المخرج محمد أمين في حوار خاص لـ”ليبرالي”: الشللية تغلق الدائرة الفنية أمام المواهب وصناع السينما الآخرين

أؤمن بسينما تطرح الأسئلة الصادمة لا الإجابات الجاهزة

النجاح صناعة مشتركة بين المنتج والمخرج والنجم لا يملكها طرف واحد

ككاتب ألتزم بالمسئولية الإنسانية.. وكمخرج أؤمن بحرية بلا قيود

“حنان ورحاب” في “بنتين من مصر” أكثر الشخصيات استفزازًا لمشاعري

أزمة الإنتاج تحاصر السيناريوهات الجيدة داخل الأدراج

لا أتابع أعمال رمضان ولا ما يُعرض في دور السينما حاليًا

ظاهرة النجم الأوحد قديمة.. والثنائيات الفنية مكسب حقيقي للسوق

على مدار أكثر من عقدين، نجح المخرج والسيناريست محمد أمين في حفر مسار خاص ومختلف داخل السينما المصرية، بعيدًا عن الوصفات التجارية الجاهزة والأفكار المستهلكة، ففي أعماله التي تراوحت بين الكوميديا السوداء والدراما الاجتماعية والسياسية، لم يكن هدفه إمتاع المشاهد فقط، بل دفعه إلى التفكير وإعادة النظر في كثير من القضايا الشائكة التي يتجنب المجتمع الاقتراب منها.

بداية من “فيلم ثقافي” الذي فتح أبواب النقاش حول أزمات جيل كامل، إلى “ليلة سقوط بغداد” الذي طرح أسئلة وجودية وسياسية، وصولاً إلى “بنتين من مصر” الذي اقترب بجرأة من واحدة من أكثر الأزمات الاجتماعية حساسية، ظل محمد أمين وفيًا لفلسفة سينمائية تؤمن بأن الفن الحقيقي يبدأ من السؤال لا من الإجابة.

في هذا الحوار الخاص مع “ليبرالي”، يتحدث محمد أمين بصراحة عن فلسفته الفنية، وكواليس العلاقة المعقدة بين المخرج والمنتج والنجم، وأزمة التمويل التي تعرقل وصول كثير من المشروعات إلى الشاشة، كما يكشف رؤيته لظاهرة الشللية والثنائيات النجمية، ويتطرق إلى أسباب ابتعاده عن متابعة المشهد الفني الحالي، ورهانه الدائم على أعمال تثير الجدل وتفتح أبواب التفكير أكثر مما تقدم حلولاً جاهزة، وإلى نص الحوار:

أعمالك السينمائية دائمًا ما تترك مساحة واسعة للتأويل وإعادة القراءة، كيف ترى هذا البُعد في سينما محمد أمين؟
في رأيي، الفن الحقيقي لم يُخلق أبدًا ليقدم “إجابات معلبة” أو حلولاً جاهزة، بل إن الدور الأساسي لأي عمل فني بصفة عامة هو طرح التساؤلات وتحفيز العقل، والسينما التي أحبها وأصنعها هي تلك التي تترك المشاهد في حالة تساؤل مستمر، وتدفعه لمراجعة بديهياته، وإذا تأملت أعمالي، ستجد هذا المحرك بوضوح، ففي “فيلم ثقافي”، تجد المشاهد في منتصف الفيلم يتوقف ليسأل نفسه بمرارة ودهشة، كيف يحدث هذا في حياتنا؟، وكيف وصلنا إلى هذه النقطة.

وفي فيلم “ليلة سقوط بغداد”، كان السؤال الأكبر والأعمق سياسيًا، أين نحن كدولة مصرية، وما هو وضعنا الحقيقي وسط هذا العالم المتغير والمضطرب؟، الأمر نفسه يتكرر في فيلم “بنتين من مصر”، حيث يفرض الفيلم تساؤلاً اجتماعياً حادًا ومسكوتًا عنه وهو كيف نصمت جميعًا تجاه ملايين الشباب والفتيات الذين يطرقون أبواب الأربعين دون ارتباط؟، لذلك، نعم أنا دائم الانحياز لسينما “السؤال” لا سينما “الإجابة”، لأن التساؤل هو بداية الوعي وبداية التغيير.

في سوق سينمائي تتجاذبه القوى، من هو المتحكم الفعلي في العمل الفني اليوم المنتج أم الممثل النجم؟
في العمل السينمائي الحقيقي، لا يمكننا اختزال الإدارة أو التحكم في طرف واحد دون الآخر، فالعمل الفني الناجح هو نتاج “تعاون ثلاثي” متوازن يجمع بين المنتج والمخرج والممثل، هذه المعادلة الثلاثية تظهر بوضوح عندما يكون البطل فنانًا من فئة “السوبر ستار”، لكن إذا تحدثنا عن “الأصل” في العرف السينمائي، فإن العلاقة والقرارات الأساسية تدور وتُحسم بين المنتج والمخرج.

