مصلحة الطفل الفضلى في مناقشات قانون الأسرة.. جلسة حوارية ترسم خارطة طريق لحماية المستقبل

فاطمة عادل: الطفل ليس ملكية لأحد ويجب أن يتعاون الأب والأم من أجل مصالحه

عمرو الخشاب: اتقوا الله في أطفالكم.. فالقانون وحده لا يصنع تربية بل الضمير والأخلاق

في إطار سعيها لفتح نقاشات مجتمعية جادة حول التشريعات التي تمس صلب الأسرة المصرية، نظمت “ليبرالي” أولى جلساتها الحوارية تحت عنوان “مساحة وحقوق الطفل في مناقشات قانون الأسرة المرتقب”، بمشاركة كل من النائبة الدكتورة فاطمة عادل، عضوة مجلس النواب عن حزب العدل، ومقدمة أحد مشروع الحزب لقانون الأسرة بالبرلمان، والمحامي عمرو الخشاب، عضو مجلس النقابة العامة لمحامي مصر ، والمحامية رحاب التحيوي، رئيسة مؤسسة “مقام” لحقوق الإنسان.

جلسة حوارية بمشاركة النائبة الدكتورة فاطمة عادل وعضو مجلس نقابة المحامين عمرو الخشاب – تصوير أمير رفاعي

ورسم المشاركون خلال الجلسة التي نشرت في العدد التجريبي الأول لجريدة ليبرالي خارطة طريق تشريعية تضع “مصلحة الطفل الفضلى” فوق أي اعتبار صراعي بين الأبوين، مؤكدين أن القانون القادم يجب أن يكون “قانوناً للطفل” قبل أن يكون قانوناً للرجل أو المرأة.

تعريف مصلحة الطفل

استهلت النائبة فاطمة عادل حديثها بتعريف مصلحة الطفل الفضلى بأنها “كل ما يحقق الاستقرار النفسي والاجتماعي للطفل”، مشددة على أن أي مادة في القانون الجديد يجب أن تُقاس بمدى تحقيقها لهذا الاستقرار أو تناقضها معه.

النائبة فاطمة عادل عضوة مجلس النواب عن حزب العدل – تصوير أمير رفاعي

وأكدت أن الرعاية المشتركة بين الأب والأم هي الركيزة الأساسية والحل الوحيد، معتبرة أن حرمان الطفل من والده بعد الانفصال يضرب أمنه الاجتماعي في مقتل، حيث يستحيل للطفل أن ينشأ سوياً في ظل غياب أمنه الاجتماعي الناتج عن فقدان أحد الوالدين بعد الانفصال.

من جانبه، أوضح المحامي عمرو الخشاب أن مصلحة الطفل هي “خلاصة مصلحة الأسرة المصرية”، والغاية النهائية من استقرار الأسرة والمجتمع معتبراً أن وضع الطفل في مستوى اجتماعي ونفسي لائق هو ما يؤهله ليكون إنساناً سوياً.

وأشار إلى أن الصدامات النفسية التي يتعرض لها الأطفال في سن الطفولة نتيجة الحرمان من حنان أحد الأبوين تخلق إنساناً غير سوي نفسياً في المستقبل.واعتبرت رحاب التحيوي أن “المصلحة الفضلى” مفهوم نسبي يختلف باختلاف البيئة الحاضنة ومستوى التعليم، والنشأة ولا يمكن وضع معيار جامد لها.

واستشهدت بالمادة العاشرة من الدستور التي تنص على أن الأسرة أساس المجتمع وقوامها الدين والأخلاق والوطنية، موضحة أن القانون يجب أن يوفر للطفل “أسرة سوية” حتى في ظل الانفصال، منتقدة وضع القانون الحالي الذي بدأ من منطلق “الخناقة” بين الرجل والمرأة، أو الاستقواء بطرف على الآخر.

من الذي يحدد مصلحة الطفل؟

وأكدت التحيوي أن القانون هو الذي يحدد ذلك بناءً على الدستور وتعريف الأسرة وقيم المجتمع والشرع، وطالبت بوضع معايير “للإنسان السوي” كشرط أساسي للحضانة أو الرعاية، بعيداً عن تبني الحالات الشاذة لبناء قوانين عامة عليها.

واتفق الخشاب مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن قانون الطفل الصادر في 2008 وضع بالفعل عقوبات لحماية الطفل، لكن قانون الأحوال الشخصية يحتاج إلى نصوص داخلية تحميه من تداعيات الصراع الزوجي وليس التركيز فقط على “خناقات الزوج والزوجة”، خاصة في قضايا النفقة التي هي في الأصل “حق للطفل” وليس للأم، ويجب على الدولة كفالة آليات تنفيذها.

ورأت النائبة فاطمة عادل أن القانون يجب أن يضع ضوابط عامة، مع ترك مساحة لتقدير القاضي في الحالات الاستثنائية. ودعت إلى تفعيل حقيقي لمكاتب التسوية لتكون جهات مؤهلة قادرة على الوصول لاتفاقات ودية تراعي الطفل قبل اللجوء للمحاكم.

وأوضحت عادل أن هذه المكاتب موجودة حالياً لكنها غير مفعلة بالشكل المطلوب. واقترحت تطويرها وتأهيل كوادرها لتكون قادرة على الوصول لاتفاقات ودية تراعي مصلحة الصغير قبل اللجوء لساحات القضاء، مؤكدة أنه من المفترض أن يكون الأب والأم هما الأقدر على تحديد مصلحة ابنهما إذا توفرت لهما البيئة المناسبة للتفاهم.

