فرحة في البيوت وحزن بالمزارع..هل يُمهد انخفاض أسعار البيض لأزمة مقبلة؟

في سوق تحكمه لغة الأرقام والمكسب والخسارة، تبدو المفارقة غريبة للوهلة الأولى، فلماذا يصرخ منتجو الدواجن اليوم والأسعار تسجل تراجعًا ملحوظا ويسحل طبق البيض للمستهك عند سعر الـ 85 جنيه؟، في حين لزم الجميع الصمت عندما قفز سعر طبق البيض وتخطى سعره الـ 170 جنيه.

وما بين فرحة ربات المنازل برخص سعر أطباق البيض، يقابلها صرخات من المربين، لاسيما الصغار منهم، معللين بأن الأرقام – سالفة الذكر- عن ارتفاع أسعار البيض، ماهي إلا تغطية لجنون أسعار الأعلاف، أما الانخفاض الحالي فبات يلتهم رؤوس أموالهم ويقودهم حتمًا نحو الإفلاس، منوهين بأن الأزمة الحالية ستكون سببًا لا محالة في تراجع الإنتاج، وانعكاسها المباشر على ارتفاع الأِسعار لكافة منتجات الدواجن عاجلًا ليس أجلًا.

إنتاج 16 مليار بيضة سنويًا..وفائض 40%

ووفقاً للأرقام الرسمية، تُنتج مصر سنويًا 16 مليار بيضة، بزيادة تُقدر بـ 14% مقارنة بالعام الماضي الذي سجل نحو 14 مليار بيضة، ما أدى إلى وجود فائض إنتاج يتراوح بين 4 و5 مليارات بيضة سنويًا، بما يوازي 35 إلى 40% من إجمالي الإنتاج.

كما تشير الأرقام الصادرة عن وزارة الزراعة، إلى أن حجم الاستثمارات في قطاع الدواجن في مصر يتجاوز 200 مليار جنيه، ويعمل به نحو 3.6 مليون عامل، فيما ينتج القطاع سنويًا قرابة 1.6 مليار دجاجة، بما يسهم في تغطية جزء كبير من حجم الاستهلاك المحلي، ولا يقتصر الإنتاج على اللحوم البيضاء فقط، بل يمتد ليشمل بيض المائدة، حيث تنتج الصناعة ما يقرب من 16 مليار بيضة سنويًا.

ما بين الغلاء والشكوى، تأتي وجهات نظر بين أطراف معنية بالأمر، وتطرح أسئلة منطقية، تحتاج إلى رد وتفسير، بداية، يقول النائب فتحي قنديل، عضو لجنة الزراعة بمجلس النواب، إن المواطنين تحملوا لفترات طويلة ارتفاعات كبيرة في أسعار البيض والدواجن دون أن يتحدث أحد عن معاناتهم، وعندما وصل سعر كرتونة البيض إلى 170 و 180 جنيه، لم نسمع من يطالب بحماية المواطن؟، أما الآن وبعد انخفاض الأسعار، وتسجيل سعر الطبق عند قرابة الـ 80 جنيه، بدأ الحديث عن خسائر المنتجين!.

انخفاض أسعار البيض فرصة للأسر البسيطة

تحديد ما إذا كان المنتج يحقق خسائر أو أرباحًا يجب أن يستند إلى دراسة دقيقة تشمل تكلفة الكتكوت والأعلاف والكهرباء والمياه والأدوية والعمالة وإيجار المزارع، يضيف قنديل، لافتًا إلى أن الدولة يمكنها تحديد هامش ربح عادل للمنتج يتراوح بين 10% و15%، بما يضمن استمرار الإنتاج دون تحميل المواطن أعباء إضافية.

وأشار النائب إلى أن انخفاض أسعار البيض والدواجن يمثل فرصة مهمة للأسر البسيطة التي تعتمد على هذه السلع كمصدر أساسي للبروتين، مؤكدًا على أن المواطن البسيط يجب أن يستفيد من زيادة المعروض وانخفاض الأسعار، قائلًا: “نحن سعداء عندما يحصل المواطن على كرتونة البيض بأسعار مناسبة بدلًا من الأسعار المرتفعة التي شهدناها سابقًا”.

سعر طبق البيض بـ 180 جنيه.. بالكاد يغطي التكلفة

ورد حمادة إبراهيم، الأمين العام لشعبة بيض المائدة باتحاد  الدواجن، بأن سعر الـ 180 جنيه لطبق البيض، لم يكن مكسبًا للمربي، بل كانت تكلفة إنتاج حتمية بسبب جنون الأعلاف، وانخفاض السعر الحالي دون التكلفة يعني “خراب بيوت” للمربين، لاسيما الصغار منهم وخروجهم من المنظومة.

عندما سجل سعر طبق البيض 180 جنيها في الأسواق، وسجل وتراوح سعره في المزرعة ما بين 150 إلى 155 جنيهًا، لم يكن هذا الرقم يعكس هامش ربح خيالي للمربي في ذلك الوقت، يضيف إبراهيم لـ”ليبرالي”، مرجعًا الأسباب الرئيسية لارتفاع الأسعار في عدة نقاط، منها، ارتفاع سعر طن الذرة الصفراء من 2500 جنيه ليتخطى الـ 13 ألف جنيه.

