الترام يواجهون ظروف عمل قاسية، وساعات عمل طويلة، ومطالب تتعلق بالأجور والإجازات والغرامات، وبمعاملة العمال، وبحقهم في الترقي، وبأن يكون لهم من يمثلهم أمام الإدارة لم تعد المطالب مجرد، زودوا الأجر، أصبح هناك كلام عن الكرامة، عن ساعات العمل، عن المعاملةعن الحق في التمثيل، وعن حق العامل المصري في أن يجد طريقه إلى الترقي والعمل دون أن تكون جنسيته سببًا في إغلاق الأبواب أمامه.
وهنا حدث شيء مهم، العامل الذي تعلم في البداية كيف يتوقف عن العمل، بدأ يتعلم كيف يضع قائمة مطالب، والعامل الذي تعلم كيف يجتمع، بدأ يتعلم كيف يتفاوض، والعامل الذي كان يرى نفسه فردا، بدأ يرى نفسه جزءا من جماعة لها حقوق، واجه الإضراب مقاومة شديدة، وتدخلت الشرطة، وانتهت المواجهة بمحاكمة عدد من العمال، قد يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنه هزيمة، لكن التاريخ لا يقيس دائمًا النتائج بعدد المطالب التي تحققت في اليوم التالي، أحيانا تكون الهزيمة نفسها بداية لشيء أكبر، فالعامل الذي دخل المواجهة وهو يعرف أنه وحده، خرج منها وهو يعرف أن له رفاقا، والعامل الذي لم يكن يعرف كيف ينظم نفسه، أصبح يعرف، والذي لم يكن يعرف معنى التمثيل، أصبح يبحث عنه، وهنا كانت النقلة الأهم.
العامل المصري لم يعد مجرد متلق لخبرة غيره
لقد بدأ يصنع تجربته، لقد تعلم الدرس، لكنه لم يظل تلميذًا إلى الأبد، في البداية، تعلم كيف يجتمع، ثم تعلم كيف يحتج، ثم تعلم كيف ينظم، ثم بدأ يتعلم كيف يقود، وهنا بدأت الحركة العمالية المصرية تقترب من مرحلة جديدة، مرحلة لم يعد فيها العامل ينظرإلى نفسه باعتباره مجرد يد تعمل داخل مصنع أو مشروع، بدأ يرى نفسه مواطن اله حق في الكرامة، وله حق في أن يكون له صوت، وله حق في أن يكون شريكا في وطن يساهم في بنائه كل يوم.
وفي تلك اللحظة، بدأ خطان يسيران معا، خط الحركة العمالية، وخط الوطن، العامل الذي وقف مع زميله دفاعا عن أجره، بدأ يفهم معنى التضامن، والذي تعلم التضامن داخل المصنع، بدأ يفهم معنى أوسع للتلاحم، والذي شارك في بناء مصنع أو حفر بئر أو تشغيل ترام أو بناء مشروع، بدأ يكتشف أنه جزء من قصة أكبر من وظيفته.
قصة وطن
وهكذا، لم تكن الحركة العمالية مجرد تاريخ من الإضرابات، كانت رحلة طويلة من اكتشاف الذات، العامل اكتشف قوته، واكتشف قيمة زميله، واكتشف أن الجماعة أقوى من الفرد، ثم اكتشف، مع الوقت، أن ما يبنيه بيديه لا يقل أهمية عما يطالب به بصوته، فالوطن لا يبنى بالاحتجاج وحده، ولا يبنى بالمشروعات وحدها، الوطن يبنى بالسواعد التي تعمل، وبالعقول التي تخطط، وبالأصوات التي تطالب بالعدل، وبالناس الذين يعرفون أن مستقبلهم مرتبط بمستقبل المكان الذي يعيشون فيه.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية، فإذا كان العامل قد تعلم كيف يقول “نحن“، فإن السؤال الذي سيأتي بعد ذلك هو من يمثل هذا الـ”نحن”؟، وكيف يتحول التجمع الى نقابة؟، وكيف تتحول النقابة من مجرد وسيلة للمطالبة بالحقوق إلى كيان له دور في المجتمع؟، وكيف يخرج صوت العامل من المصنع إلى الشارع؟، وكيف يتقاطع هذا الصوت مع صوت الوطن في لحظات تاريخية كبرى؟، هذه كانت الخطوة التالية في رحلة طويلة، رحلة بدأ فيها العامل المصري من مكان بسيط جدًا.
عامل يقف وحده
ثم وقف بجوار زميله، ثم وقف بجوار مئات، ثم اكتشف أن وراءه آلاف، ومن تلك اللحظة، لم يعد التاريخ كما كان، لأن العامل الذي عرف كيف يقول “أنا” تعلم أخيرًا كيف يقول “نحن”، وكانت تلك الكلمة، في حد ذاتها، واحدة من أولى لبنات التغيير، التاريخ لا يصنعه من جلسوا على العروش… بل من حملوا الحجارة، وحفروا الأرض، وبنوا الأوطان دون أن يذكر التاريخ أسماءهم.