أما فيما يتعلق بتدخل “السوبر ستار” في تفاصيل العمل، فأنا لا أرى في ذلك عيبًا أو تغولاً كما يشاع أحيانًا، بل على العكس تمامًا، أراه حقًا مشروعًا ومبررًا للممثل، نابعًا في المقام الأول من حرصه الشديد وخوفه على أن يخرج العمل بأعلى مستوى ممكن من النجاح والتميز، وعندما يتدخل النجم بدافع “الخوف الإيجابي” والرغبة في الجودة، يتحول الأمر من صراع قوى إلى شراكة فنية حقيقية تصب في مصلحة الفيلم في النهاية.

بين مسئولية الكاتب وتمرد المخرج، أين تقع الخطوط الحمراء في سينما محمد أمين؟
الخطوط الحمراء بالنسبة لي تختلف تمامًا بين مرحلة الكتابة ومرحلة الإخراج، ففي الكتابة، خطوطي الحمراء هي “البديهيات الأخلاقية والإنسانية” أنا مؤمن بأن “الحلال بيّن والحرام بيّن” بمعناهما الإنساني والمجتمعي، على سبيل المثال، مستحيل أن أكتب عملاً قد يؤدي إلى “فتنة طائفية”، أو عملاً يدعو إلى فكرة مغلوطة أو هدامة، وككاتب أنا حريص دائمًا على أن تسعى أعمالي لطرح وجهة نظر سليمة، وبناءة،وتخدم المجتمع.

أما في الإخراج، فالوضع مختلف تمامًا، المخرج من وجهة نظري يجب ألا تكون لديه خطوط حمراء على الإطلاق، كما أن المخرج في جوهره هو فنان مُطالب بـ “كسر القواعد العامة” والتمرد على المألوف البصري والتعبيري لتقديم رؤية مغايرة، وعلى الرغم من أنني قد لا أمتلك هذه المهارة التمردية العنيفة في أدواتي الإخراجية الخاصة، إلا أنني أؤمن نظريًا وفنيًا بأن المخرج الحقيقي يجب أن يتحرك في مساحة حرية مطلقة بلا قيود.

لكل مبدع محطات من الخذلان، ما هي أكثر اللحظات أوالمحطات التي مثلت إحباطًا شديدًا لك؟
الإحباط الأكبر لأي مؤلف ومخرج هو أن يرى فكرة ولدت من رحم التعب والجهد تظل حبيسة الأدراج، فكل سيناريو أكتبه وأبذل فيه جهدًا وفكرًا ثم لا يرى النور، يمثل لي غصة وإحباطًا شديدًا، للأسف، صناعة السينما لدينا في مصر تواجه بعض المشاكل المعقدة، وفي ظل هذه الظروف، يجد “المخرج الذي يكتب أعماله بنفسه” نفسه أمام رحلة شاقة ومعركة ضخمة جدًا لمجرد البحث عن جهة إنتاجية تتحمس للمشروع وتوفر له التمويل المناسب دون أن تخل بقيمته الفنية، هذا الصراع المستمر بين القيمة الفنية ومتطلبات السوق التمويلية هو المصدر الأساسي للإحباط الشديد الذي يواجهني ويواجه الكثير من صناع السينما الجادة اليوم.

من بين كل العوالم والقصص التي كتبتها ما هي الشخصية الدرامية التي استفزتك إنسانيًا ونفسيًتا أثناء كتابتها؟
الشخصيتان الأكثر تأثيرًا واستفزازًا لمشاعري هما بطلتا فيلم “بنتين من مصر” حنان ورحاب، هاتان الشخصيتان أخذتا مني مساحة ضخمة جدًا من التفكير والتدقيق وأنا أكتبهما على الورق، وكنت أشعر بوجعهما وأزمتها الإنسانية والاجتماعية بعمق شديد، لقد كانتا تجسيدًا حيًا لواقع مؤلم يعيشه قطاع كبير من بناتنا، ولذلك ظلتا الأقرب لنفسي والأكثر تأثيرًا فيّ حتى بعد خروج الفيلم للنور بسنوات .

كيف تقيم “مسلسلات الشارع” والدراما التي عُرضت في موسم رمضان الماضي؟
قد يبدو الأمر غريبًا للبعض، ولكنني للأسف لا أتابع أي أعمال فنية على الإطلاق في الوقت الحالي، فلا أعرف ما الذي يُعرض على شاشات التلفزيون أو في دور العرض السينمائي، بل إنني منذ فترة طويلة منقطع تمامًا عن متابعة الأعمال الفنية بشكل عام، بما فيها الأعمال الأجنبية، وهذا الانقطاع جعلني بعيدًا عن تقييم المشهد الحالي.