كما تابع الأمين العام لشعبة بيض المائدة، ارتفاع سعر طن الصويا من 6500 جنيه إلى أكثر من 24 ألف جنيه بسبب أزمة الإفراجات الجمركية ونقص الأعلاف في ذلك الوقت، ما يعني أن الـ 180 جنيهاً للمستهلك كانت بالكاد تغطي التكلفة العالية، ولم تكن أرباحًا للمربين.

رحلة طبق البيض من الارتفاع الكبير إلى الهبوط الحاد

ويوضح مؤشر حركة أسعار طبق على مدار العام الماضي، أن تقلبات الأسعار، ففي الفترة بين يونيو ويوليو من العام الماضي ، كانت الأسواق تشهد حالة من الاستقرار النسبي عند مستويات تتراوح بين 135 و140 جنيهاً بالمزرعة، لتصل للمستهلك بـ 150 جنيهاً، ومع دخول موسم المدارس في سبتمبر من نفس العام، عاودت الأسعار الارتفاع التدريجي لتلامس حاجز الـ 160 جنيهاً للمستهلك نتيجة زيادة الطلب.

أما مع حلول فصل الشتاء ودخول دورات إنتاجية جديدة في ديسمبر الماضي، تراجعت الأسعار للمستهلك عند 120 جنيهاً، قبل أن تعاود الارتفاع الطفيف في فبراير ومارس الماضيين لتتراوح بين 145 و155 جنيهاً تأثراً بزيادة تكاليف التدفئة والكتاكيت، بينما في مايو الماضي تزامنًا مع هبوط الأسعار بالمزارع لـ 100 جنيه، هبط سعر كرتونة البيض في المزارع لمستويات تاريخية تتراوح ما بين 55 و75 جنيهًا لتصل للمستهلك ما بين 80 و90 جنيهاً.

ويشير الأمين العام لشعبة بيض المائدة إلى أن تكلفة إنتاج طبق البيض داخل المزرعة اليوم مع احتساب أسعار “الكتاكيت، الأدوية، البيطرية، الكهرباء، والعمالة” لا تقل عن 115 إلى 120 جنيهاً، في حين يضطر المربي لبيعه من المزرعة بـ 70 أو 75 جنيه على أقصى تقدير، بسبب تراجع الطلب وزيادة المعروض.

استمرار الوضع يهدد بقاء المنتجين في المنظومة

وفي السياق ذاته، قال الدكتور ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد مُنتجي الدواجن، إن صناعة بيض المائدة في السوق المحلية حاليًا تمر بأزمة حادة، نتيجة تكبد المنتجين خسائر مالية فادحة تصل إلى قرابة الـ 50% من رأس المال، محذرًا من أن استمرار الوضع يهدد بقاء المنتجين في المنظومة.

لامفر من سرعة العمل على تصدير الفائض من البيض إلى الخارج، يؤكد الزيني في تصريحه لـ”ليبرالي”، معتبرًا أن هذا التوجه يمثل فرصة استراتيجية لتعظيم الموارد الوطنية من العملة الصعبة وتقليص فاتورة الاستيراد، خاصة أن الدولة تستورد مستلزمات الإنتاج من ذرة وصويا وأعلاف وتحصينات بالعملة الأجنبية.

وأفاد نائب رئيس اتحاد مُنتجي الدواجن، بتحقيق مصر الاكتفاء الذاتي الكامل من البيض بنسبة إنتاج بنسبة 130%، منوهًا بأن زيادة المعروض وعدم استغلال هذا الفائض بالشكل المطلوب، هما السبب الرئيسي وراء الهبوط الحاد في الأسعار إلى ما دون التكلفة.

أسعار بيض المائدة تشهد عادة ارتفاعات خلال فترات معينة من العام

وسط مناشدات من القائمين على قطاع إتناج البيض بتدخل الحكومة سريعًا، صرح وزير الزراعة، علاء فاروق، أن التوسعات التي شهدتها مشروعات الإنتاج الداجني خلال الفترة الماضية ساهمت في زيادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على استقرار الأسواق وانخفاض الأسعار.

وأضاف فاروق، أن زيادة المعروض ساهمت بشكل كبير في انخفاض الأسعار، في ظل العلاقة المباشرة بين العرض والطلب، حيث يؤدي ارتفاع المعروض إلى تراجع الأسعار وتحقيق التوازن بالسوق، بخلاف انخفاض أسعار الأعلاف، إلى جانب استقرار سعر الصرف وتوافر مستلزمات الإنتاج، ساهم في دعم قطاع الدواجن وبيض المائدة وخفض تكاليف الإنتاج، وهو ما انعكس على الأسعار للمستهلكين.

وفيما يخص ارتفاع الأسعار، تحدث الوزير بنظرة أكثر هدوئًا مقارنة بنظرة القائمين على صناعة البيض، قائلًا:” أسعار بيض المائدة تشهد عادة ارتفاعات خلال فترات معينة من العام، خاصة مع بداية الدراسة وخلال فصل الشتاء، نتيجة زيادة معدلات الاستهلاك وارتفاع الطلب”.