معضلة الحضانة: ترتيب الأب وسن التخيير

انتقل النقاش إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، وهو ترتيب الأب في الحضانة وسن بقاء الطفل مع الأم، ومصلحة الأطفال الفضلى في ذلك.وشهدت الجلسة توافقاً حول ضرورة تعديل ترتيب الأب في الحضانة حيث أجمع الحاضرون على أن سن الـ 15 عاماً هو سن مبالغ فيه جداً.

عمرو الخشاب – تصوير أمير رفاعي

وأكدت الدكتورة فاطمة عادل أن حزب العدل يتبنى في مشروعه وضع الأب في المرتبة الثانية بعد الأم مباشرة، مبررة ذلك بأن الأب هو المسؤول عن الحماية القانونية والمادية والتعليمية، فمن غير المنطقي حرمانه من حق الرعاية.

أما عن سن الحضانة، فقد اعتبرت التحيوي أن سن الـ 15 لا يناسب طفل عام 2026، حيث أصبح الأطفال الآن أكثر وعياً في سن مبكرة.

وطالبت بإلغاء “سن التخيير”، واصفة إياه بـ”الهزل”، لأن الطفل الذي يعيش مع طرف واحد لمدة 15 عاماً سيميل تلقائياً لهذا الطرف الذي “شحن” ذهنه ضد الطرف الآخر، وبالتالي فإن التخيير في هذه الحالة لا يعبر عن مصلحة حقيقية للطفل بل عن ضغوط نفسية تعرض لها. واقترحت أن يكون السن الموحد 10 سنوات للولد والبنت.

واتفق الخشاب مع هذا الطرح، وأن إبعاد الطفل عن والده حتى سن 15 عاماً يخلق فجوة تربوية كبيرة ويحرم الطفل من القدوة الأبوية في مرحلة المراهقة الحرجة وينتج أجيالاً فاقدة لهويتها التربوية، مشدداً على أن “الضمير” يجب أن يسبق القانون في التعامل مع الأطفال. الرؤية مقابل الاستضافة.



إنهاء “عقوبة” مراكز الشباب

انتقد المشاركون نظام “الرؤية” الحالي بشدة، ووصفه الخشاب بـ “الكارثي والمخجل”، حيث يتم لقاء الأب بابنه في مراكز شباب غير مؤهلة وتحت حراسة، وبمتابعة “دفاتر الحضور والانصراف”، مما يمثل إهانة للكرامة الإنسانية.

وطالب الجميع بتبني نظام “الاستضافة” أو “الاصطحاب”، لتمكين الطفل من معايشة والده وأهل والده في بيئة طبيعية.

وقالت عادل: “الطفل له حق في والده كما له حق في والدته، والاستضافة تضمن نمواً تربوياً طبيعياً”، مع وضع ضوابط قانونية تمنع التعسف أو “خطف” الصغير، مشيرة إلى أن هذا يساهم في بناء شخصية الطفل.

وفي هذا الصدد، طالبت التحيوي بوضع “عقوبات رادعة” على الأم التي تمتنع عن تنفيذ حكم الرؤية أو الاستضافة، كما يتم حبس الأب في حالة عدم سداد النفقة، لتحقيق التوازن والعدالة.


النفقة وصندوق دعم الأسرة

تناول النقاش معضلة النفقة، حيث كشفت النائبة فاطمة عادل عن مقترح حزب العدل بإنشاء “صندوق دعم ورعاية الأسرة”. هذا الصندوق يتولى صرف النفقة فور صدور الحكم للزوجة والأبناء، خاصة في حالات تعثر الأب أو سجنه، على أن تظل هذه المبالغ ديناً على الأب تسدده للصندوق حين ميسرة، وذلك لضمان ألا يجوع الطفل أو يتشرد بسبب تعثر والده.

في السياق نفسه حذر الخشاب من التلاعب في “تحريات الدخل”، مطالباً بجهة سيادية أو إدارية متخصصة للتحري بدقة عن ثروة الأب لضمان وصول حق الطفل إليه.

مساحات مطلوبة

وحول اللوم المتكرر لممارسات بعض المحامين في قضايا الأسرة، أكد عمرو الخشاب، بصفته عضواً في مجلس النقابة العامة ، أن المحامي يجب أن يبدأ بالصلح في قضايا الأسرة قبل التقاضي، فيما ردت الدكتورة رحاب التحيوي بأن المشكلة تكمن في “قانون عقيم” يتيح ثغرات يتم استغلالها، مشددة على أن المحامي في النهاية يطبق نصوص القانون، فإذا كان القانون فاسداً أو ظالماً، ستكون الممارسة كذلك.

وحول حقوق الأطفال ذوي الإعاقة، أشارت النائبة فاطمة عادل إلى أن الأطفال ذوي الإعاقة يحتاجون لنصوص خاصة تراعي ظروفهم الصحية وتكلفة علاجهم فالعالية، مؤكدة ضرورة زيادة النفقة المقررة لهم ووضع ضوابط استضافة تراعي حالتهم الصحية ولا تضر بهم.

الطفل ليس ملكية خاصة

في ختام الجلسة، قالت نائبة حزب العدل فاطمة عادل: “الطفل ليس ملكية خاصة لأحد، وهو أمانة يجب أن يتنافس الطرفان لتحقيق مصلحته حتى بعد الانفصال، فالطفل هو أب الغد فكيف نريده أن يكون سوياً ونحن نهدم نفسيته اليوم؟” فيما وجه المحامي عمرو الخشاب رسالة إلى الجميع:” اتقوا الله في أطفالكم، فالقانون وحده لا يصنع تربية، بل الضمير والأخلاق”.