بعد تجربتك الأخيرة، أين المخرج محمد أمين من خارطة الأعمال الدرامية والمسلسلات حاليًا؟
في جعبتي الكثير من المعالجات والأفكار المكتوبة والجاهزة تمامًا لتقديمها في مسلسلات درامية، لكن الأزمة تكمن دائمًا في غياب التمويل والإنتاج الذي يتحمس لهذه الأفكار ويخرجها للنور بالشكل اللائق، لقد خضت تجربة إخراجية في الدراما التلفزيونية منذ نحو عامين في موسم رمضان، من خلال مسلسل “خالد نور وولده نور خالد”، وكان من تأليف أحمد عبد الوهاب، وبطولة كريم محمود عبد العزيز وشيكو، وأعتقد أنه كان عملاً لطيفًا وخفيفًا على المشاهد، وحقق قبولاً طيبًا، لذلك فالرغبة في تقديم أعمال درامية موجودة ومصحوبة بـ “مشاريع جاهزة على الورق”، وكل ما أتمناه وينقص هذه المشاريع هو العثور على جهة تمويلية تقدمها للجمهور.

تُتهم “الشللية” أو التكتلات الفنية دائمًا بأنها تؤثر سلبًا على جودة الأعمال، كيف ترى واقع هذه الظاهرة وتأثيرها على الفن اليوم؟
عندما تأملت هذه الظاهرة، وجدت أن المثل الشعبي القائل “اللي تعرفه أحسن من إللي تجهله” ينطبق عليها تمامًا، ولذلك لا أرى “الشللية” أمرًا شريرًا أو سلبيًا بالمطلق، في كثير من الأحيان، هي مجرد مجموعة من صناع الفن عملوا معًا ووجدوا راحة وتفاهمًا متبادلاً، فقرروا تكرار التجربة لحماية نجاحهم، وهذا أمر طبيعي ومفهوم، لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن هذا السلوك يغلق الدائرة الفنية بعض الشيء أمام المواهب وصناع السينما الآخرين، حيث يصبح من الصعب على أي عنصر جديد اختراق هذه المجموعات المستقرة.

 لذا يمكننا القول إن تأثيرها يتوزع بنسبة خمسين بالمائة لكل جانب بين الإيجاب والسلب، والأمر يعتمد أيضًا على شخصية الفنان نفسه، فهناك من يفضل العمل بمفرده، وهناك من لا يبدع إلا داخل مجموعة يألفها، وهذه الظاهرة تظهر بوضوح بين الممثلين، ولها جانب إيجابي كبير، فالكاتب عندما يعتاد العمل مع ممثل معين، يصبح قادرًا على فهم أبعاده النفسية، ويعرف جيدًا كيف يكتب له المفارقة الكوميدية التي تناسبه، وكيف يستخرج منه أعلى طاقة أدائية ممكنة، هذا التناغم يفسر أحيانًا خوف الممثل من المغامرة مع كاتب جديد، وتفضيله الاستمرارية مع من يضمن معه النجاح.

نشهد في الأونة الأخيرة جدلاً حول ظاهرة “البطل الأوحد” وسيطرته على المشهد الفني كيف ترى هذه الظاهرة؟
في الحقيقة، ظاهرة “النجم الأوحد” ليست وليدة اليوم، ولم تظهر مؤخرًا كما يظن البعض، بل هي طبيعة أصيلة في صناعة السينما والدراما المصرية منذ عقود طويلة، وهناك اسم كبير يتمحور حوله العمل، حيث رأينا ذلك بوضوح مع عمالقة مثل عادل إمام، وأحمد زكي، ونادية الجندي، ثم استمرت الظاهرة مع صعود جيل محمد هنيدي، وصولاً إلى نجوم اليوم، وهي تركيبة تسويقية وجماهيرية موجودة منذ زمن طويل وتفرضها طبيعة السوق.

وما رأيك في كسر هذا النمط التقليدي مؤخرًا من خلال الجمع بين نجمين كبيرين في عمل واحد ؟
هذا التوجه يمثل ظاهرة صحية وإيجابية للغاية في كسر النمط التقليدي، عندما يلتقي نجمان من عيار ثقيل في عمل واحد، فإننا ندمج القوة الشرائية والقاعدة الجماهيرية لكل منهما، مما يضمن للعمل نجاحًا تجاريًا وجماهيريًا ضخمًا، ويخلق حالة من الزخم والتشويق لدى المشاهد، وهذه الثنائيات تثري الصناعة وتخلق منافسة فنية ممتعة ومفيدة للجميع.